بقلم د عزيز سليمان أستاذ السياسة والسياسات العامة
quincysjones@hotmail.com
لم تأت اتفاقية الدفاع المشترك بين دولة الإمارات العربية المتحدة والهند بوصفها خطوة تقنية عابرة في مجال التعاون العسكري، بل جاءت كتتويج لمسار سياسي وأمني طويل يعكس تحولات أعمق في بنية التحالفات الإقليمية. هذه الاتفاقية في جوهرها ليست مجرد تنسيق دفاعي ثنائي، وإنما تعبير عن إعادة تموضع استراتيجي يحمل دلالات تتجاوز حدود المصالح الأمنية المباشرة إلى إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والمحيط الهندي.
بدأ التقارب الإماراتي الهندي بشكل تدريجي منذ مطلع الألفية، ثم تسارع بشكل واضح بعد عام 2015 مع الإعلان عن شراكة استراتيجية شاملة. في ظاهر الخطاب الرسمي، تم تبرير هذا التقارب بالحاجة إلى حماية الممرات البحرية ومكافحة الإرهاب وتطوير الصناعات الدفاعية. غير أن القراءة السياسية الأعمق تكشف أن الاتفاقية وُقعت في لحظة دولية شديدة الحساسية، تتسم بتصاعد التنافس في المحيط الهندي، وسعي الهند إلى توسيع دورها خارج نطاق جنوب آسيا، إلى جانب انخراط متزايد لبعض الدول العربية في ترتيبات أمنية عابرة للإقليم العربي التقليدي.
التحالف الدفاعي مع الهند لا يمكن فصله عن التحولات الأيديولوجية العميقة داخل السياسة الهندية المعاصرة. فالهند اليوم تُدار من قبل تيار قومي هندوسي يتبنى خطابا سياسيا وثقافيا صداميا مع الإسلام، ويضيق على المسلمين داخل الهند نفسها، ويعيد تعريف دور الدولة الهندية بوصفها قوة حضارية في مواجهة العالم الإسلامي. في هذا السياق، يتحول التعاون الدفاعي مع دولة عربية محورية إلى رسالة سياسية تتجاوز المصالح العسكرية، وتُقرأ إقليميا باعتبارها تطبيعا استراتيجيا مع مشروع سياسي يحمل في جوهره عداء واضحا للإسلام كهوية حضارية.
انعكاسات هذه الاتفاقية لا تقف عند حدود العلاقة الثنائية، بل تمتد لتطال بنية الأمن الإقليمي بأكملها. فعلى مستوى الخليج، تُضعف الاتفاقية مبدأ الأمن الجماعي، وتفتح الباب أمام شراكات أمنية منفردة مع قوى خارج الإقليم، ما ينعكس سلبا على موقع المملكة العربية السعودية باعتبارها الثقل الجيوسياسي والديني للعالم الإسلامي. وعلى مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإن إدخال الهند كلاعب أمني مباشر يضيف عنصرا جديدا من التوتر، ويزيد من احتمالات عسكرة النزاعات، ويمد خطوط التأثير إلى مناطق حساسة تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر وشرق أفريقيا.
الأخطر من ذلك أن مثل هذه التحالفات حين تُبنى بمعزل عن البعد الحضاري والديني، فإنها تُفرغ مفهوم الأمن من مضمونه الاجتماعي، وتحوّله إلى ترتيبات تقنية قابلة للانفجار عند أول اختبار سياسي. الأمن في هذه المنطقة لا ينفصل عن الهوية، ولا يمكن اختزاله في صفقات السلاح وتبادل المعلومات.
السعودية، بما تمثله من عمق ديني واستراتيجي، تجد نفسها أمام معادلة جديدة تُصاغ خارج إطارها، وهو ما يفرض ضرورة إعادة التفكير في شكل النظام الأمني الإقليمي. الخطورة هنا لا تكمن في الهند بوصفها دولة، بل في منطق الاصطفاف الذي يعيد رسم الخرائط دون توافق عربي إسلامي جامع.
في مواجهة هذا المسار، يبرز خيار بديل أكثر اتساقا مع مصالح المنطقة، يتمثل في تشكيل حلف دفاع مشترك يقوم على الجغرافيا المشتركة والمصالح المتجانسة والهوية الحضارية، ويضم السعودية ومصر والسودان وإريتريا واليمن لتأمين البحر الأحمر وباب المندب، إلى جانب باكستان بما تمثله من ثقل عسكري وخبرة استراتيجية، وتركيا بما تملكه من قدرات صناعية ودفاعية متقدمة. هذا الحلف لا يستهدف دولة بعينها، بل يهدف إلى حماية الممرات الحيوية، ومنع التدخلات الخارجية غير المنضبطة، وصياغة مفهوم للأمن يقوم على الاستقلال الاستراتيجي لا على التبعية.
إن اتفاقية الدفاع المشترك بين الإمارات والهند ليست مجرد وثيقة عسكرية، بل مؤشر على تحول عميق في فلسفة التحالفات داخل الشرق الأوسط. وفي عالم يُعاد فيه رسم خطوط القوة، فإن الأمن الحقيقي لا يُبنى بالاتفاقات الثنائية المعزولة، بل بالتوافقات الإقليمية الجامعة. المنطقة لا تحتاج إلى استيراد قوى جديدة بقدر ما تحتاج إلى تنظيم قوتها الذاتية، وبناء مشروع أمني يحمي الجغرافيا، ويحترم التاريخ، ويصون الهوية.
لهذا المقال ما بعده.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم