بقلم مرتضى القسم عوض الكريم
تؤكد الدراسات النفسية أن القوة المطلقة تكمن في قدرتك على إغلاق الأبواب في وجه من ظننت يوماً أنك لا تستطيع العيش دونه.
ولعمري، إنها لأعظم قوة: أن تُحكم إغلاق الباب في وجه من أوهمك أنك في أمسّ الحاجة إليه، وتوهم أنك ستأتيه راكعاً.
ونسي هذا المسكين أن الركوع لغير الله مذلة، وأن كنّاز المال الجبان لا يستحق انحناءة.
فإن جاء فقل: وداعاً. وإن ألحّ فقلها أصح: فراقاً بلا رجعة.
الناس من خوف الذل في ذل، ومن وهم الفقر في فقر. وإن عزة النفس لأغلى من الدنيا وما فيها.
والله، إن منهم من تُحسن إليه فيتزين أمام الخلق بالشهامة والإباء، ثم يمد يده بلا حياء يطلب عشرة آلاف روبية، وقد أنفقت عليه أضعافها مئة مرة.
قال المتنبي في ذم أمثالهم: أصحاب طباع رديئة ونفوس ضعيفة. لو اجتمع لهم الخير ما استقاموا، ولرسوخ السوء فيهم ما تغيروا.
شفاههم ظمأى، وشعرهم جامد، لا حياة فيه ولا إبداع. ونفوسهم مثقلة بالعيوب والذنوب، تمنعهم بلوغ المعالي وتصدهم عن الخير وإن اضطروا إليه.
فهم لا يثبتون على مبدأ، ولو تفرقوا ظلت صفاتهم ملازمة لهم.
فالخلل ليس في الظروف، بل في نفس أبت الإصلاح.
والأدهى أنهم يدّعون الفضل ويفعلون نقيضه، ويتشدقون بالمروءة وهم أبعد الناس عنها.
أقوالهم شيء وأفعالهم شيء آخر.
فهؤلاء لا تصاحب ولو كثر تابعوهم. كن مع القليل الواعي، ولا تكن مع القطيع.
الغربة غربال، تُغربل الرجال وتصفي المعادن. فلا يبقى إلا الأصيل، وتتساقط القشور.
لا يعنيني قولك بعد اليوم. رأيت الأفعال فصدقتها، وسمعت الأقوال فكذبتها. صار كلامهم ضجيجاً من أفواه اعتادت النفاق، وقلبت المواقف تبعاً للمصالح.
مللتهم. وخروجهم من حياتك أولى من بقائهم. وجوه كالحة، تطعن في الظهر ثم تبتسم، ورحيلهم رحمة.
أيها المتقلب بالمصالح، عديم المروءة، الجبان المتردد، الشاخصة عيناه كالضب الميت. لا موضع لك في دفتي ولا في ذاكرتي.
فامحُ اسمك، واطوِ صفحتك، وإلى غير رجعة.
تعلمت أن الكرامة في البعد، والعز في الهجر.
وأن الصمت عن السفهاء بلاغة، ونسيانهم عبادة.
من باعك برخص لا تشتره بغلاء.
ومن كسرك مرة لا تمنحه فرصة ثانية.
ليس كل داخل يستحق البقاء، وليس كل خارج خسارة.
فكم من خسارة كانت ربحاً، وكم من فراق كان نجاة، وكم من وحدة مع الكرامة كانت ألفة.
ارفع رأسك وامضِ. فالطريق لمن صدق مع نفسه.
وداعاً لمن لا يستحقون وداعاً.
ولكن رغم كثرة هذا الصنف، ثمة قلة من الرجال الأكارم.
رجالٌ إذا وعدوا وفوا، وإذا اؤتمنوا صانوا، وإذا قيلت كلمة ثبتوا عليها كالجبال.
وجوههم بشاشة عند الضيق، وأياديهم سباقة للخير بلا منّ ولا أذى.
يحملون همّ غيرهم، ويسترون العيب، ويقيلون العثرة.
هم زينة المجالس، وعماد الشدائد، ومرآة الرجولة في زمن قلّ فيه الرجال.
هؤلاء نجوم تتلألأ في سماء جاكرتا. أصحاب الخلق القويم واليد العليا.
والله لا تجدهم إلا في مقام الآباء، في العزة والكرامة والشهامة، في زمن عزّت فيه الشهامة.
فمثل هؤلاء واجب أن نُوثق لهم لله وللتاريخ.
من باب “من فعل خيراً شكرناه” و “هل جزاء الإحسان إلا الإحسان”
murtadaasgad@gmail.com
