من تخاطب مكبرات الصوت؟ .. بقلم: محمد التجاني عمر قش
8 مارس, 2015
منشورات غير مصنفة
27 زيارة
gush1981@hotmail.com
إن الحملة الانتخابية هي نوع من الحملات الإعلامية السياسية؛ لأن لها أهداف محددة تسعى لإنجازها كما لها مدى زمني محدد ولذلك تكون مكثفة وتخضع للتقييم لمعرفة مدى فعاليتها؛ ولهذا فإن ما تقوم به تلك الحملة هو تلميع صورة المرشح وتحسين سمعته أو تكوين صورة للمرشح غير موجودة في الواقع بغرض إحداث أثر نفسي لدى الناخبين! ومن الواضح أن الحملة الانتخابية الراهنة لا تختلف كثيراً عن سابقاتها من حيث الوعود والأساليب التي تحمل ذات الملامح والشبه؛ فها نحن نشاهد السيارات الفارهة تجوب قرى السودان ومدنه وحيثما حل موكب أحد المرشحين؛ خاصة ذوي الوزن الثقيل منهم، طفقت مكبرات الصوت تبث أغاني الفروسية من نوع “بتريد اللطام”؛ والقصد كما هو معلوم بالضرورة إثارة الحماس في الناخب حتى لا يكون الخطاب موجهاً لعقله وإنما لعواطفه وإثارة النخوة السودانية وربما القبلية في دواخله فتتكون لديه القابلية لتلقي الكلام على عواهنه دون اكتراث لمحتواه؛ وبالتالي ترسم صورة ذهنية في مخيلته لذلك الناخب الهمام الذي يختلط بالناس ويطرب معهم لأنغام الحماس ويصول ويجول معطياً الناس انطباعاً بأنه ابن المنطقة والقبيلة البار الذي سيأتيهم بما يشتهون من خدمات ومطالب ويفتح لهم أبواب التواصل مع الجهات الرسمية حتى يذلل لهم كافة العقبات من أجل خدمة المنطقة وتطويرها وجعل صوتها مسموعاً لدى صناع القرار! وبهذه المناسبة تحضرني قصة تعود للدعاية الانتخابية التي سبقت انتخابات 1967، فقد جاء مرشح دائرتنا ووعد الناس بحفر “دونكي” وفعلاً جلب معه بعض المواسير الكبيرة ووضعها في مكان يظن الناس أن به “عين ماء” وفاز المرشح ولكنه لم يعد للمنطقة حتى توفاه الله، سائلين الله له الرحمة والمغفرة، ولا تزال تلك المواسير موجودة في الموقع ولكننا لم نر “دونكيا”ً ولا بئر “أم لواي”! وقد تكرر ذات المشهد عام 2010 إذ كانت هنالك وعود بصيانة المدارس القديمة وتشييد أخرى جديدة بالمواد الثابتة ولكن نائب الدائرة لم يعد إليها حتى اللحظة. وإنني لأعتقد جازماً أن ما حدث في منطقتنا قد تكرر في معظم بقاع السودان وسوف يحدث مرة أخرى هذه السنة. بشكل عام، من يتابع خطاب المرشحين، من كافة الأحزاب المتنافسة، يجد أن دعايتهم الانتخابية لا تزال تتمحور حول تقديم الخدمات الأساسية للمواطن وكأن هذه الخدمات ليست من واجب الدولة نحو مواطنيها؛ وهذا ما يفسر لنا تحرك المسئولين لافتتاح بعض المنشآت والمشاريع هذه الأيام حتى كان هنالك مهرجان كبير لتوزيع السراويل في واحدة من كبريات ولايات السودان؛ الأمر الذي يجعل المراقب يحس بأن كل هذه التحركات إنما هي جزء من الدعاية الانتخابية وليست من أجل عيون السودانيين وهذا لعمري شيء جد مؤسف؛ لأنه يمثل امتناناً على الناس بما هو حق مكفول لهم بموجب الدستور والمواطنة. من جانب آخر، يلاحظ خلو الحملة الانتخابية للحزب الحاكم من أية إشارة ولو عابرة للمشروع الحضاري الذي يبدو أنه ذهب أدراج الرياح أو عصفت به رياح التحولات التي أحدثها الربيع العربي في المنطقة وإفرازات الموقف الدولي الراهن، باستثناء ما ذكره مرشح الحزب لرئاسة الجمهورية المواطن عمر حسن أحمد البشير بأنه سوف يسعى لتطبيق شريعة خالية من الشوائب “نظيفة” وكأنما هنالك شريعة أخرى غير ذلك! يا أيها السادة المرشحون نذكركم بأن هذا الشعب لم يعد كما كان في عام 1967 وما قبلها بل طرأت عليه تحولات كبيرة جعلته يدرك كثيراً من الأمور التي يظن أصحابها ومدبروها أنها تخفى عليه؛ فهنالك الآن جيل واع ومدرك لمجريات الأحداث مما يستدعي مخاطبة الناس بقدر وعيهم وإدراكهم حتى يكون الخطاب متسقاً مع سياقه الحضاري والزمني بمعنى أن يغير قادة الأحزاب ومرشحوها من فكرهم ونظرتهم لهذا الشعب الكريم؛ وبالتالي يغيروا أساليب التخاطب معه من حيث اللغة والمحتوى؛ فهنالك ثمة وعود نعلم علم اليقين أنها لن تر النور فقط لكونها ليست ضمن مقدرات المرشح وإمكانياته، بل هي من مسئولية الدولة ولذلك يجب أن تقوم بها بعيداً عن الدعاية والحملة الانتخابية سواء للحزب الحاكم أو غيره من الأحزاب دون دغدغة لمشاعر المواطنين وعواطفهم. أخيراً، يجب عليك، أخي المرشح، أن تشعر بآلام الناس وتطلعاتهم وأنك ترغب في خدمتهم بشكل حقيقي، ولهذا لا تحاول أن تظهر للناس بصورة غير صورتك، ولكن اجعلهم يعرفون الإنسان في دواخلك حاول أن تريهم من وقت لآخر صورتك الإنسانية التي تراها عائلتك وأقرباؤك، ولا تراوغ في حواراتك وحملتك الانتخابية، ولا تقل سوى الحقيقة فقط بكل وضوح وصراحة وعبّر عن أفكارك ومشروعك بطريقة مباشرة وشفافة، وركّز على أن تعبر عن هوية وطنية خالصة وأسعى أن تقدم حلولاً واقعية ومستدامة لمشاكل الناس وقدّم لهم أفكاراً وسياسات جديدة تعكس لهم طريقة تفكيرك الخاصة وليس فقط البرامج التفصيلية التي يضعها خبراء الحزب وقادته معك؛ فالدعاية الانتخابية لا تبيح الكذب بأي حال من الأحوال.