د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
تتناول المقالة كيفية انتقال «صمود» من تحالف سياسي مدني معارض للحرب إلى قوة مدنية وطنية قادرة على التأثير الفعلي في موازين القوى داخل السودان، وتنطلق من حقيقة أن الحرب منذ 15 أبريل 2023 لم تغيّر التوازن العسكري والسياسي فقط، بل أعادت تشكيل المجتمع والدولة والاقتصاد والمجال المدني. ولذلك فإن إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة لا يمكن أن ينجحا من خلال الترتيبات العسكرية وحدها، وإنما يحتاجان إلى إعادة بناء قوة مدنية منظمة وواسعة وقادرة على التمثيل والخدمة والحكم والتفاوض. وتتمثل الفكرة المركزية في أن صمود إذا أراد تغيير موازين القوى فعلياً، فعليه أن ينتقل من مفهوم «تحالف سياسي ضد الحرب» إلى مفهوم «بنية مدنية وطنية قادرة على التنظيم والخدمة والتمثيل والحكم والتفاوض».
يبدأ التحليل من التحولات التي أحدثتها الحرب في خريطة السلطة. فقد أدت الحرب إلى تآكل مؤسسات الدولة، وتوسع النزوح، وتدمير الخدمات والبنية التحتية، وتراجع الاقتصاد، وظهور مراكز متعددة للسلطة والنفوذ، بينما أصبحت المجتمعات المحلية والمنظمات المدنية وشبكات الإغاثة وغرف الطوارئ ولجان المقاومة والمهنيون والنساء والشباب أكثر أهمية في إدارة الحياة اليومية. ومن ثم فإن إعادة بناء الدولة تحتاج إلى إعادة بناء المجال المدني نفسه، لأن الدولة التي ستخرج من الحرب لن تكون مستقرة إذا لم توجد حولها قوة اجتماعية منظمة قادرة على مراقبتها ومساءلتها والمشاركة في إعادة تأسيسها.
وفي هذا السياق ظهر «صمود» في 11 فبراير 2025 بعد انهيار «تقدم» في اليوم السابق، نتيجة الخلافات حول مسألة الحكومة الموازية، وضم التحالف مجموعة واسعة من القوى والأحزاب والحركات المدنية والسياسية، مع امتدادات إلى شبكات المقاومة وغرف الطوارئ والمجموعات المهنية والنسائية والشبابية والمجتمعية. وأصبح صمود من أوسع الأطر المدنية المناهضة للحرب، ويرتكز على وحدة السودان، وإنهاء الحرب، والانتقال الديمقراطي المدني، والمواطنة المتساوية، وإعادة بناء الدولة على أسس دستورية، مع اتجاه نحو اللامركزية أو الفيدرالية وفصل الدين عن الدولة، وإعادة تأسيس جيش وطني مهني واحد خاضع للسلطة المدنية الدستورية.
غير أن اتساع التحالف السياسي لا يعني تلقائياً امتلاكه قوة اجتماعية وتنظيمية مماثلة. فالقوة السياسية لا تُقاس بعدد الأحزاب أو الشخصيات الموجودة في القيادة فقط، وإنما بقدرة التنظيم على الوصول إلى المواطنين، وبناء شبكات محلية، وتقديم الخدمات، وتمثيل المصالح الاجتماعية، وإنتاج السياسات، والحفاظ على الشفافية والاستقلال، وتحويل التأييد الشعبي إلى قدرة مؤسسية مستدامة. لذلك فإن المشكلة الأساسية أمام صمود ليست فقط كيفية تحسين خطابه السياسي، وإنما كيفية بناء بنية وطنية حقيقية داخل السودان، تستطيع العمل في الولايات والمحليات والمجتمعات المتضررة من الحرب.
ويتقاطع ذلك مع التحول الجديد الذي شهدته مبادرة الحوار السوداني ـ السوداني المدعومة من قيادة الجيش. فقد أعلن عبد الفتاح البرهان في مايو 2026 التحضير لحوار داخلي شامل يهدف إلى الاتفاق على مبادئ إدارة المرحلة المقبلة وإعادة الإعمار وفتح الطريق أمام الحكم المدني الديمقراطي. ثم تطورت المبادرة خلال أغسطس، وطرحت ضمانات قانونية وإجرائية للمشاركين، مع تأكيد أن دور الدولة ينبغي أن يقتصر على توفير الأمن واللوجستيات والضمانات القانونية، وألا تتحكم في أجندة الحوار أو نتائجه، إضافة إلى الحديث عن حماية المشاركين من بعض الإجراءات القانونية المرتبطة بالمشاركة، وإتاحة المجال للنقاش العام وعدم حصر الحوار في القاعة أو في النخب السياسية.
وفي نهاية أغسطس بدأت اللجنة التمهيدية للحوار عملها في الخرطوم، بعد أن كانت بورتسودان مركزاً لإطلاق المبادرة السياسية والإعلان عنها. وأعلنت اللجنة أنها ستعمل بصورة مستقلة على إعادة بناء الثقة وإجراء مشاورات مع القوى السياسية والمدنية والمجتمعية قبل الانتقال إلى الحوار الرسمي. وهكذا أصبح الحوار واقعاً سياسياً قائماً، حتى مع استمرار الخلافات حول شرعيته وشروطه وتركيبته والجهة التي تملك المبادرة عليه.
رفض صمود هذه المبادرة يستند إلى مخاوف جوهرية تتعلق بإمكانية استخدام الحوار لإضفاء شرعية على ترتيبات عسكرية قائمة، أو تكريس الانقسام الجغرافي، أو تجاوز مطلب وقف الحرب، أو إنتاج انتقال مدني شكلي لا يعالج جذور الأزمة. كما يرى الرافضون أن الحوار في مناطق خاضعة للسيطرة العسكرية لا يوفر منذ البداية البيئة السياسية المتكافئة اللازمة لحوار وطني حقيقي، وأن أي عملية سياسية لا تبدأ بوقف الحرب وتوفير المساعدات الإنسانية والحريات الأساسية قد تتحول إلى آلية لإعادة ترتيب السلطة بدلاً من إعادة بناء الدولة.
لكن المقال يميز بين «رفض شرعية الصيغة الحالية» وبين «رفض ممارسة السياسة حولها». فمقاطعة الحوار لا تعني بالضرورة أن صمود لا يستطيع التأثير في شروطه أو مخرجاته، كما أن المشاركة غير المشروطة قد تؤدي إلى استيعابه داخل عملية لا يسيطر عليها. لذلك يقترح المقال استراتيجية وسطية تقوم على «التعامل دون الاعتراف» و«المشاركة المشروطة متعددة المسارات». ويعني ذلك الحفاظ على الموقف المبدئي الرافض للصيغة الحالية، مع عدم قطع قنوات الاتصال، واستخدام الحوار كمساحة للتفاوض حول توسيع المجال المدني وضمان الحقوق والحريات، وإطلاق مشاورات مدنية موازية داخل السودان، وبناء أجندة وطنية مستقلة، والاستعداد للتفاعل مع أي تحول يجعل العملية أكثر شمولاً واستقلالاً.
وتكمن أهمية هذه الاستراتيجية في أن الحوار يمكن أن يكون خطراً وفرصة في الوقت نفسه. فهو قد يستخدم لتكريس وضع قائم، لكنه قد يصبح أيضاً منفذاً لفتح المجال المدني إذا فُرضت عليه ضمانات حقيقية. ولذلك لا ينبغي أن يكون الهدف الأساسي لصمود هو مجرد الدخول إلى الحوار أو الخروج منه، وإنما تغيير البيئة السياسية التي يعمل فيها الحوار. فإذا تمكن صمود من توسيع المشاركة الجغرافية والاجتماعية، وإدخال النساء والشباب والمهنيين والنازحين واللاجئين والمجتمعات المحلية، وفرض حماية الحريات، وربط الحوار بوقف الحرب والمساعدات والعدالة، فإنه يستطيع تحويل الحوار من منصة للنخب إلى عملية سياسية أوسع.
ويستوجب ذلك إعادة تعريف صمود نفسه. فبدلاً من أن يبقى تحالفاً بين الأحزاب والقوى السياسية، ينبغي أن يصبح بنية مدنية وطنية متعددة المستويات، تجمع بين القيادة السياسية والشبكات المحلية والمهنية والمجتمعية والنسائية والشبابية وشبكات الاستجابة الإنسانية. ولا يعني ذلك تحويل غرف الطوارئ أو لجان المقاومة إلى أجهزة حزبية، بل بناء علاقة تنسيقية تحفظ استقلال كل مكون، وتسمح بتجميع الخبرات والموارد والمعلومات والمطالب دون احتكار سياسي.
وتبدأ القوة الجديدة من المستوى المحلي. فصمود يحتاج إلى شبكات مدنية في الولايات والمحليات ومناطق العودة والنزوح، تعمل على رصد الاحتياجات، وتنظيم المشاورات، وتوثيق الانتهاكات، وتحديد الأولويات، ومتابعة الخدمات، وربط المجتمعات بالهياكل الوطنية. ويجب أن يكون التنظيم قائماً على الشفافية والمشاركة والتمثيل الجغرافي والاجتماعي، بحيث لا يتحول المركز السياسي في الخارج أو العاصمة إلى مركز وحيد لصنع القرار. وكلما زادت قدرة صمود على العمل محلياً، أصبح أكثر قدرة على التفاوض وطنياً.
وتحتل غرف الطوارئ ولجان المقاومة وشبكات المجتمع المدني موقعاً مهماً في هذا البناء، لأنها راكمت خلال الحرب خبرة مباشرة في تقديم الخدمات وتنظيم المجتمعات والتعامل مع الأزمات. ويجب الاستفادة من هذه الخبرة دون مصادرة استقلال هذه الشبكات أو تحويلها إلى أدوات حزبية. ويمكن إنشاء مجالس مدنية محلية ذات طابع تنسيقي، تجمع ممثلين من المجتمع المدني والمهنيين والنساء والشباب والقيادات المجتمعية والنازحين وغيرهم، وتعمل على تحديد الاحتياجات والأولويات ومراقبة الخدمات والمشاركة في إعادة الإعمار المحلي.
ومن هنا ينتقل المقال من مفهوم «السياسة» إلى مفهوم «الشرعية الاجتماعية». فالقوة المدنية لا تُبنى بالبيانات السياسية فقط، وإنما بقدرتها على أن تكون مفيدة للمواطنين. لذلك يجب أن يشارك صمود في دعم الصحة والتعليم والمياه والكهرباء والغذاء وسبل كسب العيش وإعادة الخدمات الأساسية، بالتنسيق مع المؤسسات الإنسانية والمجتمعات المحلية، من دون أن يحل محل الدولة أو المنظمات المتخصصة. كما ينبغي أن يركز على الإنتاج المحلي والزراعة والأسواق والتمويل الصغير وإعادة تشغيل الأنشطة الاقتصادية، لأن استعادة قدرة الناس على العمل والإنتاج جزء من استعادة الاستقرار السياسي.
وتؤدي هذه الوظائف الخدمية إلى بناء شرعية عملية تختلف عن الشرعية الناتجة من التمثيل الحزبي. فالمواطن الذي يرى مؤسسة مدنية تساعد مجتمعه في الوصول إلى المياه أو الصحة أو التعليم أو إعادة فتح السوق، أو تساعد في حل نزاع محلي أو إيصال المساعدات، يصبح أكثر استعداداً للثقة بها والمشاركة معها. ولذلك فإن صمود يستطيع تحويل الخدمات والمساءلة المحلية إلى مصدر لقوة سياسية سلمية، بشرط أن يلتزم بالشفافية وألا يستخدم المساعدات لأغراض حزبية أو انتخابية.
وتتطلب إعادة بناء القوة المدنية أيضاً الانتقال من المؤتمرات السياسية إلى عملية تشاور وطني مستمرة. فالمطلوب ليس عقد مؤتمر واحد يمثل القوى المنظمة، وإنما إجراء مشاورات واسعة في الولايات والمدن والقرى ومناطق النزوح واللجوء، تستمع إلى المواطنين حول شكل الدولة، والحكم المحلي، والاقتصاد، والعدالة، والأمن، والخدمات، والحقوق، وإعادة الإعمار. وتصبح نتائج هذه المشاورات أساساً لبرنامج وطني مدني يمكن لصمود الدفاع عنه في أي عملية سياسية.
ويجب أن تكون النساء والشباب والمهنيون والنازحون واللاجئون جزءاً مركزياً من هذه العملية، وليسوا مجرد فئات تتم دعوتها بصورة رمزية. فالنساء والشباب يمثلون قطاعات واسعة من المجتمع، وقد لعبوا أدواراً كبيرة في المقاومة والاستجابة الإنسانية والسلام المحلي. كما أن النازحين واللاجئين يحملون تجارب مباشرة للحرب والنزوح والانتهاكات، ولا يمكن بناء تسوية وطنية مستقرة من دون إدخال مصالحهم واحتياجاتهم في صميمها.
ويرتبط ذلك بإعادة بناء المعرفة والبيانات. فصمود يحتاج إلى قواعد بيانات مدنية تساعده على فهم التوزيع الجغرافي للنزوح والخدمات والاحتياجات الاقتصادية والانتهاكات والمبادرات المحلية والقدرات البشرية. ولا ينبغي أن تكون البيانات أداة للسيطرة السياسية، بل أداة لصنع السياسات وتحديد الأولويات وقياس النتائج. وبذلك ينتقل صمود من خطاب سياسي عام إلى مؤسسة تنتج الأدلة والسياسات والبرامج القابلة للتنفيذ.
كما يحتاج إلى تطوير برنامج اقتصادي متكامل يربط السلام بإعادة الإنتاج. ويشمل ذلك إعادة تشغيل الزراعة، والأسواق المحلية، وسلاسل القيمة، والمشروعات الصغيرة، والبنية الأساسية، والخدمات، والطاقة والمياه، وخلق فرص العمل، مع مكافحة الاقتصاد الحربي وشبكات الفساد والاحتكار التي استفادت من الحرب. ولا يمكن أن تنجح القوة المدنية إذا بقيت منفصلة عن القضايا المعيشية للمواطنين، لأن الاقتصاد هو أحد أهم مصادر الاستقرار أو إعادة إنتاج الحرب.
وفي المجال الدبلوماسي، ينبغي لصمود أن يتحول من طرف يطلب الاعتراف الخارجي إلى طرف يمتلك رؤية وطنية واضحة ويقدم نفسه بوصفه شريكاً مدنياً مستقلاً. ويعني ذلك التواصل مع الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية للتنمية والجامعة العربية والدول المؤثرة، مع التأكيد على أن القرار السوداني يجب أن يبقى سودانياً، وأن الدعم الخارجي ينبغي أن يركز على وقف الحرب والمساعدات وبناء المؤسسات المدنية لا على فرض ترتيبات سياسية تخدم طرفاً عسكرياً أو إقليمياً.
أما في مجال العدالة، فيؤكد المقال أن توسيع المجال المدني لا يعني التخلي عن المساءلة. بل يجب أن تتضمن أي عملية سياسية ضمانات للعدالة الانتقالية، وتوثيق الانتهاكات، وحماية الضحايا، واستقلال القضاء، ومحاسبة مرتكبي الجرائم الجسيمة وفق القانون. وفي الوقت نفسه ينبغي التمييز بين الضمانات الإجرائية المؤقتة اللازمة لتمكين المشاركة السياسية وبين العفو الشامل عن الجرائم الخطيرة. فالحماية القانونية للمشاركين في الحوار لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة دائمة من المساءلة عن جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة.
ويرى المقال أن القضية الأمنية تمثل جزءاً أساسياً من إعادة تأسيس الدولة. فلا يمكن قيام دولة مدنية مستقرة مع استمرار تعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة ومراكز القوة العسكرية. ولذلك يجب أن يكون الهدف النهائي جيشاً وطنياً واحداً مهنياً، خاضعاً للدستور والسلطة المدنية، مع إصلاح القطاع الأمني والعسكري، وإعادة تنظيم القوات، وإنهاء الاقتصاد العسكري الموازي، وضمان خضوع المؤسسات الأمنية للرقابة القانونية والمالية والمدنية.
ولا ينفصل ذلك عن الاقتصاد السياسي للحرب. فالصراع ليس مجرد خلاف بين قيادتين عسكريتين، وإنما يرتبط بشبكات اقتصادية تشمل الذهب والحدود والموانئ والتجارة وسلاسل الإمداد ومصالح إقليمية ودولية. ولهذا فإن إنهاء الحرب يتطلب معالجة مصادر التمويل والاستفادة الاقتصادية من النزاع، وإعادة بناء اقتصاد مدني منتج، ومنع تحول الموارد العامة والطبيعية إلى أدوات لتمويل الصراع.
وفي مواجهة الحوار الداخلي، يقترح المقال مجموعة من الشروط التي يمكن لصمود أن يدافع عنها من دون التخلي عن موقفه المبدئي. وتشمل وقف إطلاق النار أو الهدنة الإنسانية، وضمان وصول المساعدات، واستقلال اللجنة التمهيدية، والتمثيل الجغرافي والاجتماعي الواسع، والمشاركة الحقيقية للنساء والشباب والمهنيين والنازحين واللاجئين، وضمان الحريات العامة، والعدالة الانتقالية، والشفافية، والمراقبة المستقلة، وعدم منح الشرعية لحكومات موازية أو للإفلات من العقاب، وعدم تحويل العملية إلى صفقة لتقاسم السلطة بين الأطراف المتحاربة.
وتتمثل المخاطر الرئيسية أمام صمود في احتمال استيعابه داخل عملية سياسية تسيطر عليها قوى أقوى، أو حدوث انقسام داخلي بين مؤيد للمشاركة ورافض لها، أو استمرار ارتباطه في الوعي العام بقوى خارجية، أو بقاؤه بعيداً عن المواطنين داخل السودان، أو فقدانه ثقة الشبكات المدنية المستقلة، أو تحوله إلى تحالف نخبوي يكرر تجربة القوى السياسية السابقة. كما أن رفض الحوار بصورة مطلقة قد يترك المجال لآخرين لصياغة قواعد العملية السياسية، بينما المشاركة غير المشروطة قد تمنحه شرعية لعملية لا يستطيع التأثير فيها.
لذلك يحدد المقال ثلاثة سيناريوهات رئيسية. السيناريو الأول هو استمرار الحوار بصيغته الحالية، وفيه يصبح خطر التهميش أو الاستيعاب مرتفعاً، ولا يستطيع صمود التأثير إلا من خلال بناء قوة مدنية مستقلة خارج طاولة الحوار. السيناريو الثاني هو تحول الحوار تدريجياً إلى عملية أكثر شمولاً واستقلالاً، وهنا تصبح المشاركة المشروطة أو التفاعل غير المباشر أكثر فائدة. أما السيناريو الثالث فهو انهيار الحوار أو استمرار الحرب، وفي هذه الحالة تصبح الأولوية لبناء المؤسسات المدنية المحلية والخدمات والشبكات الاجتماعية والسياسات البديلة، بحيث لا يكون مستقبل صمود مرتبطاً بمصير مبادرة سياسية واحدة.
ويضع المقال خطة عملية تبدأ بمرحلة أولى لبناء القدرة التنظيمية خلال الأشهر الثلاثة الأولى، تشمل تحديد الشبكات المحلية، وتطوير قواعد البيانات، وإنشاء آليات اتصال وتنسيق، وتدريب الكوادر، ووضع قواعد الشفافية والتمويل والمساءلة. ثم تأتي مرحلة المشاورات المحلية خلال الأشهر من الرابع إلى السادس، بحيث يتم الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الولايات والمجتمعات، وإشراك النساء والشباب والنازحين والمهنيين والمجتمع المدني. وفي الأشهر من السابع إلى التاسع يجري تحويل نتائج المشاورات إلى برنامج وطني متكامل، وفي الأشهر من العاشر إلى الثاني عشر يبدأ تحويل هذا البرنامج إلى قدرة تفاوضية وسياسية، مع إمكانية تمديد البناء المؤسسي إلى 24 شهراً.
ولا ينبغي قياس نجاح هذه العملية بعدد البيانات أو الاجتماعات، وإنما بمؤشرات ملموسة، مثل عدد الولايات التي توجد فيها شبكات مدنية فعالة، وعدد المشاورات المحلية، وحجم المشاركة المجتمعية، ونسبة النساء والشباب والنازحين واللاجئين، وعدد المبادرات الخدمية، ومستوى الشفافية المالية، وعدد الدراسات والسياسات التي ينتجها التحالف، ومدى اعتماد مقترحاته في العمليات السياسية، وقدرته على التأثير في أجندة الحوار، ودرجة انتشاره داخل السودان، ومستوى الثقة التي يتمتع بها بين المجتمعات المحلية.
وبذلك تصبح العلاقة بين صمود وحوار بورتسودان/الحوار الداخلي جزءاً من استراتيجية أوسع وليست القضية المركزية الوحيدة. فالهدف ليس أن ينتصر صمود في معركة المشاركة أو المقاطعة، وإنما أن يغير ميزان القوة المدنية نفسه. وإذا ظل صمود مجرد تحالف سياسي، فسيظل معرضاً لتغير موازين النخب والضغوط الخارجية. أما إذا أصبح شبكة وطنية تمتلك حضوراً محلياً، وقدرة خدمية، وقاعدة اجتماعية، وبرنامجاً اقتصادياً، ورؤية للعدالة والأمن، وبيانات وأدلة، وآليات ديمقراطية داخلية، وقدرة على التفاوض، فسوف يصبح طرفاً يصعب تجاوزه في أي تسوية سياسية.
وتخلص المقالة إلى أن الفرصة الحقيقية أمام صمود لا تكمن في اختيار ثنائي بين «المشاركة» و«المقاطعة»، وإنما في إعادة صياغة علاقته بالعملية السياسية من أساسها. فرفض الصيغة الحالية يمكن أن يستمر، لكن ينبغي أن يصاحبه حضور سياسي واجتماعي قادر على التأثير في شروطها. والحوار يمكن أن يُرفض باعتباره غير كافٍ أو غير مكتمل، لكن لا ينبغي ترك المجال المدني الذي قد يفتحه من دون محاولة توسيعه. والضمانات التي تقدمها السلطة يمكن قبولها بوصفها إجراءات مؤقتة، مع استمرار المطالبة بتحويلها إلى حقوق وحريات دائمة. والمشاركة، إذا حدثت، ينبغي ألا تكون مشاركة في توزيع السلطة، بل مشاركة في إعادة بناء قواعد الدولة.
وفي النهاية، فإن تغيير موازين القوى لصالح صمود ولصالح القوى المدنية السودانية عموماً لا يتحقق بالخطاب السياسي وحده، ولا بكسب مقاعد في مؤتمر أو الحصول على اعتراف خارجي، وإنما ببناء قوة اجتماعية وطنية قادرة على التنظيم والخدمة والتمثيل والإنتاج المعرفي والمساءلة والتفاوض. وكلما انتقل صمود من مركزية النخبة إلى القاعدة، ومن البيانات إلى الخدمات، ومن التحالف المؤقت إلى المؤسسة المستدامة، ومن رد الفعل إلى المبادرة، ومن الاعتماد على الخارج إلى بناء الشرعية الداخلية، أصبح قادراً على التأثير في مسار إنهاء الحرب وإعادة تأسيس الدولة والانتقال الديمقراطي. وهنا تتحول مقاطعة الحوار من موقف دفاعي إلى ورقة سياسية، وتتحول المشاركة المشروطة من تنازل إلى أداة تفاوض، ويصبح الهدف النهائي ليس مجرد الوصول إلى السلطة، وإنما إعادة بناء قوة مدنية سودانية تستطيع أن تجعل الدولة المدنية الديمقراطية خياراً عملياً قابلاً للحياة والاستمرار.
النص الكامل للمقال
مقدمة تحليلية: المعركة ليست على مقعد في الحوار، بل على من يمتلك القدرة على تنظيم المجتمع وصياغة مستقبل السودان
دخل السودان عامه الرابع من الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وهي حرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين مسلحتين، وإنما تحولت إلى أزمة مركبة أعادت تشكيل الجغرافيا السياسية للدولة، وأضعفت مؤسساتها، ومزقت المجال المدني، وأنتجت اقتصاد حرب واسعاً، وأدت إلى انهيار قطاعات كبيرة من الخدمات والبنية التحتية، وأطلقت واحدة من أكبر أزمات النزوح والأمن الغذائي والصحة في العالم. وتشير تقديرات الأمم المتحدة والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن أكثر من 14 مليون شخص اضطروا إلى الفرار منذ بداية الحرب، بينهم ملايين النازحين داخلياً وملايين اللاجئين في دول الجوار، بينما بقي عشرات الملايين في حاجة إلى مساعدات إنسانية وصحية وغذائية. ويجب التعامل بحذر مع اختلاف الأرقام بين المؤسسات، لأن بعضها يقيس إجمالي الأشخاص الذين نزحوا منذ بداية الحرب، وبعضها يقيس الرصيد الحالي للنازحين، وبعضها يقيس اللاجئين والعائدين بصورة منفصلة (UNHCR, 2026).
ولا تكمن خطورة الحرب في عدد الضحايا والنازحين وحده، وإنما في أنها أعادت توزيع مصادر القوة داخل السودان وخارجه. فقد أصبحت بورتسودان مركزاً سياسياً وإدارياً للسلطة التي تعمل تحت قيادة القوات المسلحة، بينما تسيطر قوات الدعم السريع على مناطق واسعة في دارفور وتواصل القتال في كردفان ومناطق أخرى، وأصبح السودان عملياً فضاءً متعدد مراكز القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية. وفي الوقت نفسه، أدت الضربات الجوية والطائرات المسيّرة واستمرار الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة إلى إطالة أمد الحرب؛ وقد أفادت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في سبتمبر 2026 بأن الدعم العسكري الخارجي، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والأسلحة والأفراد، يواصل تغذية الحرب، وأن أكثر من ألف شخص قتلوا في هجمات بالطائرات المسيّرة خلال الأشهر الأولى من عام 2026 وفق المعطيات التي أوردتها التقارير حول البعثة (United Nations Fact-Finding Mission, 2026).
وفي المقابل، أظهر المجتمع السوداني قدرة ملحوظة على التنظيم الذاتي عندما انهارت أجزاء كبيرة من قدرة الدولة على تقديم الخدمات. فقد ظهرت غرف الطوارئ، ولجان المقاومة، والمبادرات المجتمعية، والشبكات النسائية والشبابية والمهنية، ومبادرات السلام المحلية، وشبكات المساعدة المتبادلة، وأصبحت هذه البنى تؤدي وظائف كان يفترض أن تقوم بها الدولة أو المؤسسات الإنسانية التقليدية. وتشير الأدلة التي جمعتها مراكز بحثية ومنظمات دولية إلى أن غرف الطوارئ انتشرت في الولايات السودانية الثماني عشرة، واعتمدت على آلاف المتطوعين، وقدمت الغذاء والمياه والرعاية الصحية والتعليم والمساعدة في الإجلاء والوصول إلى الفئات الأكثر ضعفاً، في حين دعمت مبادرات السلام المحلية فتح الأسواق واستعادة الحركة والتوسط في النزاعات وحماية المدنيين (Chatham House, 2026؛ UNDP, 2025).
وفي عام 2025 وحده، وصلت برامج برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان إلى نحو 4.9 ملايين شخص في عشر ولايات، وشملت الصحة والزراعة والدخل والطاقة الشمسية والمياه وتمكين النساء وبناء السلام المحلي، كما دعمت برامج أخرى عشرات الآلاف من النساء والشباب، وهو ما يوضح أن المجتمع المدني المحلي ليس مجرد قطاع سياسي، وإنما أصبح جزءاً من البنية الفعلية لبقاء المجتمع السوداني (UNDP, 2026).
ومن هنا يتغير السؤال الأساسي بالنسبة إلى «صمود». فإذا كان التحالف يريد تغيير ميزان القوى فعلياً، فلن يستطيع تحقيق ذلك بمجرد إصدار البيانات السياسية أو المشاركة في المؤتمرات الدولية أو امتلاك تمثيل في مفاوضات السلام. وإذا أراد صمود تغيير موازين القوى فعلياً، فعليه أن ينتقل من مفهوم «تحالف سياسي ضد الحرب» إلى مفهوم «بنية مدنية وطنية قادرة على التنظيم والخدمة والتمثيل والحكم والتفاوض». وهذه ليست مجرد صياغة بلاغية، بل تعني انتقالاً في طبيعة المشروع كله: من تحالف وظيفته الأساسية اتخاذ مواقف سياسية إلى بنية تمتلك شبكة اجتماعية داخلية، وقاعدة معرفية، وقدرة على تقديم الخدمات، ومنظومة تمثيل، وبرنامجاً للحكم، وأدوات للتفاوض، وآليات للمساءلة الداخلية، وقدرة على التواصل مع السودانيين داخل البلاد وخارجها.
في هذا السياق اكتسب الحوار السوداني–السوداني الذي دعمه رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة عبد الفتاح البرهان أهمية استثنائية. فقد أعلن البرهان في مايو 2026 عن الاستعداد لحوار سياسي شامل داخل السودان يهدف إلى الاتفاق على مبادئ الحكم وإعادة بناء الدولة والمسار المؤدي إلى الحكم المدني، ثم تطورت المبادرة خلال أغسطس إلى ترتيبات أكثر تحديداً، شملت تقديم ضمانات قانونية وسياسية وأمنية للمشاركين. وفي 14 أغسطس 2026 أعلن البرهان دعمه لتوفير ضمانات للمشاركين، مع تأكيده، وفق الصيغة المعلنة، أن الدولة لن تتولى تنظيم الحوار أو فرض أجندته أو نتائجه (Burhan, 2026).
ثم ظهرت في 30 أغسطس 2026 لجنة تمهيدية تضم شخصيات مدنية سودانية، بينها أستاذة وشخصيات قانونية وأكاديمية وإعلامية، وبدأت العمل على تهيئة الظروف لحوار سوداني–سوداني. وأكد رئيس اللجنة غاسم بدري أن المبادرة تنطلق من فكرة قدرة السودانيين على حل مشكلاتهم من خلال الحوار المباشر، من دون تدخل خارجي أو وساطة مفروضة، ومن دون إقصاء أو استعلاء، وأن اللجنة تريد الوصول إلى قضايا ومخرجات يشارك المشاركون أنفسهم في صياغتها وتنفيذها (Badri, 2026).
وتزامن ذلك مع إعلان ضمانات قانونية إضافية؛ ففي 1 سبتمبر 2026 أعلن وزير العدل القرار رقم 363 لسنة 2026 المتعلق بإسقاط بعض البلاغات والإجراءات التي أقامتها أجهزة الدولة ضد سودانيين في الخارج، وتوفير حماية إجرائية مؤقتة للمشاركين في الحوار وحماية للأقوال والآراء التي تطرح في إطاره (Darf, 2026). ولا ينبغي، مع ذلك، الخلط بين الحماية السياسية للمشاركة وبين الحصانة المطلقة من المساءلة عن الجرائم الجسيمة، كما لا ينبغي اعتبار إسقاط بعض البلاغات الحكومية بديلاً عن إصلاح القضاء أو ضمان استقلاله.
في المقابل، رفض «صمود» المبادرة بصيغتها الحالية. ففي 10 أغسطس 2026 حذر التحالف من أن إجراء الحوار في مناطق خاضعة لسيطرة الجيش يمكن أن يكرس واقع الانقسام الجغرافي، وأكد أن أي عملية سياسية ذات مصداقية ينبغي أن تعطي الأولوية لوقف إطلاق النار والأزمة الإنسانية، كما أكد موقفه من العدالة ومساءلة مرتكبي الجرائم الخطيرة ورفض عودة نفوذ النظام الإسلامي السابق إلى المجال السياسي من خلال العملية الانتقالية (Somoud, 2026).
غير أن رفض «صمود» للمبادرة في صيغتها الراهنة لا ينبغي أن يؤدي إلى استنتاج مفاده أن أفضل استراتيجية هي الانسحاب الكامل من المجال السياسي الذي نشأ حولها. فالمبادرة أصبحت واقعاً سياسياً، وتشكلت لها لجنة تمهيدية، وأعلنت السلطة ضمانات، وحصلت المبادرة في نهاية أغسطس وبداية سبتمبر على دعم من الاتحاد الأفريقي، بينما عقدت القوى المدنية المناهضة للحرب اجتماعات في أديس أبابا يومي 22 و23 أغسطس 2026 ووضعت تصوراً بديلاً للعملية السياسية. وهذا يعني أن المعركة لم تعد حول وجود الحوار من عدمه، وإنما حول من يحدد قواعده، ومن يختار المشاركين، ومن يضع أجندته، ومن يملك حق تعريف «السوداني–السوداني»، ومن يستطيع تحويل الحوار إلى انتقال مدني حقيقي.
وتعتمد هذه الدراسة في ترتيب المادة على منهجية سردية علمية متدرجة: تبدأ بتشخيص الحرب وتحول ميزان القوة، ثم تفكك بنية مبادرة الحوار وموقف صمود منها، ثم تنتقل إلى السؤال الاستراتيجي المتعلق بالانخراط والمقاطعة، ثم إلى إعادة تعريف صمود باعتباره بنية مدنية وطنية، ثم إلى بناء القوة المحلية والخدمية والمعرفية، ثم إلى تحويل الحوار إلى عملية مجتمعية متعددة المستويات، ثم إلى العلاقة مع العدالة والجيش والاقتصاد والمجتمع الدولي، ثم إلى المخاطر والسيناريوهات، وتنتهي بخطة تنفيذ ومؤشرات قياس. وقد جرى دمج الفصول المتقاربة موضوعياً بدلاً من تكرارها، مع الحفاظ على مضمونها في تسلسل يبدأ من المشكلة وينتقل إلى تفسيرها ثم إلى الخيارات ثم إلى الاستراتيجية ثم إلى التنفيذ والقياس.
الفصل الأول: الحرب غيّرت خريطة السلطة؛ ولذلك فإن استعادة الدولة تبدأ باستعادة المجال المدني
الحرب لم تدمر المباني والمؤسسات فقط، بل غيرت معنى السلطة في السودان. ففي الدولة المستقرة يمكن قياس القوة تقريباً من خلال المؤسسات الدستورية والجيش والشرطة والحكومة والقضاء والبرلمان والأحزاب. أما في السودان بعد أبريل 2023، فأصبحت القوة موزعة بين السيطرة العسكرية على الأرض، والموارد الاقتصادية، وشبكات الحدود والتجارة، والتمويل الخارجي، والإعلام، والمجتمع المحلي، والمنظمات الإنسانية، والشبكات المدنية، والقدرة على توفير الخدمات.
وهذا يعني أن مفهوم «ميزان القوى» يجب أن يعاد تعريفه. فالقوة العسكرية تستطيع السيطرة على مدينة، لكنها لا تستطيع بمفردها إعادة بناء المدارس والمستشفيات والبلديات والأسواق والمحاكم والثقة الاجتماعية. ويمكن لقوة مسلحة أن تحقق تقدماً ميدانياً، لكنها تحتاج في نهاية المطاف إلى مؤسسات مدنية لإدارة المناطق، وإلى موارد مالية، وإلى شرعية سياسية، وإلى نظام إداري قادر على دفع الرواتب وتوفير المياه والكهرباء والتعليم والصحة.
وهنا تكمن نقطة القوة المحتملة للقوى المدنية. فالقوة المدنية لا تحتاج إلى امتلاك السلاح لكي تكون مؤثرة؛ بل تحتاج إلى امتلاك القدرة على تنظيم المجتمع، وتحديد أولوياته، وإنتاج المعلومات، وتقديم الخدمات، وربط الفئات والمناطق، وإنتاج بدائل للحكم، والتفاوض باسم مصالح اجتماعية حقيقية.
وتوضح الأدلة المقارنة أن الحملات المدنية غير العنيفة يمكن أن تحقق نتائج سياسية عندما تتمتع بالمشاركة الواسعة والمرونة والشرعية الاجتماعية، وأن توسيع قاعدة المشاركة يرفع تكلفة تجاهل الحركة المدنية ويزيد قدرتها على التأثير في مواقف النخب والمؤسسات (Chenoweth, 2011). لكن الدرس المهم للسودان هو أن القوة المدنية لا تنشأ تلقائياً من أخلاقية القضية؛ بل تحتاج إلى تنظيم مؤسسي مستمر، وقواعد داخلية، وموارد، وقدرة على الوصول إلى المجتمع.
ومن هنا لا ينبغي لصمود أن يتعامل مع المجتمع المدني باعتباره جمهوراً ينبغي إقناعه، وإنما باعتباره بنية ينبغي الشراكة معها. فغرف الطوارئ ليست مجرد مؤسسات إغاثة، ولجان المقاومة ليست مجرد أدوات احتجاج، والمنظمات النسائية ليست مجرد كيانات تمثيلية، والشباب ليسوا مجرد فئة عمرية، والمهنيون ليسوا مجرد خبراء للاستشارة. كل هذه البنى يمكن أن تكون جزءاً من بنية الدولة المستقبلية إذا تم احترام استقلالها وربطها بشبكات تنسيق مدنية واسعة.
وتؤكد تجربة غرف الطوارئ هذا التحول. فقد أظهرت دراسات ومتابعات بحثية أنها تعمل في بيئة شديدة اللامركزية، ولا تمتلك قيادة مركزية واحدة، وتعتمد على الثقة المحلية، وتستخدم شبكات غير رسمية للوصول إلى الغذاء والدواء والمياه، والتفاوض حول المرور الآمن، ودعم النازحين والمجتمعات المتضررة. وتشير تقديرات منشورة في 2026 إلى وجود أكثر من 700 غرفة طوارئ ونحو 26 ألف متطوع، مع تعرض عدد كبير من المتطوعين للقتل أو الإصابة (Adam, 2026). وهذه الخبرة التنظيمية المحلية تمثل مورداً سياسياً بالغ الأهمية في مرحلة إعادة بناء الدولة.
لكن صمود يجب ألا يحاول ابتلاع هذه الشبكات أو تحويلها إلى فروع حزبية. فالاستحواذ الحزبي على غرف الطوارئ أو لجان المقاومة سيضر بشرعيتها. النموذج الأفضل هو شبكة شراكات تحفظ الاستقلال التنظيمي لكل طرف، وتسمح بالتنسيق حول القضايا الوطنية المشتركة.
الفصل الثاني: حوار بورتسودان هو صراع على قواعد العملية السياسية قبل أن يكون صراعاً على نتائجها
يمكن فهم مبادرة الحوار السوداني–السوداني من خلال ثلاثة مستويات. المستوى الأول هو الإعلان السياسي الذي بدأ في مايو 2026. والمستوى الثاني هو الضمانات القانونية والسياسية والأمنية التي أعلنت في أغسطس. والمستوى الثالث هو اللجنة التمهيدية التي بدأت عملها في الخرطوم في نهاية أغسطس، ثم الدعم الأفريقي الذي ظهر في نهاية الشهر وبداية سبتمبر.
وقد أعلن البرهان في مايو 2026 أن الهدف من الحوار هو الاتفاق على مبادئ الحكم وإعادة بناء الدولة ومسار العودة إلى الحكم المدني، ثم أكد في أغسطس استعداد الدولة لتوفير الضمانات للمشاركين. وتضمنت الضمانات المعلنة تعليق بعض الإجراءات القانونية التي تتعلق بالمشاركين، وتوفير حماية إجرائية مؤقتة، وحماية الأقوال والآراء التي تطرح في الحوار (Burhan, 2026).
وتكمن أهمية هذه الخطوات في أنها تزيل جزءاً من العائق الذي يمكن أن يمنع شخصيات سياسية ومدنية موجودة خارج السودان من العودة والمشاركة. لكنها في الوقت نفسه لا تجيب بصورة كاملة عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة باستقلال العملية: من يختار اللجنة؟ ومن يحدد المشاركين؟ وكيف تضمن مشاركة المناطق التي لا تسيطر عليها القوات المسلحة؟ وما هي آلية تمثيل النازحين واللاجئين؟ وما علاقة الحوار بوقف الحرب؟ وهل يمكن اعتبار النتائج ملزمة لمن لم يشارك؟ وما هي آلية مراقبة التنفيذ؟
وقد بدأت اللجنة التمهيدية في 30 أغسطس عملها من الخرطوم، وصرحت بأنها تسعى إلى إعادة بناء الثقة وإجراء مشاورات واسعة مع القوى السياسية والمدنية والمجتمعية في الداخل والخارج. وأكد غاسم بدري أن المبادرة تستهدف حواراً سودانياً مستقلاً عن التدخلات الخارجية والحواجز العرقية والفئوية، وأن المشاركين أنفسهم ينبغي أن يحددوا القضايا والتوصيات وسبل تنفيذها (Badri, 2026).
ومن ناحية أخرى، أضفى الاتحاد الأفريقي في نهاية أغسطس وبداية سبتمبر بعداً إقليمياً جديداً على المبادرة، إذ رحب بالحوار السوداني–السوداني وباللجنة التي وصفها بأنها مستقلة، وأكد أن العملية ينبغي أن تكون شاملة وأن تقود في النهاية إلى سودان موحد ذي مؤسسات مدنية شرعية وبنية أمنية وطنية موحدة. لكن هذا الدعم الأفريقي واجه انتقادات من قوى مدنية رأت أن تأييد المبادرة جاء قبل حل مشكلات الاستقلال والتمثيل ووقف إطلاق النار.
وهكذا فإن المسألة الأساسية ليست مكان انعقاد الحوار فقط. فبورتسودان هي مكان تحت سيطرة السلطة العسكرية، وهذا يخلق مخاوف حقيقية بشأن توازن العملية، لكن نقل الحوار إلى الخارج وحده لا يحل المشكلة؛ لأن ملايين السودانيين موجودون داخل السودان، ولأن الحوار الذي يعقد خارج البلاد يمكن أن يعاني بدوره من فجوة بين النخب والقاعدة الاجتماعية.
المعيار الصحيح إذن هو: هل يستطيع الحوار أن يكون سودانياً من حيث الملكية، وشاملاً من حيث التمثيل، ومستقلاً من حيث التصميم، وآمناً من حيث المشاركة، وشفافاً من حيث الإجراءات، ومربوطاً بوقف الحرب وحماية المدنيين، وقادراً على إنتاج انتقال مدني حقيقي؟
الفصل الثالث: رفض «صمود» للمبادرة مفهوم، لكن تحويل الرفض إلى مقاطعة شاملة قد يترك المجال الذي يريد التحالف تغييره
رفض صمود للحوار في صيغته الحالية يستند إلى منطق سياسي واضح. فالحوار في منطقة تخضع لسيطرة أحد طرفي الحرب يمكن أن يحول السيطرة العسكرية إلى أفضلية سياسية، ويمكن أن ينتج صورة زائفة عن التوافق الوطني إذا شاركت قوى مدنية مختارة بينما بقيت قطاعات واسعة من المجتمع والقوى المناهضة للحرب خارج العملية.
وقد أكد صمود في أغسطس 2026 أن الحوار الجاري في مناطق يسيطر عليها الجيش يتجاهل واقع التجزؤ الفعلي بين القوى المسلحة، وأنه قد يؤدي إلى تكريس الانقسام، وأن وقف إطلاق النار ومعالجة الأزمة الإنسانية يجب أن يكونا في مقدمة أي مسار سياسي (Somoud, 2026).
كما رفضت الحركة الشعبية لتحرير السودان–التيار الثوري الديمقراطي المبادرة، معتبرة أن الحوار لا يمكن أن يكون ذا معنى من دون وقف إطلاق النار، واعترضت على أن يحدد أحد أطراف الحرب بصورة منفردة تكوين اللجنة التمهيدية. وفي 22 و23 أغسطس اجتمعت قوى مدنية وسياسية مناهضة للحرب في أديس أبابا ورفضت المبادرة بصيغتها الحالية، لكنها لم تكتفِ بالرفض، وإنما حاولت بناء خارطة طريق بديلة تقوم على مسارات متوازية تشمل وقف الحرب والعمل الإنساني والمسار السياسي (Sudan Tribune, 2026).
وهذه نقطة مهمة بالنسبة إلى صمود. فالرفض يمكن أن يحمي الهوية والمبادئ، لكنه لا يضمن وحده التأثير. وإذا استمرت العملية السياسية من دون صمود، فإن قوى أخرى ستدخل المجال، وقد تعيد صياغة العملية وفق مصالحها. وفي السياسة، ترك الفراغ لا يعني إلغاء القرار؛ بل يعني غالباً أن طرفاً آخر سيملأه.
ولهذا يجب التمييز بين «رفض شرعية الصيغة الحالية» و«رفض ممارسة السياسة حولها». يمكن لصمود أن يرفض المشاركة في عملية غير متوازنة، لكنه في الوقت نفسه يتفاوض بشأن شروطها، ويتواصل مع اللجنة التمهيدية، ويطلق مساراً مدنياً موازياً، ويستخدم الضمانات القانونية لتوسيع المجال السياسي، ويعمل على بناء قاعدة داخلية قادرة على التأثير في أي تسوية لاحقة.
هذا النوع من الاستراتيجية يتوافق مع أدبيات عمليات السلام التي ترفض الثنائية البسيطة بين المشاركة والاستبعاد. فقد بينت تريزا بافنـهولتس أن المجتمع المدني يمكن أن يشارك «على الطاولة» أو «حول الطاولة» أو «بعيداً عن الطاولة» عبر المشاورات والمراقبة والضغط المجتمعي وبناء الشرعية (Paffenholz, 2014). كما تشير الدراسات المقارنة إلى أن إدماج المجتمع المدني في تصميم وتنفيذ عمليات السلام يمكن أن يزيد من فرص إنتاج ترتيبات أكثر دواماً (Cuhadar, 2024).
وبالتالي فإن الخيار الأفضل لصمود ليس الاستسلام للمبادرة ولا الانسحاب منها، وإنما التعامل دون شرعنة والمشاركة المشروطة متعددة المسارات.
الفصل الرابع: الاستراتيجية المركزية ــ «تعامل دون اعتراف مسبق، ومشاركة دون استسلام»
ينبغي لصمود أن يعيد صياغة العلاقة مع الحوار من خلال معادلة سياسية واضحة: «نرفض احتكار الحوار، ولا نرفض الحوار السوداني؛ نرفض شرعنة الحرب، ولا نرفض السلام؛ نرفض المشاركة الشكلية، ونقبل المشاركة التي تغير قواعد العملية؛ نرفض نتائج مفروضة، ولا نرفض التفاوض حول مستقبل السودان».
وهذا يعني أن صمود لا يحتاج إلى اتخاذ قرار ثنائي بين «نعم» و«لا». يمكنه أن يرفض الاعتراف المسبق بشرعية النتائج، ويطلب في الوقت نفسه ضمانات قابلة للقياس بشأن استقلال اللجنة، وتنوع المشاركين، وحرية التعبير والتنظيم، ووقف الملاحقات السياسية، ومشاركة النساء والشباب والنازحين واللاجئين والمهنيين، وتمثيل جميع الأقاليم.
كما يمكنه التواصل مع اللجنة التمهيدية من دون أن يصبح جزءاً من العملية. ويمكنه إرسال وثيقة سياسية تشرح شروطه، وتقديم مقترحات حول آليات التمثيل، والمطالبة بنشر معايير اختيار المشاركين، وطلب آلية مستقلة لمراقبة الالتزامات، والاستمرار في بناء حوار مدني مستقل.
وإذا رفضت اللجنة أو السلطة هذه الشروط، يصبح موقف صمود أكثر قوة؛ لأنه يستطيع أن يقول إنه لم يرفض الحوار، وإنما رفض احتكاره. وإذا قبلت بعض الشروط، يكون قد نجح في توسيع المجال المدني من دون التخلي عن مبادئه.
وهذا النموذج مهم لأنه يحول الحوار من «مشكلة» إلى «اختبار». فإذا أثبتت السلطة استقلال العملية، يكون هناك أساس للتفاعل. وإذا فشلت في ذلك، يكون فشلها موثقاً أمام المجتمع السوداني والاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي.
الفصل الخامس: من تحالف سياسي إلى بنية مدنية وطنية ــ التحول الذي يحدد مستقبل «صمود»
تأسس «صمود» في فبراير 2025 بعد انهيار تحالف «تقدم» بسبب الخلاف حول فكرة الحكومة الموازية، وأصبح التحالف الذي يقوده عبد الله حمدوك إطاراً مدنياً يضم قوى سياسية ومنظمات وشبكات مدنية متعددة. وتطور لاحقاً ليضم طيفاً واسعاً من القوى والأجسام المدنية، بينما تشير خرائط بحثية حديثة إلى مشاركة نحو 300 منظمة وفاعل مدني في منظومة أوسع حول التحالف (Africa Center, 2026).
وتتمثل المشكلة الاستراتيجية في أن الاتساع العددي لا يساوي بالضرورة القوة السياسية. فقد يكون للتحالف مئات المكونات، لكنه يظل ضعيفاً إذا لم تكن لديه بنية تنظيمية واضحة، وآليات لاتخاذ القرار، وقواعد للعضوية، وشبكات محلية، ونظام معلومات، وآليات تمويل شفافة، وبرنامج حكم، وقدرة على حل النزاعات الداخلية.
لذلك يجب أن يتحول صمود من «ائتلاف مكونات» إلى «نظام شبكات مدنية».
يتكون هذا النظام من مستوى وطني يضع الرؤية العامة والسياسات، ومستويات إقليمية وولائية تربط المركز بالمجتمع، وشبكات محلية تحفظ العلاقة المباشرة مع المواطنين، ومنصات قطاعية للنساء والشباب والمهنيين والنازحين واللاجئين والمزارعين والعمال والقطاع الخاص والأكاديميين.
ولا يعني ذلك إنشاء جهاز مركزي ضخم. بل على العكس، فإن ظروف الحرب تجعل اللامركزية أكثر أماناً ومرونة. فالشبكة التي تستطيع الاستمرار عندما تنقطع الاتصالات أو يتعذر السفر أو يتغير الوضع الأمني تكون أكثر قدرة على البقاء من جهاز يعتمد على مركز واحد.
ويجب أن تكون العلاقة بين صمود وبين لجان المقاومة وغرف الطوارئ والمنظمات المدنية علاقة شراكة لا تبعية. فكلما حاول التحالف تحويل هذه البنى إلى أدوات حزبية، فقد جزءاً من الشرعية التي تمتلكها.
وهنا يمكن الاستفادة من الأدبيات المتعلقة بالحوكمة التشاركية والمساءلة الاجتماعية في الدول الهشة، التي تشير إلى أهمية بناء شراكات بين المجتمع المحلي والمؤسسات المدنية والسلطات المحلية، وإلى أن قدرة المجتمع على مراقبة الخدمات والسياسات يمكن أن تصبح جزءاً من إعادة بناء الدولة (Schouten, 2011).
الفصل السادس: القوة المدنية تُبنى من المجتمع والخدمات والاقتصاد المحلي، لا من المؤتمرات وحدها
إذا كان صمود يريد تغيير ميزان القوى، فعليه أن يثبت للمواطن السوداني أن السياسة المدنية قادرة على تحسين الحياة اليومية. ففي بيئة تعاني من انقطاع الكهرباء والمياه، وارتفاع أسعار الغذاء، وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية، يصبح الخطاب السياسي المجرد أقل تأثيراً من القدرة على حل مشكلة حقيقية.
وقد أصبحت أزمة الكهرباء مثالاً واضحاً على العلاقة بين الحرب والخدمات. ففي أغسطس 2026 أفادت تقارير بأن الانقطاعات الواسعة للكهرباء أضرت بالأسر والأعمال والإنتاج، وأن البنية الكهربائية وسد مروي تعرضت لأضرار، بينما جعلت تكلفة الوقود تشغيل المولدات الخاصة أمراً صعباً على كثير من السكان (Reuters, 2026).
ومن هنا ينبغي أن يربط المشروع المدني بين الديمقراطية والخدمة العامة. فالسياسة المدنية ليست فقط انتخابات ودستوراً؛ إنها أيضاً مياه آمنة، وكهرباء، ومدارس، ومراكز صحية، وأسواق، وطرق، ووثائق مدنية، ونظام قضائي، وخدمات بلدية.
وتظهر برامج الأمم المتحدة في السودان أن العمل المحلي قادر على إحداث أثر ملموس. فقد دعمت برامج برنامج الأمم المتحدة الإنمائي خدمات صحية ومشروعات مياه وطاقة شمسية وزراعة ودخل، كما دعمت مبادرات السلام المحلية في دارفور وكردفان ومناطق أخرى. وفي جنوب كردفان، وصلت قافلة أممية في فبراير 2026 إلى مناطق كانت معزولة عن المساعدات لمدة ثلاثة أشهر، وقدمت دعماً إنسانياً وصحياً وغذائياً وتعليمياً لأكثر من 130 ألف شخص (UNDP, 2026).
ولا يعني ذلك أن صمود يجب أن يصبح منظمة إغاثة. بل ينبغي أن يساعد في بناء بيئة مدنية يستطيع فيها الفاعلون المحليون الاستمرار، وأن يدافع عن استقلال العمل الإنساني، وأن يربط مشروعات الخدمة بالسياسات العامة وإعادة بناء المؤسسات.
وفي الاقتصاد، ينبغي أن ينتقل المشروع المدني من الحديث العام عن «إعادة الإعمار» إلى خطة لتفكيك اقتصاد الحرب وبناء اقتصاد إنتاجي. ويشمل ذلك الزراعة، والثروة الحيوانية، والصناعات الغذائية، وسلاسل القيمة، والصمغ العربي، والسمسم، والقطن، والمنتجات الحيوانية، والطاقة الشمسية، والمياه، والنقل، والتعدين المنظم، والمشروعات الصغيرة.
كما ينبغي أن يمتلك صمود برنامجاً لإعادة بناء الاقتصاد المحلي في المناطق التي يعود إليها النازحون، لأن العودة من دون فرص عمل وخدمات يمكن أن تتحول إلى نزوح جديد.
وقد أظهرت برامج التنمية المجتمعية في الدول الهشة أن التمويل طويل الأجل والملكية المحلية والرقابة المجتمعية عوامل مهمة لنجاح مشروعات التنمية المحلية، وإن كانت هذه البرامج ليست بديلاً عن دولة مركزية قادرة وشرعية (World Bank, 2026).
الفصل السابع: الحوار الحقيقي يجب أن يبدأ من القاعدة ــ من «مؤتمر نخبة» إلى «عملية وطنية متعددة المستويات»
إذا دخل صمود في علاقة سياسية مع الحوار، فإن أهم مطالبه ينبغي أن يكون تحويل الحوار من مؤتمر مركزي إلى عملية وطنية متعددة المستويات.
يمكن أن تبدأ العملية بمشاورات محلية في الولايات والمناطق، ثم مشاورات قطاعية للنساء والشباب والمهنيين والنازحين والمزارعين والعمال والقطاع الخاص، ثم مشاورات للسودانيين في دول اللجوء والهجرة، ثم مؤتمر وطني يجمع النتائج.
بهذا الشكل يصبح «الحوار السوداني–السوداني» عملية اجتماعية وليست اجتماعاً للنخب.
وينبغي أن تتناول المشاورات سبعة ملفات مترابطة: وقف الحرب وحماية المدنيين؛ شكل الدولة والعلاقة بين المركز والأقاليم؛ إصلاح القطاع الأمني وتوحيد القوات؛ العدالة الانتقالية؛ الاقتصاد وإعادة الإعمار؛ بناء الإدارة المدنية والخدمات؛ والانتقال الدستوري والانتخابات.
والقيمة السياسية لهذه العملية تكمن في أنها تمنع أي جهة من الادعاء بأنها تتحدث باسم «الشعب السوداني» من دون دليل. فإذا أنتجت آلاف المشاورات المحلية قاعدة بيانات حول أولويات المواطنين، تصبح الأجندة المدنية قائمة على الأدلة لا على تقديرات القيادات.
وتنسجم هذه الفكرة مع الأدبيات الخاصة بالحوار الوطني التي تؤكد أن توسيع المشاركة لا يعني بالضرورة إضعاف الكفاءة، وأن المشاركة يمكن أن تتم من خلال مستويات متعددة، لا من خلال وضع جميع الأطراف في قاعة واحدة (Paffenholz, 2014).
كما تشير الأدلة المقارنة إلى أن اللجان الشاملة في عمليات السلام ترتبط بفرص أفضل لاستدامة السلام، وأن العدالة الإجرائية ــ أي شعور المشاركين بأن قواعد المشاركة عادلة ــ تؤثر في شرعية العملية ونتائجها (Cuhadar, 2024).
الفصل الثامن: النساء والشباب والنازحون والمهنيون يجب أن يصبحوا مراكز قوة، لا مجرد «حصص» في المؤتمرات
تمثل النساء إحدى أهم ركائز إعادة بناء السودان، ليس فقط لأنهن يمثلن نسبة كبيرة من السكان، بل لأن الحرب جعلتهن مسؤولات عن الأسر والخدمات وشبكات المساعدة، كما أن العديد من المبادرات المدنية والإنسانية تعتمد على النساء في الإدارة والتنسيق.
ولهذا يجب ألا تكون مشاركة النساء مجرد نسبة في لجنة. المطلوب هو تمكينهن من القرار والموارد والتفاوض وإدارة البرامج المحلية.
والشيء نفسه ينطبق على الشباب. فقد لعب الشباب دوراً محورياً في ثورة ديسمبر 2018، وفي لجان المقاومة، وفي غرف الطوارئ، وفي المبادرات المحلية. وإذا تم التعامل معهم باعتبارهم مجرد جمهور أو متطوعين، فستفقد القوى المدنية جزءاً كبيراً من قدرتها المستقبلية.
أما النازحون واللاجئون، فيجب ألا يكونوا موضوعاً للمساعدة فقط، بل أصحاب مصلحة سياسيين. فعودة النازحين ترتبط بالأرض والملكية والأمن والخدمات والتعويض والعدالة والإدارة المحلية. وتشير تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى حجم هائل من النزوح منذ أبريل 2023، بما يجعل تمثيل النازحين واللاجئين جزءاً ضرورياً من أي عملية سياسية وطنية (UNHCR, 2026).
أما المهنيون، فينبغي أن يكونوا جزءاً من عملية إنتاج السياسات. السودان بعد الحرب سيحتاج إلى الأطباء والمهندسين والمعلمين والمحامين والاقتصاديين والإحصائيين وخبراء المياه والطاقة والزراعة والصحة العامة والإدارة. ولذلك فإن بناء منصة خبراء مدنية يمكن أن يمنح صمود قدرة على تحويل الشعارات إلى خطط.
الفصل التاسع: من الضمان المؤقت إلى الحق الدائم ــ تحويل نافذة بورتسودان إلى إصلاح للمجال السياسي
تمثل الضمانات القانونية التي أعلنتها السلطة فرصة مهمة، لكنها تظل مؤقتة ومحدودة. فالحماية من الملاحقة بسبب المشاركة في الحوار ليست هي نفسها الحق الدستوري الدائم في التعبير والتنظيم والاجتماع.
ولهذا ينبغي لصمود أن يحول النقاش من «حصانة المشاركين في الحوار» إلى «ضمان حق المواطنين في العمل السياسي السلمي».
ويشمل ذلك حرية الاجتماع والتنظيم، وحماية الصحفيين، وعدم استخدام الاعتقال السياسي ضد المعارضين، وضمان استقلال القضاء، وحماية منظمات المجتمع المدني، وضمان العودة الآمنة للسودانيين، وعدم استخدام القوانين الجنائية كوسيلة لإقصاء الخصوم السياسيين.
لكن هذه الحريات يجب أن تقترن بحد واضح يتعلق بالمساءلة عن الجرائم الجسيمة. فالعمل السياسي السلمي شيء، وارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية شيء آخر. ولا ينبغي أن تتحول الحصانات السياسية إلى حصانات جنائية شاملة.
ولهذا فإن موقف صمود ينبغي أن يربط بين الحرية السياسية والعدالة الانتقالية. فالمواطن الذي ينتقد الحكومة يجب أن يحظى بالحماية، أما من تثبت مسؤوليته عن جرائم جسيمة فيجب أن يخضع للمساءلة وفق القانون.
الفصل العاشر: الدولة المدنية لا تعني دولة بلا جيش؛ بل دولة يكون فيها الجيش تحت الدستور والسلطة المدنية
من أهم الملفات التي يجب ألا يتجنبها صمود مسألة المؤسسة العسكرية. فالحديث عن الديمقراطية من دون معالجة العلاقة بين الجيش والسياسة سيترك أصل الأزمة قائماً.
لكن يجب التفريق بين المؤسسة العسكرية وبين القيادة السياسية العسكرية، وبين أفراد القوات المسلحة، وبين الجرائم التي قد يرتكبها أفراد أو وحدات، وبين دور الجيش الدستوري.
الهدف النهائي ينبغي أن يكون جيشاً وطنياً واحداً تحت سلطة دستورية مدنية، مع ترتيبات مهنية وقانونية لمعالجة أوضاع القوات المسلحة الأخرى، بما يشمل التسريح وإعادة الإدماج والدمج وفق ترتيبات متدرجة ومهنية.
وهذا يعني أن إصلاح القطاع الأمني يجب ألا يكون شعاراً انتقامياً، وإنما مشروعاً مؤسسياً يشمل العقيدة العسكرية، والميزانية، والرقابة البرلمانية، وإدارة الشركات الاقتصادية العسكرية، والتراتبية المهنية، والقضاء العسكري، وحقوق الأفراد، والعلاقة بين القوات المسلحة والسلطة التنفيذية.
وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا تستخدم أي عملية سياسية «توحيد الجيش» لتأجيل الانتقال المدني إلى أجل غير محدد. فالهدف من الإصلاح الأمني هو دعم الدولة الدستورية، وليس إنشاء سلطة عسكرية دائمة.
الفصل الحادي عشر: العدالة والاقتصاد والعلاقات الخارجية ــ شروط تحويل القوة المدنية إلى مشروع دولة
لا يمكن فصل العدالة عن السلام. فالحرب في السودان خلفت انتهاكات واسعة من أطراف متعددة، وأي تسوية تتجاهل حقوق الضحايا ستواجه مشكلة شرعية عميقة.
وينبغي أن تجمع العدالة الانتقالية بين المحاسبة الجنائية على الجرائم الخطيرة، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، والتعويض، وإصلاح المؤسسات، والمصالحة المحلية حيث تكون ممكنة، وضمان عدم الإفلات من العقاب.
كما يجب أن تكون إعادة الإعمار مرتبطة بتفكيك اقتصاد الحرب. فالحرب أصبحت مرتبطة بالذهب، والحدود، والموانئ، وسلاسل التوريد، والتمويل الخارجي، والشبكات التجارية، وهو ما يجعل السلام السياسي وحده غير كافٍ إذا بقيت الحوافز الاقتصادية للحرب قائمة. وتوضح دراسات تشاتام هاوس أن الحرب السودانية أصبحت جزءاً من منظومة اقتصادية وعسكرية متعددة الأطراف، تشمل الموارد والحدود والموانئ وشبكات التمويل والتجارة (Mansour, 2025).
أما العلاقة مع المجتمع الدولي، فيجب أن تقوم على معادلة «الدعم دون وصاية». فلا يستطيع السودان إعادة بناء اقتصاده وخدماته من دون دعم خارجي، كما لا يمكن تجاهل دور الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة وإيغاد والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية والولايات المتحدة ودول الجوار. لكن القرار السياسي النهائي يجب أن يكون سودانياً.
وقد أكدت المبادئ الدولية المعلنة في برلين خلال أبريل 2026 أن العملية السياسية ينبغي أن تكون سودانية–سودانية، شاملة وشفافة، وأن تشمل الأصوات المتنوعة داخل السودان وخارجه، وأن ترتبط بوقف إطلاق النار والانتقال المدني. كما أكدت البيانات الدولية اللاحقة في يونيو ضرورة مشاركة المجتمع المدني والنساء والشباب والتنوع الجغرافي والاجتماعي (Berlin Principles, 2026؛ Quintet, 2026).
ولهذا ينبغي لصمود أن يتعامل مع المجتمع الدولي باعتباره مصدراً للضمان والخبرة والتمويل والضغط الدبلوماسي، لا باعتباره بديلاً عن التنظيم السياسي الداخلي.
الفصل الثاني عشر: خطة التحول من الموقف السياسي إلى قوة قابلة للقياس خلال 12–24 شهراً
تبدأ المرحلة الأولى خلال الأشهر الثلاثة الأولى بإعادة التموضع السياسي والتنظيمي. يجب أن يصدر صمود وثيقة موحدة تحدد بوضوح أنه يرفض احتكار الحوار لكنه لا يرفض الحوار، ويشترط الاستقلال والشمول والشفافية والحماية القانونية ووقف الملاحقات السياسية، ويؤكد أن الحوار لا يمكن أن يكون بديلاً عن وقف إطلاق النار وحماية المدنيين. وفي الوقت نفسه يجب إنشاء وحدات متخصصة في التفاوض، والتنظيم الداخلي، والسياسات العامة، والبيانات، والاقتصاد، والخدمات، والعلاقات مع المجتمع المدني.
وخلال الأشهر من الرابع إلى السادس ينبغي الانتقال إلى بناء الشبكات الداخلية. يجب تحديد الولايات والمناطق التي يمكن العمل فيها بصورة آمنة، وإنشاء شبكات مدنية محلية، وربطها بمستويات إقليمية ووطنية، مع احترام استقلال غرف الطوارئ ولجان المقاومة والمنظمات المحلية وعدم تحويلها إلى أذرع حزبية.
ومن الشهر السادس إلى التاسع تبدأ المشاورات المدنية المحلية والقطاعية. ويجب أن تكون هذه المشاورات موثقة وقابلة للتحليل، وأن تتضمن النساء والشباب والمهنيين والنازحين والعائدين والمزارعين والعمال والقطاع الخاص والقيادات المحلية. ويمكن استخدام أدوات رقمية عندما يتعذر الوصول الميداني، لكن يجب ألا يصبح الاتصال الرقمي بديلاً عن التنظيم المحلي.
ومن الشهر التاسع إلى الثاني عشر ينبغي تحويل نتائج المشاورات إلى «أجندة مدنية وطنية» تشمل وقف الحرب، وإعادة بناء الدولة، والإصلاح الأمني، والعدالة، والاقتصاد، والخدمات، والحكم المحلي، والدستور والانتخابات.
ومن الشهر الثاني عشر إلى الثامن عشر يمكن عقد مؤتمر مدني وطني يعتمد في تشكيله على نتائج المشاورات وقواعد تمثيل واضحة، وليس فقط على قادة الأحزاب.
ومن الشهر الثامن عشر إلى الرابع والعشرين ينبغي تحويل القوة الاجتماعية إلى قوة تفاوضية. فإذا امتلك صمود شبكة داخلية واسعة، وبرنامجاً واضحاً، وبيانات موثوقة، وممثلين محليين، وشراكات مجتمعية، وخطة اقتصادية، وخطة انتقال دستوري، فإن موقعه في أي مفاوضات وطنية سيكون مختلفاً جذرياً عن موقع تحالف سياسي يعتمد على الاعتراف الخارجي فقط.
ويجب قياس هذه العملية بمؤشرات محددة: عدد الولايات التي توجد فيها شبكات مدنية فاعلة؛ عدد المشاورات المحلية؛ عدد المشاركين؛ نسبة النساء والشباب؛ عدد النازحين واللاجئين المشاركين؛ عدد المنظمات المستقلة المتعاونة؛ عدد المبادرات الخدمية المدعومة؛ حجم التمويل المعلن ومصادره؛ عدد الدراسات والسياسات المنتجة؛ وعدد التوصيات التي تحولت إلى مواقف تفاوضية.
وفي السنة الثانية يجب قياس مؤشرات أكثر تقدماً، مثل مدى تأثير صمود في أجندة الحوار، ومدى تبني أطراف أخرى لمقترحاته، ومدى قدرته على توحيد القوى المدنية، ومدى امتلاكه شبكة حقيقية داخل السودان، وقدرته على تقديم بدائل للحكم والاقتصاد والخدمات، والأهم: هل أصبح من الممكن لأي تسوية وطنية أن تتجاهل هذه الشبكة المدنية؟
إذا أصبحت الإجابة «لا»، يكون ميزان القوى قد تغير.
المخاطر التي يجب منعها في الوقت نفسه
الخطر الأول هو الاستيعاب السياسي، أي أن يتم إدخال بعض الشخصيات المدنية إلى الحوار واستخدامها لإنتاج صورة عن الشمول بينما تبقى قواعد العملية خاضعة لمركز القوة العسكرية. ولهذا يجب قياس الاستقلال بالإجراءات وليس بالأسماء.
الخطر الثاني هو تفكيك صمود من الداخل عبر جعل مسألة المشاركة في الحوار سبباً لانقسام دائم بين مؤيد للمشاركة ومعارض لها. والحل هو الاعتراف بأن الخلاف التكتيكي طبيعي، وأن الوحدة ينبغي أن تقوم على مبادئ مشتركة مع السماح بتعدد التكتيكات.
الخطر الثالث هو فقدان الشرعية الأخلاقية إذا تحول صمود إلى مجرد ائتلاف يتنافس على المناصب. ولذلك يجب أن تكون الشفافية والمساءلة الداخلية ومكافحة الفساد جزءاً من بنيته.
الخطر الرابع هو الانفصال عن الداخل. فوجود القيادات أو جزء من التنظيم خارج السودان قد يكون مفهوماً لأسباب أمنية، لكنه يصبح مشكلة إذا تحولت البنية السياسية إلى مشروع خارجي منفصل عن المجتمع.
الخطر الخامس هو الخلط بين الدولة والجيش. فالمشروع المدني يجب أن يحافظ على التمييز بين المؤسسة العسكرية كمؤسسة دولة وبين ممارسة القيادة العسكرية للسلطة السياسية، وأن يكون هدفه بناء دولة ذات مؤسسة عسكرية وطنية محترفة تحت سلطة دستورية مدنية.
الخطر السادس هو التبعية الخارجية. وكلما أصبح تمويل القرار السياسي مرتبطاً بحكومة أو دولة أجنبية، أصبح من السهل على الخصوم التشكيك في استقلال صمود. ولذلك يجب أن تكون مصادر التمويل شفافة ومتنوعة ومعلنة، مع قواعد صارمة لمنع تضارب المصالح.
السيناريوهات الأربعة أمام صمود
السيناريو الأول هو المقاطعة الكاملة. وهو يحافظ على نقاء الموقف المبدئي، لكنه قد يترك المجال لقوى أخرى ويزيد الفجوة بين صمود والداخل.
السيناريو الثاني هو المشاركة غير المشروطة، وهو يمنح صمود حضوراً مباشراً لكنه يعرضه لخطر استخدامه لإضفاء شرعية مدنية على عملية غير متوازنة.
السيناريو الثالث هو التعامل المشروط، بحيث يرفض صمود الاعتراف المسبق بالنتائج ويتفاوض حول شروط العملية، ويطلق مساراً مدنياً موازياً. وهذا هو السيناريو الأكثر قدرة على الجمع بين المبدأ والتأثير.
السيناريو الرابع هو بناء مسار مدني مستقل بالكامل، بحيث يطلق صمود حواراً مدنياً وطنياً مستقلاً ولا يتعامل مع مبادرة السلطة إلا على المستوى السياسي. وهذا يحمي استقلاله لكنه يحتاج إلى موارد وتنظيم وقدرة كبيرة على الوصول إلى الداخل.
والخيار الأكثر واقعية هو الجمع بين السيناريو الثالث والرابع: التعامل المشروط مع العملية القائمة، وبناء مسار مدني مستقل في الوقت نفسه.
الخاتمة النقدية: بورتسودان ليست الهدف؛ الهدف أن يصبح المجتمع المدني قوة لا يمكن لأي تسوية أن تتجاوزها
تكشف مبادرة الحوار السوداني–السوداني في بورتسودان عن معضلة مركزية في المرحلة الحالية من الحرب: السودان يحتاج إلى حوار سوداني، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى ضمان ألا يتحول الحوار إلى امتداد للخريطة العسكرية. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الحوار «سودانياً» لأنه يعقد داخل السودان، وإنما ما إذا كان السودانيون المختلفون يمتلكون فعلاً القدرة المتساوية على المشاركة فيه والتأثير في أجندته ونتائجه.
ومن هذه الزاوية فإن مخاوف صمود من المبادرة ليست بلا أساس. فالمبادرة انطلقت من مركز قوة عسكرية، وفي بيئة لم تتوقف فيها الحرب، وفي ظل انقسام جغرافي وسياسي عميق. وقد حذر صمود صراحة من خطر تكريس الانقسام الجغرافي ومن عقد حوار سياسي في ظل استمرار الحرب (Somoud, 2026).
لكن المخاطر التي تنتج عن المشاركة غير المشروطة لا تعني أن المقاطعة الكاملة هي بالضرورة الخيار الأفضل. فالعملية السياسية أصبحت موجودة، واللجنة التمهيدية بدأت العمل، والضمانات القانونية أُعلنت، والاتحاد الأفريقي أعلن دعمه للمبادرة، بينما تعمل قوى أخرى على صياغة مواقفها. ولذلك فإن ترك المجال السياسي بالكامل قد يؤدي إلى النتيجة التي يخشاها صمود نفسه: أن يعاد تشكيل المجال السياسي من دون حضوره.
ومن هنا فإن أفضل استراتيجية هي الفصل بين الاعتراف بشرعية الصيغة وبين التعامل مع الواقع السياسي الذي أنتجته الصيغة.
يمكن لصمود أن يرفض نتائج الحوار مسبقاً إذا كانت غير شاملة، لكنه يستطيع في الوقت نفسه التفاوض حول شروطه. ويمكنه رفض احتكار السلطة لتحديد المشاركين، لكنه يستطيع التواصل مع اللجنة التمهيدية. ويمكنه رفض تحويل السيطرة العسكرية إلى شرعية سياسية، لكنه يستطيع استخدام الضمانات القانونية للدفع نحو حرية سياسية أوسع. ويمكنه رفض الحوار الذي لا يسبقه وقف إطلاق النار، لكنه يستطيع إطلاق مشاورات مدنية حول كيفية وقف الحرب وبناء السلام.
وهنا تتحول المبادرة من تهديد إلى اختبار.
إذا رفضت السلطة استقلال العملية، تكون قد كشفت حدودها. وإذا قبلت بتوسيع المشاركة والضمانات، يكون المجال المدني قد اتسع. وإذا رفضت مشاركة القوى المدنية، يستطيع صمود بناء مسار موازي. وإذا قبلت، يستطيع صمود التفاوض من موقع أقوى.
لكن كل ذلك يظل ثانوياً أمام المهمة الأكبر: بناء القوة داخل المجتمع السوداني.
فصمود لن يغير ميزان القوى بمجرد امتلاك قيادة سياسية معروفة أو علاقات دولية أو حضور إعلامي. ولن يتغير الميزان بمجرد الفوز بعدد من المقاعد في لجنة. ولن يتغير بمجرد إصدار بيانات ترفض الحرب. سيتغير عندما يصبح لصمود وشركائه المدنيين وجود منظم في الولايات والمناطق، وقدرة على الاستماع إلى المواطنين، وإنتاج البيانات، ودعم الخدمات، وتقديم حلول اقتصادية، وتنظيم النساء والشباب والمهنيين والنازحين والعائدين، وربط المبادرات المحلية، وإنتاج سياسات عامة، والتفاوض على أساس برنامج لا على أساس الشعارات.
وعندها تتحول العبارة المركزية من «صمود ضد الحرب» إلى «صمود من أجل إعادة بناء السودان».
وتصبح غرف الطوارئ ولجان المقاومة والمبادرات المحلية والشبكات النسائية والشبابية والمهنية ليست مجرد كيانات مؤقتة للحرب، بل اللبنات الأولى لبنية مدنية وطنية تستطيع الدولة المستقبلية الاعتماد عليها.
ويصبح الحوار السوداني–السوداني ليس مؤتمراً واحداً في بورتسودان، وإنما عملية متعددة المستويات تبدأ من الحي والقرية والمحلية والولاية والإقليم، وتمتد إلى الخرطوم ودارفور وكردفان والشرق والشمال والنيل الأزرق والجزيرة، وتشمل السودانيين في مصر وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا وليبيا ودول الخليج وأوروبا وأمريكا وأستراليا وغيرها.
ويصبح النازح ليس مجرد شخص يحتاج إلى مأوى، وإنما مواطناً له رأي في مستقبل الدولة. وتصبح المرأة ليست مجرد نسبة تمثيل، وإنما صاحبة قرار وموارد. ويصبح الشباب ليسوا مجرد متطوعين، وإنما منتجين للسياسات. ويصبح المهنيون ليسوا مجرد مستشارين، وإنما جزءاً من البنية المؤسسية للدولة الجديدة.
وفي الاقتصاد، يصبح الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الإنتاج جزءاً من السلام نفسه. وفي الأمن، يصبح الانتقال من تعدد الجيوش والقوى المسلحة إلى مؤسسة عسكرية وطنية واحدة تحت سلطة الدستور المدني جزءاً من إعادة تأسيس الدولة. وفي العدالة، يصبح الانتقال من الإفلات من العقاب إلى منظومة تجمع المحاسبة والحقيقة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي جزءاً من المصالحة الوطنية.
وهكذا فإن المعركة الحقيقية ليست حول بورتسودان وحدها، وليست حول حضور صمود أو غيابه في مؤتمر واحد. المعركة الحقيقية هي حول من يمتلك القدرة على تعريف السودان بعد الحرب.
إذا امتلك العسكريون السلاح والأرض، بينما امتلك المدنيون المجتمع والتنظيم والخدمة والمعرفة والبرنامج والشرعية، فإن ميزان القوة لن يكون صفراً. وإذا استطاع صمود أن يحول هذه الموارد المدنية المتفرقة إلى شبكة وطنية من دون ابتلاع استقلال مكوناتها، فإنه يستطيع أن ينتقل من موقع الدفاع عن الموقف السياسي إلى موقع صناعة السياسة.
ولهذا يمكن تلخيص الاستراتيجية في معادلة واحدة: لا ينسحب صمود من السياسة بسبب رفض صيغة الحوار، ولا يدخل الحوار بشروط الآخرين؛ بل يتعامل مع العملية باعتبارها واقعاً سياسياً، ويرفض شرعنة ما يراه غير مشروع، ويناضل سلمياً من أجل تغيير قواعد المشاركة، ويبني في الوقت نفسه قوة مدنية داخل السودان، ويحول هذه القوة من خدمات وشبكات محلية إلى تمثيل وبرنامج وحوكمة، ثم يحول التمثيل والبرنامج إلى قوة تفاوضية قادرة على إعادة تأسيس الدولة.
والاختبار النهائي ليس هل شارك صمود في حوار بورتسودان، وإنما هل استطاع خلال المرحلة الانتقالية أن يصبح جزءاً من البنية الاجتماعية والسياسية التي لا يمكن لأي تسوية وطنية مستقرة أن تتجاهلها.
فإذا أصبح الجواب نعم، يكون الحوار قد تحول من مبادرة يمكن أن تستخدم لتكريس ميزان القوة العسكري إلى فرصة ساعدت، ولو بصورة غير مباشرة، على إعادة بناء المجال المدني.
أما إذا بقي صمود مجرد تحالف سياسي يصدر البيانات من دون أن يبني التنظيم والخدمات والمعرفة والتمثيل والبرنامج والقدرة على التفاوض، فإن ميزان القوى سيظل في يد من يمتلك الأرض والسلاح والموارد.
ومن ثم فإن المسألة في جوهرها ليست «المشاركة أم المقاطعة»، وإنما الانتقال من رد الفعل إلى بناء القوة؛ من التحالف إلى المؤسسة؛ من النخبة إلى المجتمع؛ من البيان إلى الخدمة؛ من الخطاب إلى البرنامج؛ ومن الشرعية الأخلاقية وحدها إلى الشرعية الاجتماعية والتنظيمية والمؤسسية.
وعندما يتحقق هذا الانتقال، يصبح «صمود» أكثر من تحالف سياسي ضد الحرب: يصبح أحد مكونات البنية المدنية الوطنية التي يمكن أن تحمل مشروع السودان بعد الحرب، وتدافع عن وحدته، وتعيد بناء مؤسساته، وتدفع نحو جيش وطني واحد تحت سلطة مدنية دستورية، وتربط السلام بالعدالة والتنمية، وتحوّل الديمقراطية من وعد سياسي إلى مؤسسات وممارسات وحياة يومية.
المراجع
- Adam A. Emergency Response Rooms in Sudan: From Revolutionary Grassroots Organization to the Management of Life in a Context of Political Collapse. Journal of Social Encounters. 2026;10(1):123–133.
آدم أ. غرف الطوارئ في السودان: من التنظيم الثوري القاعدي إلى إدارة الحياة في سياق الانهيار السياسي؛ مجلة اللقاءات الاجتماعية؛ 2026؛10(1):123–133. - Africa Center for Strategic Studies. Sudan’s Civilian Political and Social Forces: Somoud and the Postwar Political Landscape. Washington DC: Africa Center for Strategic Studies; 2026.
مركز الدراسات الاستراتيجية الأفريقية. القوى السياسية والاجتماعية المدنية في السودان: صمود والمشهد السياسي بعد الحرب؛ واشنطن؛ 2026. - African Union. African Union Statement on the Sudanese-Sudanese Dialogue Initiative. Addis Ababa: African Union Commission; 2026.
الاتحاد الأفريقي. بيان الاتحاد الأفريقي بشأن مبادرة الحوار السوداني–السوداني؛ أديس أبابا؛ 2026. - Badri G. Statement on the Sudanese-Sudanese Dialogue Initiative. Khartoum: Sudanese-Sudanese Dialogue Preparatory Committee; 2026.
بدري غ. بيان بشأن مبادرة الحوار السوداني–السوداني؛ الخرطوم؛ اللجنة التمهيدية للحوار السوداني–السوداني؛ 2026. - Berlin Conference on Sudan. Berlin Principles for Sudan. Berlin: Government of the Federal Republic of Germany and Conference Co-hosts; 2026.
مؤتمر برلين بشأن السودان. مبادئ برلين بشأن السودان؛ برلين؛ 2026. - Burhan AF. Statement on Sudanese-Sudanese National Dialogue and Political, Legal and Security Guarantees. Port Sudan: Transitional Sovereignty Council; 2026.
البرهان ع ف. بيان بشأن الحوار السوداني–السوداني والضمانات السياسية والقانونية والأمنية؛ بورتسودان؛ 2026. - Chenoweth E, Stephan MJ. Why Civil Resistance Works: The Strategic Logic of Nonviolent Conflict. New York: Columbia University Press; 2011.
تشينويث إ، ستيفان م ج. لماذا تنجح المقاومة المدنية: المنطق الاستراتيجي للصراع غير العنيف؛ نيويورك؛ 2011. - Cuhadar E, Druckman D. Let the People Speak! What Kind of Civil Society Inclusion Leads to Durable Peace? International Studies Perspectives. 2024;25(3):359–381.
جهادَر إ، دركمان د. دعوا الشعب يتحدث: أي نوع من إدماج المجتمع المدني يقود إلى سلام دائم؟ المنظورات الدولية للدراسات؛ 2024؛25(3):359–381. - Darf A. Decision No. 363 of 2026 Concerning Criminal Proceedings and Legal Guarantees for Participants in the Sudanese-Sudanese Dialogue. Port Sudan: Ministry of Justice; 2026.
درف ع. القرار رقم 363 لسنة 2026 بشأن الإجراءات الجنائية والضمانات القانونية للمشاركين في الحوار السوداني–السوداني؛ بورتسودان؛ وزارة العدل؛ 2026. - Democratic Bloc. Statement on Inclusive Intra-Sudanese Dialogue and the Political Process. Khartoum: Democratic Bloc; 2026.
الكتلة الديمقراطية. بيان بشأن الحوار السوداني–السوداني الشامل والعملية السياسية؛ الخرطوم؛ 2026. - Elhadary Y. Political Parties, Fragmentation and the Future of Sudanese Politics. Sudan political studies literature. 2024.
الحداري ي. الأحزاب السياسية والتجزؤ ومستقبل السياسة السودانية؛ أدبيات الدراسات السياسية السودانية؛ 2024. - Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan. Report on the Situation of Human Rights in Sudan and External Support to the Conflict. Geneva: United Nations Human Rights Council; 2026.
بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان. تقرير بشأن حالة حقوق الإنسان في السودان والدعم الخارجي للنزاع؛ جنيف؛ مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة؛ 2026. - Mansour A. Why Peacebuilding Fails in Sudan: Political Economy, Military-Economic Networks and Regional Interests. London: Chatham House; 2025.
منصور أ. لماذا يفشل بناء السلام في السودان: الاقتصاد السياسي والشبكات العسكرية–الاقتصادية والمصالح الإقليمية؛ لندن؛ تشاتام هاوس؛ 2025. - Paffenholz T. Civil Society and Peace Negotiations: Beyond the Inclusion-Exclusion Dichotomy. Negotiation Journal. 2014;30(1):69–91.
بافنـهولتس ت. المجتمع المدني ومفاوضات السلام: تجاوز ثنائية الإدماج والاستبعاد. مجلة التفاوض؛ 2014؛30(1):69–91. - Reuters. Extensive Power Cuts Hamper Life in Sudan. Reuters; 28 August 2026.
رويترز. انقطاعات الكهرباء الواسعة تعرقل الحياة في السودان؛ رويترز؛ 28 أغسطس 2026. تاريخ الوصول: 3 سبتمبر 2026. - Schouten P. Social Accountability in Fragile States: Strengthening Citizen-State Relations. London: Overseas Development Institute; 2011.
شوتن ب. المساءلة الاجتماعية في الدول الهشة: تعزيز العلاقة بين المواطنين والدولة؛ لندن؛ معهد التنمية الخارجية؛ 2011. - Somoud. Statement Rejecting the Army-Backed Internal Sudanese Dialogue Initiative. Sudan: Civil Democratic Alliance Somoud; 2026.
صمود. بيان رفض مبادرة الحوار السوداني الداخلي المدعومة من الجيش؛ السودان؛ تحالف صمود المدني الديمقراطي؛ 2026. تاريخ الوصول: 3 سبتمبر 2026. - Sudan Tribune. Sudan Civil Alliance Somoud Rejects Army-Backed Internal Dialogue Initiative. Sudan Tribune; 10 August 2026.
سودان تربيون. تحالف صمود المدني السوداني يرفض مبادرة الحوار الداخلي المدعومة من الجيش؛ 10 أغسطس 2026. تاريخ الوصول: 3 سبتمبر 2026. - Sudan Tribune. Sudanese Political Forces Reject al-Burhan Dialogue and Outline Peace Process Roadmap. Sudan Tribune; 23 August 2026.
سودان تربيون. قوى سياسية سودانية ترفض حوار البرهان وتضع خارطة طريق لعملية السلام؛ 23 أغسطس 2026. تاريخ الوصول: 3 سبتمبر 2026. - Sudan Tribune. Sudanese Civil Figures Launch Push to Host Internal Peace Talks. Sudan Tribune; 30 August 2026.
سودان تربيون. شخصيات مدنية سودانية تطلق مبادرة لتهيئة محادثات السلام الداخلية؛ 30 أغسطس 2026. تاريخ الوصول: 3 سبتمبر 2026. - Sudan Tribune. Sudan Army Chief Drops Charges Against Politicians Returning for Internal Dialogue. Sudan Tribune; 1 September 2026.
سودان تربيون. قائد الجيش السوداني يسقط البلاغات ضد سياسيين عائدين للمشاركة في الحوار الداخلي؛ 1 سبتمبر 2026. تاريخ الوصول: 3 سبتمبر 2026. - Sudan Tribune. AU Backs Sudan-Based Dialogue Initiative, Drawing Fire from Civilian Opponents. Sudan Tribune; 1 September 2026.
سودان تربيون. الاتحاد الأفريقي يدعم مبادرة الحوار القائمة داخل السودان وسط انتقادات من القوى المدنية؛ 1 سبتمبر 2026. تاريخ الوصول: 3 سبتمبر 2026. - United Nations Development Programme. Bridging Divides: Local Peace Initiatives in Sudan. Khartoum: UNDP Sudan; 2025.
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. ردم الانقسامات: مبادرات السلام المحلية في السودان؛ الخرطوم؛ 2025. - United Nations Development Programme. Laying the Groundwork for Recovery: UNDP Sudan Annual Report 2025. Khartoum: UNDP Sudan; 2026.
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وضع الأساس للتعافي: التقرير السنوي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان لعام 2025؛ الخرطوم؛ 2026. - United Nations Development Programme. Community-Led Recovery, Peacebuilding and Crisis Response in Sudan. Khartoum: UNDP Sudan; 2026.
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. التعافي وبناء السلام والاستجابة للأزمة بقيادة المجتمعات في السودان؛ الخرطوم؛ 2026. - United Nations High Commissioner for Refugees. Three Years On, War-Weary Sudanese Remain on the Move. Geneva: UNHCR; 2026.
المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. بعد ثلاثة أعوام، السودانيون المنهكون من الحرب ما زالوا في حالة نزوح؛ جنيف؛ 2026. تاريخ الوصول: 3 سبتمبر 2026. - United Nations High Commissioner for Refugees. Sudan Situation: Monthly External Update. Geneva: UNHCR; 2026.
المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وضع السودان: التحديث الخارجي الشهري؛ جنيف؛ 2026. تاريخ الوصول: 3 سبتمبر 2026. - United Nations Human Rights Council. Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan: Human Rights and Conflict Report. Geneva: United Nations; 2026.
مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان: تقرير حقوق الإنسان والنزاع؛ جنيف؛ 2026. - World Bank. Sudan: Community and Local Development in Fragile and Conflict-Affected Settings. Washington DC: World Bank; 2026.
البنك الدولي. السودان: التنمية المجتمعية والمحلية في البيئات الهشة والمتأثرة بالنزاعات؛ واشنطن؛ 2026. - World Health Organization. Sudan Health Emergency and Humanitarian Situation Report. Geneva: WHO; 2026.
منظمة الصحة العالمية. السودان: التقرير الطارئ للصحة والوضع الإنساني؛ جنيف؛ 2026.
