من التكيّف الهيكلي إلى التحول الاجتماعي: دروس نصف قرن من التجربة السودانية

من التكيّف الهيكلي إلى التحول الاجتماعي: دروس نصف قرن من التجربة السودانية

From Structural Adjustment to Social Transformation: Lessons from Half a Century of Sudanese Experience

بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية

تستحق هذه السلسلة من المقالات الاقتصادية الثمانية الاهتمام الواجب رغم أن الخطاب العام في السودان والمجتمع الدولي  ينشغل إلى حدٍّ كبير بالبحث عن وقفٍ لإطلاق النار وسبل إسكات البنادق. غير أن إخماد صوت السلاح، على ضرورته القصوى، لن يكون كافياً لبناء سلامٍ مستدام ما لم يُقترَن بقدرة البلاد على إعادة تأسيس اقتصادٍ مدني فاعل ودولةٍ اجتماعية قادرة على تحقيق العدالة وتوفير سبل العيش والأمل للمواطنين. وفي هذا الأفق الأوسع، تأتي هذه السلسلة من المقالات الاقتصادية لتقدِّم إسهاماً فكرياً مرتباً زمنياً في الحوار المدني الموازي للتفاوض العسكري الذي ينبغي أن يواكب، بل يوجّه، المسار العسكري والسياسي الجاري حالياً.

وتنطلق هذه السلسلة من المقالات من حقيقة أن خيارات السودان الاقتصادية في المرحلة الانتقالية القادمة لا يجوز أن تُختزَل في شعاراتٍ تبسيطية من نوع ”الاعتماد على الذات“، وهي شعارات تضاعف فقدان موثوقيتها بعد الدمار الشامل الذي ألحقته حرب أبريل 2023 ببنية الدولة والاقتصاد معاً. فـ”الذات“ التي يُزعَم الاعتماد عليها قد استُنزِفت تماماً بفعل الخراب وفقدان رأس المال الإنتاجي والمؤسسي، الأمر الذي يجعل من إعادة الانخراط الاستراتيجي مع المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، خياراً عقلانياً لا تعبيراً عن تبعية، بل عن إرادة بقاء جماعية ورغبة في إعادة البناء. 

ومن هذا المُنطلَق، تتجاوز أهمية هذه المقالات البُعد الاقتصادي البحت، لتسهم في تأسيس حوار مدني فكري حول إعادة الإعمار والتنمية، يُعيد تعريف علاقة السودان بالمؤسسات الدولية على أساس الشراكة السيادية لا العزلة ولا التبعية. وتتمثل رسالتها الجوهرية في أن طريق التعافي لن يُشقّ عبر ساحات القتال ولا شاشات الفضائيات، بل عبر عقدٍ اجتماعي واقتصادي جديد يزاوج بين الواقعية المالية والعدالة الاجتماعية، ويحوّل التعاون الدولي إلى أداةٍ لبناء الدولة لا إلى وسيلةٍ للوصاية عليها.

على مدى أكثر من خمسة عقود، ظلّ الاقتصاد السوداني يعيش بين موجات متعاقبة من «الإصلاح» و«الانهيار»، من دون أن يتحقق التوازن المنشود بين النمو والعدالة. فمنذ أول تعاون رسمي مع صندوق النقد الدولي عام 1978 وحتى الحرب الأخيرة في 2023، كان السودان ميداناً مفتوحاً لتجارب التكيّف الهيكلي، تارةً تحت لافتة “الاستقرار المالي”، وتارةً أخرى باسم “التحول الليبرالي”، لكنها جميعاً حملت النتيجة نفسها: هشاشة اقتصادية تُغذِّي هشاشة سياسية.

ما يميز التجربة السودانية أنها لم تكن مجرد مسار اقتصادي، بل مرآة لتحولات الدولة نفسها، من الاشتراكية إلى الانفتاح، ومن الإسلام السياسي إلى النيوليبرالية الريعية، ثم إلى محاولات بناء دولة مدنية حديثة بعد ثورة ديسمبر 2018. ومع كل دورة جديدة من الإصلاح، كان السؤال المركزي يتجدد: كيف يمكن تحقيق الاستقرار الاقتصادي من دون التضحية بالعدالة الاجتماعية؟

تُظِهر التجارب السودانية المتعاقبة أن المشكلة لم تكن في «وصفات» صندوق النقد الدولي وحدها، بل في غياب الرؤية الوطنية الشاملة التي تربط الاقتصاد بالسياسة. فبرامج الإصلاح كانت تُفرض من أعلى، بلا مشاركة حقيقية من الفئات المنتجة، ودون حماية اجتماعية للفئات الضعيفة. لذلك، ما إن تبدأ موجة الإصلاح حتى تتبعها احتجاجات ومعاناة، تنتهي غالباً بانهيار النظام الذي أطلقها.

لقد كانت تجربة الرئيس جعفر نميري في أواخر السبعينات أول اختبار حقيقي للتكيّف الهيكلي في السودان، حين تحولت البلاد فجأة من الاشتراكية إلى الليبرالية الاقتصادية. فتم تخفيض العملة الوطنية ورفع الدعم وتحرير الأسعار في غياب مؤسسات قادرة على امتصاص الصدمة. ومع أن البرنامج حقق بعض التحسن المؤقت في الصادرات، إلا أنه سرعان ما قاد إلى تضخم مرتفع واضطرابات اجتماعية انتهت بانتفاضة أبريل 1985.

ثم جاءت الديمقراطية الثالثة (1986–1989) لتواجه الأزمة نفسها، لكن بأدوات مختلفة. حاولت حكومة الصادق المهدي تحقيق إصلاح تدريجي قائم على «القبول المشروط» ببرامج الصندوق، غير أن الانقسام الحزبي والإضرابات المطلبية التي أججتها الجبهة القومية الإسلامية شلّت قدرة الحكومة على التنفيذ، فانتهى المشهد بانقلاب عسكري جديد نفذه الإسلاميون رفع شعار “الإنقاذ الوطني”.

أما نظام الإنقاذ (1989–2019) بقيادة الإسلاميين فقد قدّم المثال الأوضح على العلاقة الجدلية بين الاقتصاد والسياسة في السودان. فبدأ برفضٍ أيديولوجي لما سماه «التبعية للغرب»، لكنه انتهى إلى تعاونٍ براغماتي كامل مع المؤسسات الدولية. وخلال عقدين من الطفرة النفطية (1999–2011)، نما الاقتصاد على الورق بينما تآكلت العدالة والمساءلة في الواقع. وحين فقد السودان 75% من عائداته النفطية بعد الانفصال، انهار البناء الريعي بأكمله وانهار معه نظام الإنقاذ.

ثم جاءت المرحلة الانتقالية (2019–2021) لتفتح نافذة أمل جديدة، حاولت عبر حكومة الدكتور عبد الله حمدوك أن تؤسس لإصلاح حقيقي يربط الاقتصاد بالديمقراطية. ورغم بعض النجاحات في استعادة الثقة الدولية، فإن ضعف التوافق الداخلي والانقلاب العسكري في أكتوبر 2021 أجهضا التجربة قبل أن تنضج.

ومع اندلاع حرب أبريل 2023، دخل السودان طوراً جديداً من الانهيار الشامل. لكن وسط هذا الركام تبرز فرصة تاريخية لإعادة البناء. فالعالم اليوم، وخاصة صندوق النقد الدولي، لم يعد كما كان في سبعينات وثمانينات القرن الماضي؛ فقد تبنّى الصندوق في 2022 استراتيجية جديدة للدول الهشّة والمتأثرة بالنزاعات، تقوم على المرونة والحماية الاجتماعية بدلاً من الصدمات المالية، وعلى دعم بناء المؤسسات لا مجرد فرض الأرقام.

لذلك، فإن التحول الاجتماعي والاقتصادي القادم لا ينبغي أن يبدأ من الصفر، بل من وعي نقدي بالتجربة السابقة: أن الإصلاح لا ينجح إلا حين يكون وطنيّاً، تشاركياً، وعادلاً. فالتنمية ليست معادلة حسابية بل عقد اجتماعي، والاقتصاد ليس “مستقلاً عن السياسة”، بل هو في قلبها.

إن الدرس الأعمق الذي تخلص إليه هذه السلسلة من المقالات أن السودان لا يحتاج إلى وصفة اقتصادية جديدة بقدر ما يحتاج إلى فلسفة جديدة للتنمية،  فلسفة تجعل من العدالة الاجتماعية والحوكمة الرشيدة والنزاهة السلوكية ركيزة لأي إصلاح مالي أو هيكلي. فالتاريخ أثبت أن الإصلاح من دون مشاركة يؤدي إلى الانهيار، تماماً كما أن العدالة بلا كفاءة اقتصادية تقود إلى الجمود. وبين هذين الحدّين، تبدأ معركة الوعي من جديد: كيف نحوّل التجربة القاسية مع برامج التكيف الهيكلي إلى رؤية للمستقبل؟ وكيف نجعل من الاقتصاد أداةً للتحرر، لا أداةً للتبعية؟

melshibly@hotmail.com

عن بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

شاهد أيضاً

”تَأسِيْسٌ أمِ ابْتِنَاءٌ“؟

”تَأسِيْسٌ أمِ ابْتِنَاءٌ“؟ فِي خَطَلِ مُصْطَلَحِ ”تَأسِيْسِ“ السُوْدِانِ وَإشْكَالِيَّةِ مَحْوِ التَارِيْخ فِي خِطَابِ السِلَاحِ Against …

https://bpbd.sumbarprov.go.id/

https://kweeklampenkopen.nl/type/

mstoto

slot mahjong

https://www.a1future.com/how-we-do-it-better/

slot gacor