من النظام العام إلى النظام البذيء

من النظام العام إلى النظام البذيء… مسرحية الفضيلة التي انتهت بلعنة العسكر
إبراهيم برسي
zoolsaay@yahoo.com

في ٣٠/٦/١٩٨٩ لم يأتِ الإسلاميون بسلطة، وإنما أتوا بفضيحة طويلة العمر…
سلطة تتحدث عن “الشريعة” وهي تمارس الرشوة، وتكتب شعارات “الفضيلة” وهي تحفر بذاءةً في الوجدان، وتُقيم حدّ الله في الشوارع بينما تسرق قوت الناس البسطاء في الغرف المغلقة، وتفرض عليهم الجبايات والضرائب.

منذ ذلك اليوم المشؤوم صار السودان يعيش مسرحية تُدعى “النظام العام”، لكنها لم تنتهِ إلا بمهزلة كبرى اسمها “النظام البذيء”.

لم يكن الانقلاب على الديمقراطية حدثًا عابرًا في تاريخنا السياسي المليء بالانقلابات العسكرية، بل لحظة تأسيس لمرحلة جديدة قلبت المعاني رأسًا على عقب.

انتهت بها حياة السودانيات والسودانيين إلى ما بين مصابٍ وقتيل ومعتقل ومشرّد في الداخل أو الخارج… وظلّت الدهشة والذهول يلاحقانهم حتى الآن.

لقد كان الانقلاب على الديمقراطية انقلابًا على الضمير أيضًا.

الإسلام تحوّل من وعدٍ بالعدل والحرية إلى ذريعةٍ للهيمنة، ومن رسالةٍ لتزكية الروح إلى وسيلة لترويضها.

ومن هنا نفهم كيف انهارت اللغة الأخلاقية في الفضاء العام…

الذين تربّوا على ثقافة الجبهة الإسلامية صاروا يتحدثون اليوم بلسان البذاءة نفسها.

قادة الجيش مثل ياسر العطا وغيره يعتلون المنابر ويهتفون بعبارات مثل:

“عينك فوقه تركب فوقه”

فتتحوّل الكلمة البذيئة إلى شعارات يرددها الجنود الصغار، وكأنها أوامر عسكرية.

البرهان نفسه لا يتردد في أن يقذف عبارته الأكثر ابتذالًا:

“ياخ ده كتلكم وكتل أمك وظعطكم”

في لحظة خطابية تفصح عن احتقارٍ متجذّر للمواطن السوداني، وعن انحدارٍ لغوي صار جزءًا من السلطة.

أما كباشي، فيلوّح بيديه أمام الكاميرات بحركات ذات إيحاءات جنسية سافرة، فيحوّل لغة الدولة إلى مسرحٍ للإهانة والاستعراض الجسدي المبتذل والرخيص.

هذه الألفاظ والإشارات ليست “زلات لسان” أو “هنّات في التعبير”، بل حصاد ثلاثة عقود من غرسٍ متواصل في المؤسسات:

منابر الجمعة التي تُعيد إنتاج الطاعة.
مناهج التعليم التي تُدرِّب على التلقين.
أجهزة الأمن التي تُقدّس الانصياع.

كل ذلك صاغ عقلًا مؤسسيًا يرى في البذاءة قوة وفي القهر شرفًا.

لكن ما يبدو من بذاءات العسكر اليوم لم يهبط من فراغ، بل هو الامتداد الطبيعي لسياساتٍ أعمق لتمكين الجبهة الإسلامية منذ انقلابها الأول.

سياساتٌ زرعت التجهيل، خرّبت التعليم، أفسدت القضاء، وحوّلت الدين إلى “مسواك” و“مسبحة” و“علامة صلاة” تعلو الجبين.

في سنوات “التمكين” الأولى، أصدر النظام قرارات فصل واسعة تحت لافتة “الصالح العام” (١٩٨٩–١٩٩٢)، طالت القضاة وأساتذة الجامعات والموظفين في الخدمة المدنية.

لم تكن مجرد قرارات إدارية، بل عملية جراحية لاقتلاع الاستقلالية واستبدالها بولاء حزبي.

ولهذا وُضع معيار جديد: “المطيع الجاهل” أكثر قيمة من “العالم الناقد”.

ثم اندلعت “ثورة التعليم العالي” عام ١٩٩٠.

توسّعت الجامعات خمسة أضعاف خلال عقدين، لكن بلا مكتبات كافية ولا معامل ولا كادر مؤهل.
كان الشعار “التوسع”، لكن المضمون كان تجنيدًا لا بحثًا… أو بالأحرى نوعًا من الاستثمار.

صار الامتحان عتبة ولاء، وصارت الشهادة ورقة “تبلها وتشرب مويتها”.

حتى اتحادات الطلاب تحوّلت إلى ميليشيات حزبية، والحرم الجامعي إلى ساحة صراع أمني، ومساجد الجامعات إلى مخازن للسيخ والسلاح الأبيض.

ومع ذلك لم يستطع النظام إخفاء جريمته التاريخية…

فبعد ثورة ديسمبر ٢٠١٨ وقرارات ما بعد ٢٠١٩، أُعيد جزء من المفصولين، بينهم ٢٥ قاضيًا، في اعتراف ضمني بأن تلك الحقبة كانت إذلالًا ممنهجًا للمؤسسات.

ومع مرور الوقت، وُلدت مرارة اجتماعية تجاه كل من يتمسك بالمعايير العلمية الحقيقية، وصار هناك حقدٌ مبطّن على أصحاب الكفاءة لأنهم يفضحون العطب العام… إلى أن بدأت هجرة السودانيين في أوائل التسعينيات.

أما الإعلام، فقد وُضع منذ البداية تحت وصاية صارمة:

قانون الأمن الوطني (١٩٩٠).
قانون الصحافة (٢٠٠٩).
قانون جرائم المعلوماتية (٢٠٠٧).

كلها شكّلت جدارًا من الرقابة المحكمة.

صودرت الصحف مرارًا، وصدرت صفحات بيضاء احتجاجية، واختُزلت الحقيقة في بيانات رسمية.

الصحفي الذي يكتب يعرف مسبقًا أن صوته سيُبتر قبل أن يكتمل، فيبتلع نصف ما يريد قوله…

وحين جاءت ثورة ديسمبر وأُتيحت حرية التعبير لفترة قصيرة، كان الإرث من الثقل بحيث لم تستطع التجربة الوليدة أن تبني مؤسسات صلبة أو ثقة جديدة.

أما الفساد، فلم يكن حادثة عابرة، بل بنية راسخة.

الاقتصاد السياسي تحوّل إلى ما سماه أليكس دي وال “سوق السياسة”:

المناصب تُباع…
الولاءات تُشترى…
والريع يُوزّع لضمان الولاء.

أصبحت العدالة استثناءً نادرًا، وصارت الاستقامة سذاجة.

ومن يرفض التواطؤ يُقصى أو يُلقى به في المعتقلات و“بيوت الأشباح”.

وفي منتصف التسعينيات (١٩٩٦–١٩٩٨) جاءت منظومة “النظام العام”.

تحوّل جسد المرأة إلى ميدان مفتوح للتفتيش والعبث والإذلال، وصارت الأخلاق نصًا غامضًا يفسّره الشرطي ومحاكم النظام العام.

المضايقات في الشوارع، الاعتقالات، والسياط التي سقطت على أجساد النساء والرجال… كلها كانت رسائل تقول: الفضيلة هنا ليست قيمة، بل أداة إذلال.

وعندما أُلغي القانون في ٢٨/١١/٢٠١٩ مع حل المؤتمر الوطني، كان ذلك اعترافًا متأخرًا بأن ما عاشه السودانيون طوال ثلاثة عقود لم يكن سوى إذلالًا مؤسسيًا مقننًا.

لم يكن الخراب الذي زرعته الجبهة الإسلامية سياسيًا أو اقتصاديًا فحسب، بل كان خرابًا في المستوى الأعمق: وعي الناس ومعانيهم.

لقد أنتجت سنوات القمع “عجزًا متعلَّمًا” جعل الأفراد يقتنعون أن الفعل عبثٌ، وأن المقاومة قدرها الفشل.

فاستسلموا للتواطؤ أو الصمت.

ومن حاول أن يصمد كان مرآةً قاسية تعكس عجز الآخرين، فيعادونه سرًا ويُوصمونه بالزندقة أو العمالة الخارجية.

ولم يكتفِ هذا الإرث بالعجز، بل صاغ ما سماه نيتشه “المرارة التي تتحوّل إلى ضغينة”.

صار هناك حقدٌ مكتوم تجاه المتعلمين لأنهم يذكّرون الناس بما فاتهم…

وحقدٌ على أصحاب الأخلاق لأنهم يفضحون الرداءة.

لم يعد المستقيم قدوة، بل صار عائقًا.

وصارت النزاهة نفسها نوعًا من التحدي للمزاج العام.

وهكذا يتضح أن الدين لم يُختطف وحسب، بل أُفرغ من معناه.

تحوّل إلى نصٍّ يُستعمل كسلاحٍ سياسي، وشعيرةٍ تؤدى كعرضٍ مسرحي، وشعارٍ على اللافتات أكثر منه ضميرًا في القلوب.

العدل، الكرامة، الصدق… كلها تراجعت لتحل محلها الطاعة والرياء والسطوة.

وهذا هو الخراب الأخطر: أن يصبح الحق مجرّد كلمة، وأن تُختزل الفضيلة في الزيّ، وأن تُستبدل المعرفة بالشهادة.

لقد ورث السودان من الإسلاميين أكثر من خراب اقتصادي أو سياسي.

ورث جرحًا غائرًا في طبقته الأعمق: طبقة الوعي والمعنى.

مجتمعٌ يُعاقَب فيه المتعلم لأنه يفضح الجهل، ويُحتقر فيه المستقيم لأنه يعطّل الصفقات، ويُحوَّل فيه الدين إلى “بقايا طقوس تُستعرض أكثر مما تُعاش”.

لذلك فإن أي حديث عن انتقالٍ جديد لن يكون صادقًا ما لم يبدأ من هنا:

من استعادة التعليم كإنتاجٍ للمعرفة لا كـ“تكدّس للشهادات”.
ومن استعادة الأخلاق كجرأةٍ في الموقف لا كسياط تلهب ظهور الضعفاء.
ومن استعادة الدين كقوةٍ للعدل لا كقناعٍ للهيمنة.

ما تركه الإسلاميون ليس دولة منهارة فحسب، بل قاموسًا مشوّهًا للأخلاق.

جعلوا الطاعة دينًا، والبذاءة بطولة، والنزاهة حماقة.

الجنرالات الذين يلوّحون بأصابعهم في المنابر اليوم ليسوا “انحرافًا عن المسار”، بل الثمرة الطبيعية لثلاثة عقود من تسميم اللغة والوعي.

وما لم يُكسر هذا القاموس نفسه، سنظل نسمع:

“عينك فوقه تركب فوقه” كأنها أوامر عسكرية،

ونعيش:

“ياخ ده كتلكم وكتل أمك وظعطكم” كأنها برنامج حكم.

الخراب هنا ليس في الخرائط بل في العقول…

ومن لم يفهم ذلك سيعيد إنتاج المأساة، لكن بلغة أكثر بذاءة ووجوه أكثر وقاحة.

عن إبراهيم برسي

إبراهيم برسي

شاهد أيضاً

ما هي السيناريوهات المحتملة في حال سقوط النظام الإيراني؟

إبراهيم برسيzoolsaay@yahoo.com في أواخر ديسمبر ٢٠٢٥، ومع تدهور الريال إلى مستويات قياسية أمام الدولار، دخل …