من استهلاك التقنية إلى إنتاج المعرفة

من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
من استهلاك التقنية إلى إنتاج المعرفة
التحدي الحقيقي للاقتصاد في العصر الرقمي

منبر بنيان
مقالات من بطون كتب ونبض الميدان

المقدمة

في العقود الأخيرة، انتشرت التقنية في كل مكان. الهواتف الذكية، الإنترنت، المنصات الرقمية، والذكاء الاصطناعي
لم تعد حكرًا على دول بعينها. غير أن المفارقة الصادمة أن هذا الانتشار الواسع لم يؤدِّ بالضرورة إلى نهضة اقتصادية شاملة، ولا إلى تضييق الفجوة بين الدول، بل في كثير من الأحيان عمّقها.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم
ليس: من يملك التقنية؟ بل: من يُنتج المعرفة التي تقوم عليها التقنية؟
فالاستهلاك، مهما اتسع، لا يصنع تنمية مستدامة. والتقنية حين تُستعمل دون امتلاك أدوات فهمها وتطويرها، تتحول من فرصة إلى تبعية ناعمة.

هذا المقال يستند إلى كتابين يتكاملان في الإجابة عن هذا السؤال الجوهري:
كيف تنتقل المجتمعات من مجرد استخدام التكنولوجيا إلى بناء اقتصاد معرفة قادر على المنافسة والاستمرار؟

اولا
يُبيّن كتاب The Global Innovation Divide أن الفجوة الحقيقية في العالم اليوم لم تعد فجوة دخل فقط،
بل فجوة ابتكار.
دول كثيرة تمتلك نفس الأجهزة،
ونفس البرمجيات، وتستخدم نفس التطبيقات،
لكنها لا تمتلك القدرة على إنتاج معرفة جديدة أو تحويلها إلى قيمة اقتصادية.

المشكلة، كما يشرح الكتاب،
ليست في نقص الذكاء أو الموارد البشرية، بل في غياب المنظومات التي تحوّل التعليم والبحث إلى ابتكار، والابتكار إلى صناعة، والصناعة إلى تنافسية عالمية.

المعرفة ليست معلومة، بل عملية تراكمية، تبدأ من التعليم الجيد،
مرورًا بالبحث العلمي التطبيقي،
وصولًا إلى بيئة اقتصادية تسمح بالفشل والتجريب والمخاطرة.

ثانيا
في المقابل، يقدّم كتاب Learning to Compete منظورًا عمليًا لكيفية بناء هذه المنظومات.
القدرة على المنافسة لا تُستورد، بل تُتعلّم. والدول التي نجحت لم تبدأ من القمة، بل من إصلاح عميق في التعليم التقني، وربط الجامعات بالصناعة، وتحفيز الشركات على الاستثمار في البحث والتطوير.

الكتاب يوضح أن الاقتصادات الصاعدة التي تحولت إلى منتجة للمعرفة لم تكتفِ بتدريب المستخدمين، بل ركزت على تكوين المصممين، والمهندسين، والباحثين، وأصحاب القرار القادرين على فهم التكنولوجيا لا مجرد تشغيلها.

الفرق الجوهري بين استهلاك التقنية وإنتاج المعرفة يظهر في مسألة القيمة المضافة. المستهلك يدفع، والمنتج يربح. المستهلك يعتمد، والمنتج يفاوض. المستهلك يتأثر بالتغيرات العالمية، والمنتج يشارك في صنعها.

وحين تصبح المعرفة محلية، تصبح القرارات الاقتصادية أكثر استقلالًا،
والسياسات أكثر واقعية
، والقدرة على الصمود أعلى في وجه الأزمات.

في كثير من اامجتمعات ، جرى الخلط بين إدخال الحواسيب إلى المدارس وبين بناء اقتصاد معرفة. لكن التقنية دون مضمون معرفي ليست إلا واجهة. المعرفة تُبنى حين يتعلم الطالب كيف يسأل، لا كيف يحفظ، وحين يُكافأ الباحث على حل مشكلة محلية لا على تكرار نظريات مستوردة.

وهنا تبرز أهمية الدولة لا كمستخدم للتقنية، بل كمنسّق لمنظومة المعرفة. الدولة التي تضع سياسات تعليمية وبحثية منسجمة مع احتياجات اقتصادها، وتدعم الصناعات الناشئة، وتحمي الملكية الفكرية، هي التي تفتح الطريق أمام التحول الحقيقي.

الواقع السوداني والعربي

في السياق السوداني والعربي عمومًا، نرى حضورًا كثيفًا للتقنية مقابل غياب إنتاج المعرفة.
الجامعات تخرّج أعدادًا كبيرة، لكن الارتباط بين البحث والاقتصاد ضعيف.
الشركات تستخدم التكنولوجيا، لكنها نادرًا ما تطورها.
النتيجة اقتصاد يعتمد على الاستيراد، ويُدار بتقنيات لا يملك مفاتيحها، ويظل هشًّا أمام أي اضطراب خارجي.

غير أن الفرصة ما زالت قائمة. الاستثمار في التعليم التقني، وربط الكليات بالصناعة، وتشجيع البحث التطبيقي المرتبط بالزراعة، التعدين، الطاقة، والخدمات، يمكن أن يشكّل نواة لتحول معرفي حقيقي.

المعرفة هنا ليست ترفًا فكريًا، بل شرطًا للبقاء في عالم تتحدد فيه القوة بقدرة الدول على التعلم أسرع من غيرها.

الخاتمة

الانتقال من استهلاك التقنية إلى إنتاج المعرفة ليس قفزة سريعة،
بل مسار طويل يتطلب صبرًا، ورؤية، وتنسيقًا بين التعليم والاقتصاد والسياسة.

التقنية وحدها لا تصنع تنمية، والمعرفة وحدها لا تكفي إن لم تتحول إلى قيمة. لكن حين تلتقي المعرفة بالإرادة، يصبح المستقبل قابلًا للتشكيل لا مجرد انتظار.
في العصر الرقمي، الأمم لا تُقاس بما تملكه من أجهزة، بل بما تُنتجه من أفكار، وبما تستطيع أن تتعلمه وتطوّره باستمرار.

رؤية المقال القادم في السلسلة

في المقال القادم من سلسلة الاقتصاد والتقنية، ننتقل من سؤال المعرفة إلى سؤال التنفيذ:
كيف تتحول المعرفة إلى صناعة،
والصناعة إلى تنافسية، دون الوقوع في فخ الدولة المتضخمة أو السوق المنفلت؟

وسنعود إلى بطون كتب تناقش الدولة التنموية، والسياسات الصناعية الذكية، ودور الشراكة بين القطاعين العام والخاص في بناء اقتصاد منتج لا تابع.

هكذا يمضي منبر بنيان
كتابًا يُفتح… وفكرة تُزرع… ومسارًا يُبنى.

عبد العظيم الريح مدثر

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

تقلبات أسعار النفط… من يحرك البرميل؟

منبر بنيان مقالات من نبض الواقع، ،بمرجعيه بطون كتبليس النفط مجرد سلعة.إنه عصب صناعي، ورافعة …