وقَعَ انقلابُ أكتوبر المشؤوم ليُشكِّل حاجزًا أمام مسار الثورة والتحوُّل الديمقراطي. فواجهه الشعب وشبابُه سِلميًّا، وسقط عشراتُ الشهداء في العاصمة والأقاليم، وتعرّض كثيرون للاعتقال والتعذيب، وعوقِبَ الشعبُ بقطعِ الاتصالات والكهرباء لفترات طويلة.
ولمّا اندلعت الحرب، أُفرغت المدنُ قسرًا من سكانها، واحتمى الانقلابُ بالحرب، لكن ظلّت قوى الثورة تُطالب قادته بإنهائه والعودة إلى صفّ الشعب.
والآن، الشواهدُ تقول إنّ قادة الانقلاب أنفسهم يعيشون ورطةَ ارتمائهم في حضن التيار الإسلامي، المتَّهَم بالمساهمة في إشعال الحرب واستمرارها، والذي يستغل حالةَ الخوف التي تهيمن عليهم من المساءلة عن جرائمهم قبل الحرب وبعدها، في التمسك بالسلطة التي استعادوها بقوة الانقلاب.
إلى جانب ذلك، تؤكّد الشواهدُ لقادة الانقلاب أن هذه الحرب لا يمكن حسمها عسكريًّا، وحتى بافتراض حسمها عسكريًّا، فإنّ الإصرار على فرض واقع سياسي بالقوة لن يؤدّي إلا إلى تفجير ثورةٍ أعنف من ثورة ديسمبر، لا سيّما في ظلّ الأزمات المتفاقمة، وعلى رأسها الدمار الهائل الذي طال البنية التحتية والمنشآت الحيوية، والانهيار الاقتصادي الشامل، وغياب أيّ نصير خارجي فاعل ومؤثّر.
وذاتُ التحديات التي تواجه قادةَ الانقلاب تواجهُ، تيارَ الإسلام السياسي، وبصورة أكثر تعقيدًا، لكونه الحاكمَ الفعلي. وقد سبق للشعب أن رفضه، ومستجداتُ الأحداث تجعل هذا الرفضَ أشدَّ وأوضح.
إنّ هذا النظام، في نُسخته الحالية، يقوم على تحالفٍ غير مسبوق في تاريخ الدول والحكومات: تحالفٍ بين جيشٍ تقوده التيارات الإسلامية، وبين مليشياتٍ متنافرة يصعب حصرها؛ بعضها مملوك لهم، وبعضها تجمعهم به “مصالح المصائب”، رغم التباين في التوجّهات العقائدية والرؤى المستقبلية.
على الإسلاميين أن يُواجِهوا حقيقةَ أنَّ هذا التحالفَ سينهارُ بأسرعَ ممّا يتوقّعون، فَعِندَما تتمايزُ الصفوفُ، فَكُلُّ المليشياتِ الّتي نَشَأتْ تحتَ شِعارِ التّهميشِ، لَن تَجِدَ مكانًا لها إِلّا وَسْطَ الجَماهيرِ الّتي تُنادِي بالتّداوُلِ السِّلميِّ للسُّلطةِ، والتّوزيعِ العادِلِ للثّروةِ، والتّنميةِ المُتوازنةِ، ودَولةِ المُواطنةِ.
لِذٰلكَ، يَتَضِحُ لِكُلِّ ذِي بَصِيرةٍ، أَنَّ هٰذا التَّحالُفَ الَّذِي لا يَجمَعُ بَيْنَ أَطرافِهِ أَيُّ مَشروعٍ وَطَنِيٍّ، سِوى المصالح الضيقة، يَحمِلُ بُذورَ فَنائِهِ فِي داخِلِهِ، مِمَّا يَجعَلُ مِنَ المُستَحِيلِ أَن يَستقِرَّ أَو يَصمُدَ فِي وَجهِ التَّحدّياتِ الماثِلةِ، داخليًّا وَخارجيًّا، وَيَجعَلُ مَصيرَهُ الحَتميَّ هُوَ الانهيارَ وَالدُّخولَ فِي مُواجَهاتٍ وَحُروبٍ أدهى مِمَّا نَعيشُهُ اليَومَ.
لِهٰذا، يَبقَى عَلَى الإِسلاميّينَ واجِبُ التَّدارُكِ، وَالبِدءُ بِمَدِّ أَيدِيهِم إِلَى الشَّعبِ، لِكونِهِم – بَانقِلابِهِم، وَمِيليشِيّاتِهِم، وَمَشروعِهِم الإِقصائيِّ، وَسَيطَرَتِهِم عَلَى مَفاصِلِ الدَّولةِ – هُم مَن يَقِفُونَ فِي مُواجَهَةِ تَطَلُّعاتِ الشَّعبِ المَشروعةِ فِي الدِّيمُقراطيَّةِ وَالسَّلامِ وَالاستِقرارِ وَالنُّمُوِّ. ثُمَّ يَأتي دَورُ قُوَى الثَّورةِ، وفِيهِم مَن لا يُقفِلُ بابَ الحَلِّ السِّلميِّ، وَفِيهِم مَن يَتَخوَّفُ مِن نَتائِجِهِ، وَفِيهِم مَن يَرفُضُهُ. وَلِهٰذا نُذَكِّرُ أنفسنا جميعا، بِحَقيقةٍ أَنَّ الشَّعبَ لَن يَجنيَ شَيئًا مِنَ المُساجَلاتِ وَتَبادُلِ الكَراهِيَةِ. فَهٰذِهِ حَلْقَةٌ مُفرَغَةٌ، وَدائِرَةٌ خَبيثَةٌ، وَفَخٌّ مَنصوبٌ يُلهِينا عَنِ الهَدَفِ الأَساسيِّ.
إِنَّ عَلَى قُوَى الثَّورةِ، بِوَصفِها الأَحرَصَ عَلَى مُستَقبَلِ وَطَنٍ أَضحى رُكامًا وَشَعبُهُ مُشَرَّدًا، أَن تَضَعَ نُصْبَ أَعيُنِهَا كُلَّ مَا مِن شَأنِهِ أَن يُحَقِّقَ العَودَةَ إِلَى الاستِقرارِ وَاستِئنافَ مَسارِ الثَّورةِ بِأَقلِّ تَكلِفَةٍ مُمكِنَةٍ، طالَما كانَ الطَّرَفُ الآخَرُ راغِبًا فِي الحِوارِ وَفِي سَدادِ استِحقاقاتِ التَّحوُّلِ الدِّيمُقراطيِّ الحَقيقيِّ، وفي مقدمتها: إنهاءِ تَمكنِهِم فِي مفاصل الدولة وَتَصفِيَةِ المِليشِيّاتِ.
نَعلَمُ جَميعًا، إِنَّ الدِّيمُقراطيَّةَ، كَما يُمكِنُ الوُصولُ إِلَيها عَبرَ الثَّورةِ أَوِ الانتِفاضَةِ، يُمكِنُ كَذلِكَ أَن تُنتَزَعَ مِن خِلالِ مُساوَماتٍ ذَكِيَّةٍ، تَنبُذُ الإِقصاءَ، وَتَنفتِحُ عَلَى حِوارٍ يُفضِي إِلَى خُروجِ قادَةِ الجَيشِ وَقُوّاتِ الدَّعمِ السَّريعِ مِنَ المَشهَدِ، وَيُؤَسِّسُ لِمُصالَحَةٍ مَعَ الإِسلاميّينَ، تَضمَنُ تَحوُّلًا دِيمُقراطيًّا حَقيقِيًّا. هٰذا الحِوارُ يَجِبُ أَن يَشمَلَ الجَميعَ، بِما فِيهِم تَحالُفُ تَأسيسٍ الَّذِي يَضُمُّ الدَّعمَ السَّريعَ وَالحَرَكَةَ الشَّعبِيَّةَ وَغَيرِهِم.
يُحدِّثُنا التّاريخُ عن ثوراتٍ عديدةٍ حقّقت أهدافها عبر تسويات سياسية مع خصومها، تجنّبًا لإراقة الدماء وانهيار الدولة. من أبرز الأمثلة: المصالحة في جنوب أفريقيا بين المؤتمر الوطني الأفريقي والحزب الوطني العنصري، التي أفضت إلى إنهاء نظام الفصل العنصري وتحقيق الانتقال الديمقراطي.
وكذلك الثورة الإسبانية ضد الديكتاتورية التي بلغت غاياتها عبر التفاوض، وما جرى في بولندا وتشيلي وتونس ولبنان، حيث مثّلت تلك التسويات مساوماتٍ ذكية حقّقت أهدافًا استراتيجية، وجنّبت بلدانها ويلات المواجهات وسفك الدماء.
أخيرا: رسالة إلى الدكتور كامل إدريس،
لعلّ الفترة الماضية كانت كافية لتقف على حقيقة، أنّ إخراج الدولة من دائرة الفشل لا يمكن أن يتم عبر المناداة بالحسم العسكري، وأنّ محاربة الفساد تظلّ مستحيلة في دولةٍ يتقاسمها صراع السلطة، ويقتات منسوبيها من الحرب والفوضى والفساد الذي يسبح فيه الجميع.
لا ندعوك إلى الاستقالة، بل نناشدك، أن تستثمر وقتك وجهدك، في محاولة قيادة حوار صادق يفتح الطريق أمام توافق وطنى حقيقي، وحلٍّ جذري يُنقذ السودان من أزمته الوجودية.
aabdoaadvo2019@gmail.com
عبد القادر محمد أحمد / المحامي
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم