من تسييس المؤسسات إلى دولة المؤسسات – الحلقة الرابعة

من تسييس المؤسسات إلى دولة المؤسسات – الحلقة الرابعة: أكتوبر بين وحدة الماضي وتحديات المستقبل
في ذكرى ثورة أكتوبر 1964… دعوة لاستعادة معنى الوحدة، لا مجرد الاحتفال بتاريخها
عبده الحاج – 21 أكتوبر 2025

يأتي هذا المقال، وهو الحلقة الأخيرة من السلسلة، بمناسبة الذكرى الحادية والستين لثورة أكتوبر المجيدة، لا ليُعيد سردها التاريخي، بل ليمنح الاحتفال بها معنىً جديدًا — معنى يتجاوز الشعارات والمواكب إلى استلهام الدروس واستعادة الروح التي وحّدت السودانيين يومًا، حين آمنوا أن إرادة الشعب أقوى من القمع، وأن التغيير الحقيقي يبدأ من الوعي قبل الشارع، ومن بناء المؤسسات قبل إسقاط الحكومات.
في مثل هذا اليوم من أكتوبر 1964، خرج السودانيون إلى الشوارع، لا تفرّقهم قبيلةٌ ولا حزب، بل يجمعهم وجدانٌ وطنيٌّ واحد، يطالب بالحرية والعدالة والكرامة. كانت تلك اللحظة واحدةً من أنبل لحظات التاريخ السوداني، حيث تماهى الناس مع بعضهم في وحدةٍ عاطفيةٍ صافيةً جعلت الشعب جسدًا واحدًا، والبلاد حلمًا واحدًا. لكن بعد ستين عامًا، يعود السؤال الكبير: هل استطعنا أن نحافظ على ذلك الحلم؟ أم أننا اكتفينا بالاحتفال بذكراه كل عام دون أن نُعيد له روحه ومعناه؟

وحدة أكتوبر… المعنى الذي ضاع
كانت ثورة أكتوبر أول برهانٍ على أن هذا الشعب، حين يتوحّد وجدانه، يصبح أقوى من كل سلطةٍ وبندقية. فقد واجه السودانيون يومها آلة القمع بصدورٍ عاريةٍ، وانتصروا لأنهم اجتمعوا على قيمٍ لا على مصالح، وعلى المبادئ لا على الأشخاص.
لكن تلك الوحدة التي أسقطت الفساد لم تستطع أن تبني الصلاح مكانه، إذ سرعان ما تفرّق الصف، وضاعت البوصلة بين الأحزاب والطموحات. لقد نجحنا في إزالة الفساد، وفشلنا في بناء الصلاح، نجحنا في الهدم، وفشلنا في البناء! لأننا لم نحول تلك اللحظة الأخلاقية النادرة إلى مشروعٍ مؤسسيٍّ دائم. فقد كانت لدينا الرغبة في التغيير، ولكن كانت تنقصنا المعرفة بالتغيير، فلم نكن نمُلك وسائل البناء. وما بين أكتوبر الأمس وحروب اليوم، تتكرّر المأساة: وحدةٌ عاطفيةٌ عظيمة تُسقط الظلم، ثم انقساماتٌ صغيرة تزرع ظلماً جديداً. أفلا تكفي ستون عاماً لأن نتعلم كيف يكون التغيير الصحيح؟!!

وطنٌ منقسم بلا سبب.. وشعبٌ يبحث عن ذاته
الواقع اليوم يقول إنّ السودانيين في حالةٍ من الانقسام المقلق، لا تدفعه قضايا فكرية كبرى ولا خلافات جوهرية، بل تنافسٌ محموم على سلطةٍ غائبة، ومواقعَ نفوذٍ لا وجود حقيقي لها.
لقد بدأ هذا الانقسام مبكرًا، منذ بواكير الفترة الانتقالية، عندما لاحت أول فرصةٍ للسلطة، فتحول التعاون إلى تنافس، والمصلحة الوطنية إلى سباقٍ على المواقع. حتى الكيان الذي مثّل رمزًا للوحدة في أوج الثورة — “تجمّع المهنيين” — انقسم على نفسه، لا بسبب خلافٍ حول البرامج أو التفاصيل، بل حول حق الآخر في الوجود في قيادة الجسم، أو كجسم موازٍ!
والأدهى من الانقسام هو ما رافقه من عداءٍ متبادل، ومحاولات تشويهٍ وتخوينٍ متبادلة، بلغت حدّ القسوة التي لا تصدر حتى من أعدى الأعداء. وانتقل هذا الداء من التجمعات السياسية إلى منظمات المجتمع المدني، وإلى لجان المقاومة التي كانت تمثّل الضمير الشعبي للثورة، حتى صارت تعاني اليوم من الانقسام ذاته. لقد غاب الشعور بالمصير المشترك، وتحول الوطن إلى ساحاتٍ متقابلة من التنافس والشك والاتهام، رغم أن ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرّقنا. وفي وقتٍ يئن فيه أهل السودان تحت وطأة الجوع والنزوح والدمار، لم تحرّك قسوة الواقع فينا روح الوحدة — لا السياسية ولا حتى العاطفية.

الوحدة المفقودة بين أوهام القوة وواقع الضعف
لكل طرفٍ في المشهد السوداني اليوم وهمٌ خاص بأنه صاحب اليد العليا.

  1. وهم الحل الخارجي: من يرى نفسه مستندًا إلى دعمٍ خارجي يظن أن الشرعية تُستمدّ من رضا الخارج. لكن المجتمع الدولي لا يتحرك إلا وفقًا للمصالح، وهو يريد أن يرى دولةً، أو دويلاتٍ مستقرة في الإقليم، ولو بقوة البندقية، وهو في سبيل تحقيق ذلك لن يتردد في التعامل مع أي طرف من الأطراف.
  2. وهم القوة المسلحة: ومن يتكئ على القوة المسلحة يظن أن البندقية وحدها تكفي لبناء دولة، متناسين أن القوة المسلحة قد تفرض أمرًا واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تبني دولةً ولا تصنع سلامًا دائماً. كما أن عدو الأمس الذي أصبح صديق اليوم، يمكن أن يرجع عدوًا ويصادق طرفاً آخر (ما تدي قفاك للعسكر ** العسكر ما بتشكر).
  3. وهم “الشارع المطلق”: ومن يحتكر الحديث باسم “الشارع الثائر” يظن أنه يملك تفويضًا دائمًا. لكن الحقيقة أن الشارع ليس ملكًا لأحد، بل هو مرآةٌ صادقةٌ لوجدان الناس. كما أن الشعارات والواجهات المصنوعة، أو شيطنة وتخوين الآخرين، ما عادت تدر دخلاً لصاحبها، بل أصبحت محل استهجان من الشعب الواعي. هذا بجانب أن السواد الأعظم من الشارع مشغول بـحاجة معدته المُلِحّة، وما تبقى من الشارع منقسم أو عازف.
    ومع ذلك، فإنّ المفارقة الكبرى أنّ كل هؤلاء يؤمنون — ولو نظريًا — بضرورة الوحدة في هذه المرحلة لوقف الحرب واستعادة المسار المدني الديمقراطي، بل إنّ معظمهم يسعى إليها بجدٍّ، لكن كلٌّ على طريقته، وبمواصفاته الخاصة، وشروطه المسبقة!
    لقد صار لكل فصيلٍ “تصوّره” الخاص للوحدة، لا حول الوطن بل حول رؤيته، حتى طال هذا الداء منظمات المجتمع المدني ولجان المقاومة، بل وحتى الناشطين المستقلين. فتعددت المبادرات وتناسلت المساعي، وكلّها تنادي بوقف الحرب، ولكن من دون أن تلتقي على مبادرةٍ واحدةٍ جامعةٍ توحّد الكلمة وتنسّق الجهد. وهكذا تحوّلت الدعوة إلى الوحدة نفسها الى أداة تقسيم، ودليلٍ جديدٍ على أزمة قبول الآخر، وعجزنا عن العمل المشترك رغم إيماننا النظري به، مما يؤكد ضرورة إعادة صياغة الفرد السوداني.
    إنّ كل من ظنّ أن له اليد العليا، واهم. فالقوة الحقيقية اليوم ليست في الرصيد العسكري ولا في الشرعية الدولية ولا في الشعارات الثورية، بل في القدرة على توحيد الناس حول مشروع وطني مشترك، مبني على الأولويات ومتطلبات المرحلة، لا على العقائد والأيدولوجيات. فالحرب ليست وسيلة للتكسب، أو تمرير الأجندة الخاصة، والعار كل العار لمن يحاول أن يستثمر في أرواح إخوانه. فمن يملك القدرة على جمع الناس لا على تقسيمهم، هو صاحب اليد العليا حقًا.

الوحدة: ليست الحل، بل البداية الإلزامية
الشعب السوداني شعب عملاق، وقد أثبت في محطاتٍ كثيرة أنه قادرٌ على تجاوز الخلافات حين يجد القائد الصادق والمشروع الواضح. عليه أن يتعامل مع علله المتوارثة بواقعية، وأن يعرف عيوبه ليعالجها بطريقة علمية وعملية. حين نتوحد، سنكتسب قوة ومقدرة أكبر في مواجهة طرفي الحرب وفي التعامل مع المجتمع الدولي، لنفرض عليهم حلاً سودانياً خاضعاً لمراقبتنا ومحاسبتنا.
الوحدة وحدها ليست الحل، لكنها البداية التي لا بد منها لأي حلٍّ ممكن. فالحل ليس عملاً يتم في يوم أو عام، وإنما هو مشوار طويل، وعمل متصل من نقد وتحليل وتطوير، وسير وئيد خطوة بخطوة، بواقعية مبنية على أرض الواقع الصلبة، لا بالقفز على الحقائق. وليس ثمة بداية تصلح سوى محاولة الوحدة، ولو وحدة عاطفية في المرحلة الراهنة. وهذه الوحدة يجب أن تعترف بالتنوع والاختلاف وتفتخر به.

الوعي المؤسسي: درس أكتوبر 1964
ولقد عرفت بلادنا هذا الوعي ذات يوم، في أكتوبر 1964، حين توحّد السودانيون عاطفيًا حول قضية الحرية والعدالة، فأسقطوا نظامًا فاسدًا من دون رصاصةٍ واحدة. تلك التجربة لا تزال درسًا مفتوحًا للأجيال: أن الانتصار الأخلاقي لا يكتمل إلا إذا تلاه بناءٌ مؤسسيٌّ يحمي قيم الثورة من التآكل والضياع. وقبل ذلك كله، يكمن الأساس في بناء الفرد الواعي، فهو نواة كل شيء، وهو محور كل عمل ونشاط، وهو وحده الغاية دون سواه، وأي بناء لا يقوم على أساس متين، فهو معرض للانهيار اليوم أو غداً، إنّ التركيز على الإنسان أولاً، وتمليكه الوعي والمعرفة، هو الضمان الحقيقي لولادة مؤسسات وطنية لا تنحرف عن دورها الخدمي.
إنّ بناء الوطن الممكن يبدأ حين يدرك السودانيون أن الاختلاف لا يُلغي الانتماء، وأن التنوع ليس تهديدًا بل ثراء. وحين نحتفي بما يميزنا بدلاً من أن نخاف منه، سنكتشف أن وحدتنا الحقيقية لا تقوم على التشابه، بل على الاعتراف بالاختلاف والتنوع واحترامه والاحتفاء به.

التحدي الأخير: هل نحن نعرف ما نريد؟
بعد أن أدركنا أن المجتمع الدولي يعرف ما يريده اليوم، كما يعرف ما يريده غدا، وسيعمل لتحقيق هدف اليوم: الاستقرار الإقليمي ولو بالبندقية، يظل السؤال معلقاً وموجهاً لنا جميعاً:
هل نحن السودانيون نعرف ما نريد؟ وهل نملك الصرامة والتجرد، بوعيٍ بعيدٍ عن أوهام الفصائل والأحزاب، للعمل على تحقيق ذلك؟ أم سنكتفي بما يصنعه المجتمع الدولي فينا، ونقبل بالاستقرار المفروض؟
إن الإجابة على هذا التحدي هي أول خطوةٍ نحو بناء دولة المؤسسات التي نحلم بها، وهي دعوةٌ مفتوحةٌ لكل سودانيٍ وسودانيةٍ للانخراط في حوارٍ وطنيٍ صادقٍ يتجاوز الأيديولوجيا نحو المصلحة العليا. فالوطن لا يُبنى بالاتهام، بل بالاعتراف، ولا ينهض بالشعارات، بل بالوعي المشترك والمسؤولية الجماعية.

عن عبده الحاج

عبده الحاج

شاهد أيضاً

من تسييس المؤسسات إلى دولة المؤسسات

عبده الحاج – 17 أكتوبر الأغر 2025سلسلة مقالات قصيرة حول بناء الدولة السودانية الحديثة على …