باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 16 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

من تعدد الوساطات إلى وحدة المسار: مقارنة نقدية لمبادرات إنهاء الحرب في السودان

اخر تحديث: 16 أكتوبر, 2026 7:30 مساءً
شارك

من تعدد الوساطات إلى وحدة المسار: مقارنة نقدية لمبادرات إنهاء الحرب في السودان، من جدة والمنامة إلى جنيف والرباعية والخماسية، وخريطة عملية لوقف القتال واستعادة الحكم المدني

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

تتناول الدراسة بالتحليل المقارن مبادرات الوساطة والتفاوض التي استهدفت وقف الحرب في السودان منذ اندلاعها في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وتبحث في أهداف هذه المبادرات وآلياتها وأطرافها ونتائجها وأسباب تعثرها، مع اهتمام خاص بمفاوضات جدة، وجهود الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، ومحادثات المنامة السرية في يناير 2024، ومفاوضات جنيف في أغسطس 2024، والمبادرات الدولية اللاحقة، بما فيها مسارات الرباعية والخماسية والجهود الدبلوماسية التي شهدتها الفترة حتى عام 2026. وتنطلق الدراسة من أن تعدد المبادرات لا يعني بالضرورة تعدد فرص السلام، لأن غياب التنسيق بينها، وتضارب مصالح الدول الراعية، والتنافس على النفوذ الإقليمي، والانقسامات داخل المعسكرات السياسية والعسكرية السودانية، كلها عوامل قد تحول كثرة الوساطات إلى مصدر إضافي للتعطيل بدل أن تكون وسيلة لتقريب الأطراف.

وتوضح الدراسة أن الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية بين قيادتين، بل أزمة دولة عميقة ترتبط باختلال العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية، وتراكم آثار نظام الإنقاذ، وتمكين الشبكات السياسية والاقتصادية المرتبطة به، وانتشار التشكيلات المسلحة، وتعدد مراكز القوة والموارد، وغياب الإصلاح المؤسسي الشامل بعد سقوط نظام عمر البشير. كما أن النزاع يتداخل مع صراعات السيطرة على المدن والموارد والطرق التجارية والحدود، ومع مصالح إقليمية ودولية متعارضة، بينما يتحمل المدنيون العبء الأكبر من القتل والنزوح والجوع وتدمير البنية التحتية وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية. ولذلك، فإن أي تسوية تقتصر على تقاسم السلطة بين القيادات العسكرية أو توزيع المناصب بين القوى المسلحة لا تعالج جذور الحرب، وقد تؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة في صورة اتفاق مؤقت يهيئ لاندلاع قتال جديد.

وتعرض الدراسة منهجية مقارنة تجمع بين تتبع التسلسل الزمني للمبادرات، وتحليل نصوص الاتفاقات والبيانات الرسمية، وفحص مواقف الأطراف، ومقارنة النتائج المعلنة بالتنفيذ الفعلي. وتفرق بين ما ثبت بوثائق أو بيانات منشورة، وما ورد في تقارير صحفية استناداً إلى مصادر مجهولة، وما يمثل ادعاءات صادرة عن أطراف النزاع أو تفسيرات سياسية لم تُتحقق بصورة مستقلة. ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة عند تناول المفاوضات السرية، لأن غياب النصوص الأصلية أو محاضر الاجتماعات أو تأكيدات جميع المشاركين يجعل من غير المنهجي التعامل مع الروايات المتعارضة باعتبارها حقائق نهائية. كما تعتمد الدراسة مقاربة متعددة المستويات تميز بين وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات، والترتيبات الأمنية، والتسوية السياسية، وإعادة بناء الدولة، باعتبارها مسارات مترابطة لكنها ليست متطابقة، ولا يمكن اختزالها في اتفاق واحد أو اجتماع تفاوضي منفرد.

وتبين الدراسة أن محادثات جدة التي بدأت في مايو 2023 شكلت أول مسار تفاوضي بارز برعاية سعودية أمريكية. وركزت على وقف القتال، وتيسير المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني. ووقّع الطرفان في 11 مايو إعلان الالتزام بحماية المدنيين، ثم اتفاق الترتيبات الإنسانية ووقف إطلاق النار قصير الأجل في 20 مايو، وأُعلنت لاحقاً ترتيبات لتمديد الهدنة. وقد وفرت هذه الخطوات أساساً مكتوباً يمكن البناء عليه، لكنها لم تتحول إلى وقف مستدام للأعمال القتالية، إذ استمرت الانتهاكات والاشتباكات، وتعذر ضمان التنفيذ والتحقق المستقل من الالتزامات. وتخلص الدراسة إلى أن جدة حققت تقدماً في صياغة التعهدات الإنسانية وإبقاء الاتصال بين الطرفين ممكناً، لكنها أخفقت في تحويل التعهدات إلى نظام فعال للامتثال والمساءلة، كما لم تتمكن وحدها من معالجة جذور الصراع أو بناء مسار سياسي شامل يضمن مشاركة المدنيين.

وتناقش الدراسة جهود الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية والاتحاد الأفريقي، موضحة أن الإطار الأفريقي والإقليمي يمتلك ميزة القرب الجغرافي والسياسي، وفهماً لتداخل النزاع السوداني مع الأمن الإقليمي وحركة اللاجئين والحدود والتجارة، فضلاً عن قدرته المحتملة على توفير شرعية أفريقية للتسوية. غير أن هذه المزايا اصطدمت بتضارب المواقف بين الدول، والخلاف على قيادة الوساطة، وضعف التنسيق مع المسار السعودي الأمريكي، واعتراض السلطات السودانية على بعض المبادرات أو على مشاركة أطراف بعينها. كما أن الانقسامات داخل المؤسسات الإقليمية وتفاوت قدراتها التنفيذية حدّا من قدرتها على فرض جدول زمني موحد أو ضمان تنفيذ القرارات. وتؤكد الدراسة أن نجاح الوساطة الأفريقية لا يتوقف على شرعيتها الجغرافية وحدها، بل يحتاج إلى موقف إقليمي منسق، وآليات عملية للتحقق من وقف النار، وارتباط واضح بين المسار الأمني والعملية السياسية المدنية.

وتتناول الدراسة قرار مجلس الأمن رقم 2724 الصادر في 8 مارس 2024، الذي دعا إلى وقف فوري للأعمال القتالية خلال شهر رمضان، والقرار رقم 2736 الصادر في 13 يونيو 2024، الذي طالب قوات الدعم السريع بوقف حصار الفاشر وحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات. وتوضح أن قرارات مجلس الأمن وفرت إطاراً دولياً لتأكيد الالتزامات القانونية والسياسية، لكنها لم تكن كافية بذاتها لإنهاء الحرب، بسبب محدودية أدوات التنفيذ، وتباين مواقف القوى الدولية، وعدم وجود آلية ميدانية قادرة على مراقبة الامتثال بصورة مستمرة وفرض تبعات عملية على المخالفين. وتخلص الدراسة إلى أن القيمة الفعلية للقرارات الدولية تعتمد على ترجمتها إلى ترتيبات مراقبة ومساءلة وضغط دبلوماسي واقتصادي متناسق، لا على صدور النصوص وحده.

وتفرد الدراسة اهتماماً خاصاً لمحادثات المنامة السرية التي عُقدت في البحرين خلال يناير 2024، لأنها تمثل مثالاً واضحاً على الفارق بين التفاوض الفعلي في الكواليس، والإعلان الرسمي عن مسارات السلام، والتنافس على رواية ما جرى داخل الاجتماعات. ووفق تقارير صحفية، عقد ممثلون رفيعو المستوى عن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ثلاثة اجتماعات، في أول اتصال من هذا المستوى بين الطرفين منذ أشهر. ومثّل القوات المسلحة نائب قائدها شمس الدين كباشي، بينما ارتبط تمثيل قوات الدعم السريع بعبد الرحيم دقلو، ووردت تقارير عن مشاركة أو مساهمة مسؤولين من مصر والإمارات والولايات المتحدة والسعودية في التيسير أو الاتصالات المحيطة بالمحادثات. وأشارت روايات صحفية مبكرة إلى توافق مبدئي على إعلان مبادئ يتعلق بوحدة السودان ووحدة المؤسسة العسكرية، مع التوجه إلى استئناف البحث في وقف إطلاق النار، لكن المتابعة لم تتحول إلى اتفاق معلن قابل للتحقق والتنفيذ.

وتوضح الدراسة أن الروايات بشأن نتائج المنامة ظلت متضاربة. فقد نفت السلطات السودانية في فبراير 2024 أن تكون هناك مفاوضات بديلة عن مسار جدة، وأكدت أن جدة هي الإطار المعتمد لديها، في حين تحدثت تقارير صحفية عن اجتماعات سرية جرت بالفعل. وفي يونيو 2024، اتهم قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو التيار الإسلامي بالتسبب في انهيار التفاهمات، مدعياً أن الجيش انسحب تحت ضغط سياسي. وفي يونيو 2026، قدم عبد الرحيم دقلو رواية أكثر تفصيلاً، قال فيها إن المحادثات أسفرت عن وثيقة من 22 نقطة بعنوان «مبادئ وأسس الحل الشامل للأزمة السودانية»، وإنها تضمنت إنشاء جيش وطني يستوعب قوات الدعم السريع، والقبض على أشخاص مطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، وتفكيك الشبكة الإسلامية. غير أن هذه التفاصيل تظل منسوبة إلى رواية طرف في النزاع، ولم يتوفر في الأدلة المنشورة التي تناولتها الدراسة نص مستقل موثق للوثيقة المزعومة أو تأكيد مشترك من الطرفين يسمح باعتبار جميع بنودها ونتائجها حقائق محسومة.

وتخلص الدراسة إلى ضرورة التمييز بين ثلاثة مستويات في تقييم المنامة: انعقاد اجتماعات سرية رفيعة المستوى تدعمه تقارير صحفية متعددة؛ ووجود تفاهم مبدئي بشأن بعض المبادئ، وهو ما ورد في روايات المشاركين والمصادر الصحفية؛ ووجود اتفاق شامل نهائي من 22 نقطة، وهو ادعاء لاحق لم يتوافر بشأنه توثيق مستقل كافٍ. ولا يجوز دمج هذه المستويات في رواية واحدة جازمة. ومع ذلك، فإن أهمية المنامة لا تتوقف على حسم جميع تفاصيلها، لأنها تكشف أن الاتصال المباشر بين القيادتين كان ممكناً، وأن قنوات الوساطة المتعددة كانت متداخلة، وأن الاتفاقات المحتملة ظلت عرضة لتأثير مراكز القوة داخل المعسكرات العسكرية والسياسية، فضلاً عن التنافس الإقليمي. كما تكشف أن السرية قد تساعد على فتح قنوات الاتصال في المراحل الأولى، لكنها تتحول إلى مصدر ضعف عندما تغيب الشفافية بشأن الالتزامات، ولا توجد آلية مستقلة للتحقق، ولا تتوافر ضمانات تمنع التراجع عن التفاهمات.

وتفصل الدراسة بين محادثات المنامة السرية في يناير 2024 والاتصالات البحرينية اللاحقة في عام 2026. فقد شهد مايو 2026 لقاءً علنياً بين قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان وملك البحرين، تناول بحسب التقارير قضايا الاستقرار الإقليمي ووقف إطلاق النار والمساعدات الإنسانية. وفي الوقت نفسه، نفى البرهان تقارير عن مشاورات بحرينية تتعلق بمفاوضات بين السودان والإمارات، وأكد موقفه الرافض لاستمرار قوات الدعم السريع. ولا يشكل اللقاء العلني اللاحق دليلاً على استئناف المفاوضات السرية بين الجيش والدعم السريع أو على تحقق نتائج المنامة القديمة. ومن ثم، تحذر الدراسة من الخلط بين الاجتماعات المختلفة لمجرد ارتباطها بالمكان نفسه أو بأطراف إقليمية متداخلة.

وتتناول الدراسة مفاوضات جنيف في أغسطس 2024 بوصفها محاولة لإعادة تنشيط الجهود الدولية بعد تعثر جدة، مع تركيز أكبر على وقف القتال وإتاحة المساعدات الإنسانية وإنشاء آليات للمتابعة والتحقق. ودعت الولايات المتحدة الطرفين إلى محادثات تبدأ في 14 أغسطس، بمشاركة أو دعم من الاتحاد الأفريقي ومصر والإمارات والأمم المتحدة، وبرعاية مشتركة سعودية. وقد أوضحت واشنطن أن الهدف الأساسي هو التوصل إلى وقف للأعمال القتالية وتحسين الوصول الإنساني، وليس حسم جميع القضايا السياسية المتعلقة بمستقبل الحكم. لكن عدم مشاركة القوات المسلحة السودانية في المفاوضات بالصورة التي كان المنظمون يأملونها، إلى جانب تعقيدات تمثيل الطرفين وتباين المواقف، حدّ من فرص التوصل إلى اتفاق شامل. وتستخلص الدراسة أن تغيير المكان أو أسماء الرعاة لا يكفي لتجاوز إخفاقات المسارات السابقة ما لم تُعالج الخلافات المتعلقة بالتمثيل والضمانات والترتيبات الميدانية والرقابة والتنفيذ.

وتناقش الدراسة الانتقال إلى المبادرات الدولية متعددة الأطراف، بما فيها مسار الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والإمارات ومصر والسعودية، والجهود اللاحقة التي شاركت فيها مؤسسات إقليمية ودولية ضمن إطار خماسي أو تنسيقي أوسع. وقد سعت هذه المسارات إلى توحيد الضغط الدبلوماسي، وبلورة تصور مشترك لوقف الحرب، وإعادة تأكيد مركزية حماية المدنيين والمساعدات الإنسانية والانتقال إلى حكم مدني. غير أن اختلاف مصالح الدول الراعية ظل عائقاً أساسياً، ولا سيما عندما تتباين تصوراتها بشأن دور القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، وشكل المؤسسة العسكرية بعد الحرب، وترتيبات الانتقال السياسي، وعلاقات السودان الإقليمية. وقد أظهرت الخلافات التي برزت في المؤتمرات الدولية، ومنها مؤتمر لندن في أبريل 2025، أن اجتماع الأطراف الخارجية لا يضمن تلقائياً صدور موقف موحد، وأن الدول التي تملك النفوذ على أطراف النزاع قد تكون في الوقت نفسه جزءاً من التنافس الذي يعطل التسوية.

وتعرض الدراسة التطورات اللاحقة حتى عام 2026، بما فيها مؤتمر برلين في أبريل، والمشاورات الأفريقية والدولية التي تناولت تنسيق الجهود، والبيانات المشتركة التي أكدت وقف الأعمال القتالية، وحماية المدنيين، وتسهيل المساعدات، وضرورة وجود عملية سياسية مدنية. كما تناقش المقترحات الأمريكية لوقف إنساني ممتد، والخلاف بشأن انسحاب قوات الدعم السريع من المدن والمناطق التي تسيطر عليها، باعتباره مثالاً على أن تحديد مضمون الهدنة وتسلسل تنفيذها يمثلان من أكثر المسائل حساسية. فالطرفان قد يقبلان مبدأ وقف النار، لكنهما يختلفان حول المواقع التي ينبغي الانسحاب منها، والجهة التي تراقب الانسحاب، ومصير القوات والأسلحة، والضمانات التي تمنع استغلال الهدنة لإعادة الانتشار أو التحضير لجولة قتال جديدة. وتؤكد الدراسة أن أي مقترح لوقف الحرب يجب أن يحدد بدقة خطوط الانتشار، وتوقيت الانسحاب، ومناطق التجميع، والقيود المفروضة على التعزيزات، وآليات الرصد، والتعامل مع الخروقات، وإمكانية الوصول إلى المواقع المتضررة، مع تجنب صياغة التزامات عامة لا يمكن التحقق منها.

وتوضح المقارنة بين المسارات أن جدة تميزت بقدرتها على جمع الطرفين وصياغة تعهدات إنسانية، لكنها افتقرت إلى ضمانات تنفيذ كافية؛ وأن المنامة أتاحت قناة سرية مباشرة، لكنها بقيت محاطة بالغموض والتضارب في الروايات ولم تتحول إلى اتفاق معلن قابل للمساءلة؛ وأن جنيف سعت إلى إعادة بناء الجهد الدولي، لكنها واجهت مشكلة مشاركة الأطراف والتوافق على نطاق المفاوضات؛ وأن المسارات الأفريقية والدولية الأوسع امتلكت إمكانات أكبر للتنسيق والضغط، لكنها تأثرت بتضارب مصالح الدول وتنافسها. كما تكشف المقارنة أن الوساطة التي تركز على القيادات العسكرية قد تتمكن من فتح قنوات اتصال، لكنها لا تضمن وحدها قبول المجتمع السوداني بالنتائج، ولا تعالج احتياجات الناجين والنازحين واللاجئين والمجتمعات المحلية، ولا تؤسس بالضرورة لانتقال ديمقراطي مستدام.

وتحدد الدراسة الأسباب الرئيسية لتعثر المبادرات في استمرار انعدام الثقة بين الطرفين، ومحاولة كل طرف تحسين موقعه العسكري قبل التفاوض أو أثناءه، وغياب الرقابة المستقلة القادرة على رصد الخروقات، وضعف العقوبات أو الضمانات المترتبة على عدم الامتثال، وتضارب مصالح الوسطاء، وغياب آلية موحدة لإدارة المسارات المختلفة. ويضاف إلى ذلك أن قضايا مثل مستقبل قوات الدعم السريع، وإصلاح القوات المسلحة، ودمج التشكيلات المسلحة أو تسريحها، والمساءلة عن الجرائم، ومصير الشبكات الاقتصادية والسياسية المرتبطة بالحرب، ظلت نقاط خلاف جوهرية لا يمكن تجاوزها بمجرد إعلان هدنة. كما أن إقصاء القوى المدنية أو حصر مشاركتها في مشاورات شكلية يضعف شرعية الاتفاقات، بينما قد يؤدي منح الأطراف المسلحة حصصاً سياسية ثابتة إلى مكافأة استخدام القوة وإدامة عسكرة الدولة.

وتشدد الدراسة على أن المدنيين ليسوا مجرد متلقين لنتائج المفاوضات، بل يجب أن يكونوا شركاء في تحديد أهداف التسوية وضماناتها. ويشمل ذلك القوى السياسية المدنية، ولجان المقاومة، وغرف الطوارئ، والنقابات المهنية، والنساء والشباب، والنازحين واللاجئين، والمجتمعات المحلية والإدارات الأهلية، وممثلي المناطق المتضررة، مع حماية استقلال هذه الجهات عن الأطراف المسلحة. كما ينبغي ألا تقتصر المشاركة على القوى الأكثر قدرة على الوصول إلى العواصم أو المؤتمرات، بل يجب إنشاء آليات تشاور آمنة ومنظمة تتيح سماع المجتمعات التي تحملت كلفة الحرب. وتؤكد الدراسة أن شرعية العملية السياسية تعتمد على شمولها، وشفافيتها، وقدرتها على تحويل المطالب العامة إلى التزامات محددة قابلة للقياس والمراجعة.

وتقترح الدراسة إطاراً موحداً يجمع بين المسارات الدبلوماسية القائمة بدلاً من إنشاء مبادرة جديدة منفصلة تزيد من تشتت الجهود. ويقوم هذا الإطار على تنسيق الرباعية مع الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية والأمم المتحدة، والاستفادة من قنوات الاتصال السرية عند الضرورة، مع إخضاع نتائجها لإجراءات توثيق وضمانات واضحة. ويتطلب ذلك أمانة فنية مشتركة تتولى توحيد النصوص والمواعيد والمعلومات، ومنع صدور التزامات متعارضة، وإعداد تقارير دورية عن التنفيذ. كما يتطلب توزيعاً واضحاً للأدوار بين الوساطة السياسية، والتفاوض العسكري والأمني، والتنسيق الإنساني، ومراقبة وقف إطلاق النار، والتحضير للانتقال المدني، على أن ترتبط هذه المسارات ضمن خطة واحدة وأهداف متدرجة.

وتقترح الدراسة أن تبدأ الخطة بمرحلة عاجلة مدتها سبعة أيام لتثبيت الالتزام بوقف الأعمال العدائية، وتحديد نقاط الاتصال، وحماية المستشفيات ومرافق المياه والكهرباء وممرات الإغاثة، ووقف الهجمات على المدنيين والمنشآت الإنسانية، وإعداد خريطة أولية لمناطق الانتشار. وتليها مرحلة تمتد إلى ثلاثين يوماً لتثبيت الترتيبات الإنسانية، وتحديد آليات التحقق، وإنشاء خطوط اتصال للطوارئ، وتوثيق الانتهاكات، وضمان وصول المساعدات دون عوائق. وفي غضون ستين يوماً، ينبغي التفاوض على ترتيبات أمنية أكثر تفصيلاً تشمل الانسحاب من المواقع المدنية، ومنع إعادة الانتشار الهجومي، وتنظيم مناطق التجميع والمراقبة، والاتفاق على إجراءات التعامل مع الخروقات. أما خلال تسعين يوماً، فينبغي إطلاق عملية سياسية مدنية أوسع تحدد مبادئ الانتقال، وإصلاح القطاع الأمني، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، واستعادة مؤسسات الدولة، والبدء في خطة تعافٍ وإعمار. ولا تعني هذه المدد ضمان تحقق النتائج تلقائياً، بل تمثل جدولاً معيارياً يتطلب مؤشرات واضحة وآلية مراجعة عند الإخفاق.

وتحدد الدراسة مؤشرات قابلة للقياس لتقييم التنفيذ، منها انخفاض عدد الهجمات والخسائر المدنية، واستمرار فتح الممرات الإنسانية، وزيادة عدد المناطق التي تصل إليها المساعدات، وحماية العاملين الصحيين والإغاثيين، وتراجع الاعتداءات على المستشفيات والأسواق ومرافق المياه، والالتزام بخطوط الانتشار المتفق عليها، ونشر تقارير التحقق في مواعيد محددة. وتشمل المؤشرات السياسية مدى مشاركة القوى المدنية والمجتمعات المتضررة، وشفافية اختيار ممثليها، ووجود جدول زمني للانتقال، ومدى استقلال المؤسسات المدنية عن القيادات المسلحة. أما المؤشرات الأمنية فتشمل الاتفاق على قيادة مدنية للقطاع الأمني مستقبلاً، ووضع ترتيبات موثقة للتسريح وإعادة الدمج، ومنع إنشاء تشكيلات موازية أو جيوش حزبية، وضمان خضوع القوات المسلحة والشرطة والأجهزة الاستخبارية للقانون والرقابة المدنية.

وتؤكد الدراسة أن وقف إطلاق النار ينبغي أن يقترن بالمساءلة عن الانتهاكات، لا أن يتحول إلى ذريعة لتجميد العدالة أو منح حصانة شاملة. ويجب أن تتضمن التسوية مساراً للتحقيق في الجرائم الخطيرة، وحماية الشهود والضحايا، وصون الأدلة، والتعاون مع المؤسسات القضائية المختصة، ومعالجة قضايا المفقودين والاحتجاز التعسفي والعنف الجنسي والنهب والتدمير. كما ينبغي الفصل بين ترتيبات وقف الحرب وبين التسويات السياسية التي تمنح الأطراف المتحاربة حصصاً دائمة في السلطة. فالسلام المستدام لا يعني فقط توقف إطلاق النار، وإنما يتطلب تقليص قدرة الجماعات المسلحة على استخدام العنف لتحقيق المكاسب السياسية والاقتصادية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس المهنية والمساءلة وسيادة القانون.

وتربط الدراسة بين التسوية السياسية وإعادة بناء الاقتصاد والخدمات العامة، إذ إن استمرار انهيار النظام الصحي والتعليم وشبكات المياه والكهرباء والأسواق وسبل العيش قد يعيد إنتاج أسباب العنف حتى إذا تراجعت العمليات العسكرية. وتدعو إلى وضع خطة تدريجية لإعادة الإعمار تستند إلى تقدير مستقل للأضرار والاحتياجات، وتعطي الأولوية للمناطق الأكثر تضرراً، وإعادة الخدمات الأساسية، ودعم عودة النازحين واللاجئين بصورة طوعية وآمنة وكريمة، وحماية حقوق السكن والأرض والملكية، وإشراك المجتمعات المحلية في تحديد الأولويات. كما تقتضي الخطة شفافية تمويل الإعمار، ومنع استحواذ الشبكات المسلحة أو السياسية على العقود والموارد، وربط الدعم الدولي بمؤشرات معلنة للحوكمة والرقابة وعدم التمييز.

وتخلص الدراسة إلى أن فشل المبادرات المتعاقبة لا يرجع إلى نقص البيانات أو غياب الدعوات إلى السلام فحسب، بل إلى عدم تحويل الالتزامات إلى منظومة تنفيذ موحدة، وإلى استمرار تضارب مصالح الوسطاء، وضعف مشاركة المدنيين، وغياب ضمانات مستقلة للامتثال، وبقاء جذور الأزمة المؤسسية والأمنية والسياسية دون معالجة. وتكشف محادثات المنامة بوجه خاص أن التفاهمات السرية قد تفتح نافذة للتفاوض، لكنها لا تكفي وحدها لإنتاج سلام مستدام، وأن الادعاءات بشأن نتائجها يجب أن تخضع للتحقق من النصوص الأصلية وشهادات الأطراف المستقلة، لا أن تُقبل باعتبارها حقائق نهائية لمجرد تكرارها في التصريحات السياسية.

وتؤكد الدراسة أن المسار الأكثر واقعية هو توحيد المبادرات القائمة ضمن عملية متدرجة تجمع بين وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات، والمراقبة المستقلة، والترتيبات الأمنية، والمشاركة المدنية، والعدالة الانتقالية، وإعادة بناء الدولة. ويجب أن تقوم هذه العملية على مبدأ أن وقف الحرب لا يساوي اقتسام السلطة بين المتحاربين، وأن إصلاح المؤسسة العسكرية لا يمكن أن يتحقق دون إخضاعها لسلطة مدنية دستورية، وأن التسوية لا تكون شرعية إذا استبعدت المجتمع الذي يدفع ثمن الحرب. كما ينبغي أن تكون التزامات الوسطاء أنفسهم واضحة، وأن تخضع مواقفهم للتقييم وفق مدى اتساقها مع حماية المدنيين ووحدة السودان واستقلال قراره، لا وفق البيانات الدبلوماسية وحدها. وبذلك يصبح معيار النجاح ليس عدد المؤتمرات أو الاتفاقات المعلنة، وإنما القدرة على وقف القتال فعلياً، وحماية السكان، وتيسير عودة الحياة والخدمات، ومنع تجدد الحرب، وإقامة دولة مدنية ديمقراطية موحدة تستند إلى سيادة القانون والمساءلة والمواطنة المتساوية.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية: لماذا لم يتحول تعدد الوساطات إلى سلام؟

منذ اندلاع الحرب السودانية في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي، توالت المبادرات الإقليمية والدولية الرامية إلى وقف القتال، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية، وتهيئة الطريق نحو تسوية سياسية تنهي الحرب وتعيد السودان إلى الحكم المدني. وشملت هذه المساعي مفاوضات جدة التي رعتها المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، وتحركات الهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا، والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، والمحادثات السرية في المنامة، ومسار جنيف، والمشاورات المصرية، والمؤتمرات الدولية، ثم التحركات التي قادتها الرباعية الدولية والخماسية المعنية بالسودان. ومع ذلك، لم ينجح هذا التعدد في إنتاج تسوية مستدامة تنهي الحرب، بل استمرت المعارك وتوسعت جغرافيًا، وتفاقمت الانتهاكات، وتعطلت مؤسسات الدولة، وتعمقت الأزمة الإنسانية، بينما أصبحت المبادرات نفسها جزءًا من التنافس الإقليمي والدولي على مستقبل السودان.

ولا يمكن تفسير هذا الإخفاق بمجرد القول إن الوسطاء لم يبذلوا جهودًا كافية، أو إن طرفي الحرب رفضا السلام بصورة مطلقة؛ فالمشكلة أكثر تركيبًا، وتشمل التناقض بين الأهداف المعلنة والحوافز الفعلية، وتعدد مراكز القرار داخل الأطراف المسلحة، وغياب آليات تنفيذ موثوقة، وتضارب مصالح الدول المنخرطة في الوساطة، وضعف مشاركة المدنيين السودانيين، والتباعد بين الاتفاق على وقف إطلاق النار والاتفاق على مستقبل الدولة والجيش والسلطة والعدالة الانتقالية. كما أن بعض المبادرات تعاملت مع الحرب باعتبارها نزاعًا عسكريًا بين قيادتين يمكن تسويته بتفاهمات مباشرة، في حين أنها ترتبط أيضًا بانهيار الانتقال السياسي، وتاريخ عسكرة الاقتصاد، وتعدد التشكيلات المسلحة، وتراكم المظالم الإقليمية، وضعف المؤسسات المدنية، والتنافس على الموارد وشبكات النفوذ.

وتزداد أهمية هذا التحليل لأن التفاوض لا يجري في فراغ؛ فكل تقدم عسكري يعيد تشكيل حسابات التفاوض، وكل تغيير في الدعم الخارجي يغير تقدير الأطراف لكلفة استمرار الحرب، وكل اتفاق لا يعالج مصادر القوة المسلحة المستقلة قد يتحول إلى هدنة مؤقتة تسمح بإعادة التسلح والاستعداد لجولة جديدة. وبالمقابل، فإن اشتراط تسوية سياسية شاملة قبل وقف إطلاق النار قد يطيل المعاناة، لأن المدنيين لا يستطيعون انتظار التوافق على الدستور والجيش وشكل الدولة حتى يحصلوا على الغذاء والدواء والأمن. لذلك ينبغي الفصل بين وقف القتال العاجل، والترتيبات الأمنية والإنسانية، والتسوية السياسية، وإصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية، والعدالة الانتقالية، مع ربط هذه المسارات ضمن إطار موحد يمنع استخدامها لتقويض بعضها بعضًا.

يعتمد هذا المقال منهجًا مقارنًا تاريخيًا ومؤسسيًا، يجمع بين تتبع تطور المبادرات، وتحليل الأطراف والوسطاء ومصالحهم، ومقارنة مخرجات التفاوض المعلنة بما أمكن التحقق منه، والتمييز بين الاتفاقات الموقعة والتفاهمات الأولية والتصريحات السياسية والتسريبات الصحفية. وقد رُتبت المادة في تسلسل يبدأ بجذور الحرب ومشكلة التفاوض، ثم ينتقل إلى جدة والمنامة وجنيف والجهود الأفريقية والإقليمية والدولية، قبل تحليل أوجه التشابه والاختلاف وأسباب التعثر، وصولًا إلى إطار تنفيذي قابل للقياس. ويستند هذا الترتيب إلى منطق التحليل العلمي الذي ينتقل من تعريف المشكلة وسياقها، إلى وصف التدخلات، ثم المقارنة السببية، فاختبار الأدلة، وأخيرًا استخلاص توصيات قابلة للتنفيذ. ولا يعني ذلك أن كل ادعاء متداول عن المفاوضات السرية حقيقة ثابتة؛ إذ يجب التمييز بين ما تؤيده مصادر مستقلة، وما يرويه طرف من أطراف الحرب، وما لا يزال غير متاح للتحقق المستقل.

وتتمثل الفرضية المركزية في أن السودان لا يحتاج إلى مزيد من المبادرات المتنافسة بقدر حاجته إلى بنية تفاوضية واحدة متعددة المسارات، تتفق على الحد الأدنى من الالتزامات الإنسانية والعسكرية، وتمنع أي طرف من تحويل التفاوض إلى أداة لكسب الوقت، وتضمن مشاركة مدنية حقيقية، وتربط الحوافز والضغوط الخارجية بمؤشرات تنفيذ يمكن التحقق منها. ولا يُقصد بوحدة المسار احتكار دولة واحدة للوساطة أو إقصاء المبادرات القائمة، بل تنسيقها داخل إطار مشترك يحافظ على مزايا كل منها، ويحد من تضاربها، ويمنع استخدام المنابر المتعددة لانتقاء الالتزامات أو التنصل منها.

الفصل الأول: الحرب بوصفها أزمة دولة، لا مجرد صراع بين قائدين

اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023 بعد تصاعد الخلافات بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع حول ترتيبات السلطة والأمن، ولا سيما مستقبل دمج الدعم السريع في الجيش، وتسلسل القيادة، والجدول الزمني للإصلاح العسكري، وموقع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في الانتقال السياسي. غير أن تفسير الحرب من خلال الخلاف حول الدمج وحده يظل ناقصًا؛ إذ سبقه انهيار الشراكة الانتقالية، وانقلاب 25 أكتوبر 2021، وتراجع الثقة بين القوى المدنية والعسكرية، ووجود تشكيلين مسلحين كبيرين يمتلك كل منهما قيادة ومصادر تمويل وشبكات ولاء مستقلة. وكانت هذه البنية قد جعلت الدولة عاجزة عن احتكار استخدام القوة بصورة موحدة، وأضعفت إمكان إخضاع المؤسسة العسكرية والأمنية لسلطة مدنية منتخبة.

لا يمكن فصل الحرب عن تاريخ بناء قوات الدعم السريع وتطورها من تشكيلات مرتبطة بالنزاع في دارفور إلى قوة وطنية ذات نفوذ عسكري واقتصادي وسياسي. كما لا يمكن تجاهل دور الجيش والأجهزة الأمنية والشبكات الاقتصادية المرتبطة بالنظام السابق، أو التنافس بين القوى المدنية على ترتيبات الانتقال. وقد أدت هذه التراكمات إلى إنشاء مراكز قوة متنافسة داخل الدولة وخارجها، بحيث لم يعد الاتفاق بين قائدين كافيًا بالضرورة لضمان امتثال كل الوحدات والتشكيلات المتحالفة معهما.

وتبرز هنا إحدى المعضلات الأساسية للوساطة: فالقائد الذي يوقع الاتفاق لا يملك دائمًا السيطرة الكاملة على جميع المقاتلين والحلفاء والشبكات المسلحة والاقتصادية التي تعتمد على استمرار الحرب. وحتى عندما يمتلك سلطة إصدار الأوامر، فقد تتعارض مصلحة بعض القادة الميدانيين أو الوسطاء الاقتصاديين أو حلفاء الحرب مع تنفيذ الاتفاق. ولهذا ينبغي ألا تكتفي أي تسوية بتوقيع البرهان وحميدتي أو ممثليهما، بل تحتاج إلى تحديد سلسلة القيادة، والجهات التي تتحمل المسؤولية عن الانتهاكات، والوحدات التي ستلتزم بوقف النار، والآليات التي ستتعامل مع حالات التمرد على الأوامر أو استمرار التمويل والتجنيد.

تقدم أدبيات تسوية النزاعات المسلحة مفهوم «مشكلة الالتزام الموثوق»؛ إذ قد يخشى كل طرف أن يؤدي التنازل العسكري اليوم إلى تعرضه للهزيمة أو المحاسبة غدًا، ولذلك يرفض الالتزام باتفاق لا يضمن له الحد الأدنى من الأمن السياسي أو الشخصي. لكن الاعتراف بهذه المخاوف لا يعني منح القيادات المسلحة حصانة دائمة، ولا تحويل امتلاك السلاح إلى حق في الحكم. بل يعني تصميم ترتيبات انتقالية تجمع بين ضمانات أمنية محددة ومؤقتة، وآليات مستقلة للرقابة، ومسار واضح للمساءلة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة تحت سلطة مدنية. ويؤكد تحليل مجموعة الأزمات الدولية أن فرص وقف الحرب تتأثر بترابط العوامل العسكرية والإقليمية والسياسية، وبحاجة أي تسوية إلى معالجة دوافع استمرار القتال لا مظاهره وحدها (International Crisis Group, 2023).

ويترتب على ذلك أن التفاوض السوداني يحتاج إلى التمييز بين ثلاثة مستويات. الأول هو المستوى العملياتي، الذي يتناول وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات من المناطق المدنية، وتأمين الممرات الإنسانية، وتبادل المعلومات عن المحتجزين والمفقودين. والثاني هو المستوى الأمني المؤسسي، الذي يتناول إصلاح القطاع الأمني، وتوحيد القيادة، وتسريح المقاتلين وإعادة دمج المؤهلين، وإخضاع القوات والأجهزة للرقابة المدنية. والثالث هو المستوى السياسي، الذي يتناول شكل الانتقال، وشرعية المؤسسات، والمشاركة المدنية، والعلاقة بين المركز والأقاليم، والعدالة الانتقالية. والخلط بين هذه المستويات يؤدي إلى تحميل اتفاق وقف النار قضايا لا يستطيع حلها وحده، أو إلى استخدام المفاوضات السياسية لتأجيل التدابير الإنسانية العاجلة.

كما أن الحياد في الوساطة لا يعني المساواة الأخلاقية أو القانونية بين جميع الأفعال، ولا يمنع توثيق الانتهاكات أو المطالبة بالمحاسبة. بل يعني أن يكون الوسيط قادرًا على التواصل مع الأطراف ذات الصلة، وأن يطبق معايير التنفيذ والتحقق بصورة متسقة، مع احترام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. ويجب أن تبقى حماية المدنيين التزامًا مستقلًا لا يتوقف على الاتفاق السياسي، لأن قواعد حماية المدنيين لا تصبح نافذة فقط عندما يتوافق عليها المتحاربون.

الفصل الثاني: جدة بين الإنجاز المعياري وفجوة التنفيذ

مثلت مفاوضات جدة، التي رعتها السعودية والولايات المتحدة، أول مسار تفاوضي بارز جمع القوات المسلحة وقوات الدعم السريع بعد اندلاع الحرب. وبدأت المباحثات في مايو 2023، وأفضت إلى إعلان الالتزام بحماية المدنيين في السودان في 11 مايو، ثم إلى اتفاق بشأن وقف إطلاق نار قصير الأجل وترتيبات إنسانية في 20 مايو 2023. وأعلنت الولايات المتحدة والسعودية تمديد الهدنة في 29 مايو، لكن الاتفاقات اللاحقة لم تمنع استمرار القتال أو تحول الالتزامات المعلنة إلى حماية فعالة للمدنيين (U.S. Department of State, 2023; U.S. Department of State and Ministry of Foreign Affairs of Saudi Arabia, 2023).

تمثلت القيمة الأساسية لمسار جدة في إنشاء مرجعية مكتوبة بشأن حماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات، وفتح المجال أمام وقف مؤقت للأعمال القتالية. كما أن جمع الطرفين في منصة واحدة أتاح اختبار مواقفهما، وتحديد بعض الالتزامات القابلة للتفاوض، وبناء أساس يمكن استئناف العمل عليه لاحقًا. غير أن القيمة القانونية والسياسية للوثيقة لم تتحول إلى نتائج ميدانية متناسبة معها، لأن الالتزام النصي لم يصاحبه نظام قوي للتحقق المستقل، ولا عقوبات محددة ومتصاعدة على المخالفات، ولا قدرة كافية على مراقبة جميع الجبهات والمناطق الحضرية، فضلًا عن صعوبة ضمان امتثال الوحدات المسلحة المتعددة.

وتظهر التجربة أن إعلان وقف النار لا يساوي وقفًا فعليًا للقتال. فالاتفاق يحتاج إلى تعريف دقيق لما يعد خرقًا، وتحديد خطوط السيطرة، وآلية للإبلاغ والتحقق، وإجراءات لفض النزاع حول الوقائع، وتدابير لحماية المبلغين والشهود، وتحديد عواقب الخرق المتكرر. ومن دون ذلك، يستطيع كل طرف أن ينسب الهجمات إلى الطرف الآخر، أو أن يصف تحركاته بأنها دفاعية، أو أن يبرر استمرار العمليات العسكرية باعتبارها ردًا على انتهاكات سابقة. وعندما لا يستطيع الوسطاء حسم الوقائع بصورة مستقلة، تصبح الروايات المتعارضة جزءًا من الحرب الإعلامية بدلًا من أن يكون الاتفاق أداة لتقييدها.

كما أن الهدن القصيرة قد تمنح فرصة لإيصال المساعدات، لكنها قد تمنح الأطراف أيضًا وقتًا لإعادة الانتشار والتزود بالسلاح إذا لم تقترن بترتيبات واضحة. ولذلك لا ينبغي قياس نجاح الهدنة بعدد الأيام التي أُعلن عنها، بل بنسبة الالتزام بها، وحجم المساعدات التي وصلت بالفعل، وعدد الهجمات التي توقفت، ومدى تحسن وصول المدنيين إلى الخدمات الأساسية، وعدد حالات الاعتداء على العاملين في الإغاثة والمنشآت الصحية التي أمكن منعها أو التحقيق فيها.

ومن المهم كذلك أن اتفاق جدة لم يكن تسوية سياسية شاملة؛ إذ ركز على الالتزامات الإنسانية والعسكرية المباشرة، ولم يكن مصممًا لحسم قضايا الحكم المدني، وإصلاح الجيش، وتوزيع السلطة، والعدالة الانتقالية. وهذا التحديد في نطاق الاتفاق ليس عيبًا في ذاته، لأن التفاوض الإنساني لا ينبغي أن ينتظر حل كل الخلافات السياسية، لكنه يصبح مشكلة عندما لا يوجد مسار سياسي موازٍ متفق عليه، أو عندما تتعامل الأطراف مع الهدنة بوصفها بديلًا عن التسوية الشاملة.

وأظهرت التطورات اللاحقة أن العودة إلى جدة لا يمكن أن تعني إعادة إنتاج النصوص نفسها من دون تعديل آليات التنفيذ. فالمطلوب هو تحويل الالتزامات إلى بروتوكولات ميدانية محددة، وتعيين مسؤوليات واضحة، وإقرار تقارير دورية مستقلة، وربط الدعم الدبلوماسي والاقتصادي بمدى الامتثال. كما ينبغي الحفاظ على ما راكمه المسار من خبرة واتصالات مباشرة، بدلًا من إنشاء منصة جديدة تتجاهل ما سبقها. ويُظهر تقييم معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط أن إخفاق جدة لم يكن دليلًا على استحالة الوساطة، لكنه كشف حدود الاتفاقات التي لا تترافق مع آليات تنفيذ وتحقق وضمانات سياسية متماسكة (Tahrir Institute for Middle East Policy, 2024).

الفصل الثالث: المنامة السرية في يناير 2024 — اختراق تفاوضي أم تفاهم لم يصمد أمام موازين القوة؟

تحتل المحادثات السرية في المنامة، عاصمة البحرين، موقعًا مهمًا في تاريخ الوساطة السودانية، لأنها كشفت أن الاتصال المباشر بين القيادات العسكرية ظل ممكنًا حتى عندما كانت الخطابات العلنية تؤكد رفض التفاوض أو التمسك بالحسم العسكري. لكنها تكشف أيضًا الفجوة بين إمكان التوصل إلى تفاهمات أولية وبين قدرة الأطراف على اعتمادها رسميًا وتنفيذها. ولأن جانبًا كبيرًا من المعلومات المتاحة عنها استند إلى مصادر مجهلة وتصريحات لاحقة من أطراف الحرب، فإن التعامل العلمي معها يقتضي الفصل بين وقوع الاجتماعات، ومضمون ما نوقش فيها، وما قيل إنه اتُّفق عليه، وما يمكن إثباته من نتائج عملية.

في 31 يناير 2024، نشرت رويترز تقريرًا أفاد بأن قيادات رفيعة من الجيش وقوات الدعم السريع اجتمعت ثلاث مرات خلال يناير في البحرين، في أول اتصال مباشر من هذا المستوى بين الطرفين منذ اندلاع الحرب قبل نحو تسعة أشهر. ووفقًا للمصادر التي نقلت عنها الوكالة، شارك في الاجتماعات مسؤولون من مصر والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة والسعودية، ومثل القوات المسلحة نائب قائدها الفريق شمس الدين كباشي، فيما مثل قوات الدعم السريع الفريق عبد الرحيم حمدان دقلو، شقيق حميدتي ونائبه. وأكدت التغطية أن الاجتماعات لم تُعلن رسميًا في حينها، وأن المشاركين سعوا إلى استكشاف إمكان التوصل إلى تفاهمات بشأن إنهاء الحرب واستئناف المسار التفاوضي (Reuters, 2024; International Center for Transitional Justice, 2024).

وتنبع أهمية هذه الاجتماعات من طبيعة التمثيل؛ إذ لم تكن مجرد اتصالات دبلوماسية عامة بين مسؤولين مدنيين أو مبعوثين، بل ضمت شخصيات قيادية قريبة من مركز القرار العسكري لدى الطرفين. وقد وفر ذلك فرصة لاختبار إمكانات التفاهم على مستوى أعلى من المستوى الذي بلغته بعض جولات جدة. كما أن حضور مصر والإمارات والسعودية والولايات المتحدة أتاح، نظريًا، جمع دول تمتلك قنوات اتصال ونفوذًا مختلفًا لدى الطرفين. لكن هذه الميزة نفسها حملت تناقضًا بنيويًا؛ فالدول المشاركة لم تكن متطابقة في رؤيتها لمستقبل السودان، ولا في علاقاتها بالقوتين المتحاربتين، ولذلك لم يكن مجرد وجودها حول طاولة واحدة كافيًا لضمان توافقها على الضمانات المطلوبة.

ووفقًا لتقرير نشرته «مدى مصر» في 2 فبراير 2024، انعقدت الاجتماعات في منتصف يناير ونهايته، وركزت، بحسب مصادر عسكرية ودبلوماسية تحدثت بشرط عدم الكشف عن هويتها، على إمكان استئناف محادثات جدة وتنفيذ الالتزامات الواردة في إعلان 11 مايو 2023. وذكرت المصادر أن قوات الدعم السريع طرحت شروطًا، من بينها إعادة حميدتي إلى منصبه السابق نائبًا لرئيس مجلس السيادة الانتقالي، والإفراج عن أصوله أو رفع القيود عنها. وأفادت المصادر نفسها بأن البرهان رفض نتائج الاجتماعات، مع بقاء احتمال استمرار الاتصالات غير المباشرة قائمًا. وهذه التفاصيل تمثل رواية صحفية مستندة إلى مصادر مطلعة، وليست محضرًا رسميًا منشورًا أو اتفاقًا نهائيًا موقعًا ومعلنًا من الطرفين؛ لذلك لا يصح تقديم كل ما ورد فيها بوصفه حقيقة مستقلة مؤكدة (Alnaser et al., 2024).

وأشارت تقارير أخرى إلى أن الطرفين توصلا مبدئيًا إلى إعلان مبادئ يتضمن الحفاظ على وحدة السودان ووحدة المؤسسة العسكرية، وأن جولة متابعة كانت مقررة لمناقشة وقف إطلاق النار لكنها تأجلت. غير أن التغطية المتاحة لم تنشر في يناير 2024 نصًا كاملًا موثقًا لذلك الإعلان، ولم تثبت أن وثيقة نهائية ملزمة دخلت حيز التنفيذ. وعليه، فإن التوصيف الأدق هو أن المنامة شهدت محادثات رفيعة المستوى وتفاهمات أولية محتملة، وليس أنها أفضت بصورة مؤكدة إلى اتفاق سلام مكتمل أو وقف نار نافذ (Reuters, 2024; Tahrir Institute for Middle East Policy, 2024).

ماذا قيل عن نتائج المنامة، وما الذي يمكن إثباته؟

تتطلب الإجابة عن هذا السؤال التمييز بين ثلاث طبقات من المعلومات. الطبقة الأولى هي المعلومات التي دعمتها تقارير مستقلة متزامنة مع الاجتماعات: انعقاد لقاءات متكررة في يناير 2024، ومشاركة كباشي وعبد الرحيم دقلو، وحضور ممثلين عن دول إقليمية ودولية، ومناقشة إمكان استئناف مسار جدة والتوصل إلى تفاهمات بشأن المبادئ العامة. والطبقة الثانية هي المعلومات التي وردت في تقارير صحفية اعتمادًا على مصادر مجهلة، ومنها تفاصيل بعض المطالب المتعلقة بالمناصب والأصول، والقول إن البرهان رفض نتائج الاجتماعات. والطبقة الثالثة هي الروايات التي ظهرت لاحقًا على لسان قيادات قوات الدعم السريع، والتي قدمت المحادثات باعتبارها قد أنتجت اتفاقًا أوسع ثم جرى تعطيله بسبب تدخل الحركة الإسلامية أو الشبكات المتحالفة معها داخل المؤسسة العسكرية. ولا يجوز دمج هذه الطبقات الثلاث في رواية واحدة مؤكدة، لأن درجة الإثبات تختلف بينها.

في 17 يونيو 2024، قال حميدتي إن الحركة الإسلامية عرقلت اتفاقًا للسلام تم التوصل إليه في المنامة، وإن ممثل الجيش انسحب من المسار تحت ضغط الإسلاميين. وأشارت التغطية إلى أن كباشي وعبد الرحيم دقلو كانا ممثلَي الطرفين، وأن الاجتماعات جرت بمشاركة ميسرين إقليميين ودوليين. لكن هذه الرواية جاءت في خطاب صادر عن قائد أحد طرفي الحرب، أي إنها دليل على موقفه السياسي وتفسيره لفشل المفاوضات، وليست وحدها إثباتًا مستقلًا لمسؤولية جهة بعينها عن انهيارها. ويجب التحقق منها عبر وثائق التفاوض، وشهادات متعددة مستقلة، وأي مراسلات أو محاضر متاحة، قبل الجزم بأن الضغط الإسلامي كان السبب الوحيد أو الحاسم (Sudan Tribune, 2024).

وفي 1 يونيو 2026، نشرت «سودان تريبيون» تقريرًا عن تصريحات عبد الرحيم دقلو، اتهم فيها الحركة الإسلامية بتخريب محادثات المنامة عبر الضغط على كباشي للتراجع عن تفاهمات قال إن الطرفين توصلا إليها في يناير 2024. ووفقًا لروايته، تضمنت الوثيقة التي وصفها بأنها «مبادئ وأسس الحل الشامل للأزمة السودانية» اثنتين وعشرين نقطة، منها تشكيل جيش وطني يستوعب قوات الدعم السريع، والقبض على أشخاص مطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، وتفكيك الشبكة الإسلامية. وأضاف التقرير أن دقلو قال إن الوثيقة وقعها هو وكباشي. إلا أن النص الكامل للوثيقة لم يُنشر في المادة الصحفية بما يسمح بمراجعة بنودها بندًا بندًا، ولم تتوافر في المصادر المستقلة التي أمكن التحقق منها أدلة كافية لإثبات صحة جميع التفاصيل أو توقيع النسخة النهائية بصيغتها الموصوفة. لذلك يجب عرض هذه المعلومات باعتبارها ادعاءات منسوبة إلى عبد الرحيم دقلو، لا باعتبارها نص اتفاق منشورًا ومتحققًا منه بصورة مستقلة (Sudan Tribune, 2026).

وتكمن أهمية رواية عام 2026 في أنها أعادت فتح النقاش حول مضمون المنامة، لكنها لا تلغي ضرورة الحذر المنهجي. فحتى إذا صحت بعض تفاصيل الوثيقة المزعومة، فإن التوقيع الأولي على مبادئ لا يعني بالضرورة التوصل إلى اتفاق تفصيلي بشأن وقف إطلاق النار أو الانسحاب أو القيادة العسكرية أو العدالة. كما أن إدراج موضوعات كبيرة مثل إعادة بناء الجيش وتفكيك الشبكات السياسية والعسكرية لا يثبت وجود خطة تنفيذية متفق عليها، ما لم تتوافر تفاصيل عن التسلسل الزمني، والجهة المسؤولة عن التنفيذ، وآلية الرقابة، والتعامل مع الخلافات، والجزاءات عند الإخلال.

ومن الضروري أيضًا عدم الخلط بين مفاوضات المنامة السرية في يناير 2024 وبين التقارير التي ظهرت في مايو 2026 بشأن تحركات بحرينية لتقريب المواقف بين السودان والإمارات. ففي 13 مايو 2026، زار البرهان البحرين والتقى ملكها حمد بن عيسى آل خليفة، وأفادت وكالة أنباء البحرين بأن المباحثات تناولت التطورات الإقليمية والدولية وجهود التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار وتسهيل المساعدات الإنسانية. وفي 21 مايو، نفت رئاسة مجلس السيادة تصريحات نُسبت إلى البرهان بشأن محادثات محتملة مع الإمارات، بينما نفى البرهان في 29 مايو صحة تقرير تحدث عن مشاورات في البحرين، مؤكدًا أنه لم تجرِ، بحسب قوله، تلك المشاورات الموصوفة. وبذلك لا يجوز اعتبار هذه التحركات امتدادًا مؤكدًا لمفاوضات يناير 2024، ولا القول إنها أفضت إلى اتفاق معلن بين الخرطوم وأبوظبي؛ فالمتاح هو زيارة رسمية ومحادثات معلنة عن السلام، إلى جانب تقارير عن وساطة إقليمية قابلتها نفيّات سودانية (Sudan Tribune, 2026).

لماذا تعثرت المنامة رغم وجود قنوات اتصال رفيعة المستوى؟

يمكن تفسير تعثر المنامة من خلال مجموعة عوامل متداخلة. أولها أن المحادثات كانت سرية وغير مصحوبة بإطار علني واضح يحدد تفويض الوسطاء ونطاق الاتفاق المقترح وعلاقته بمسار جدة. وقد ساعدت السرية على توفير مساحة للتواصل بعيدًا عن ضغوط الخطاب العام، لكنها أضعفت في الوقت نفسه إمكان بناء ثقة مدنية واسعة أو مساءلة الأطراف عن نتائج التفاوض. فالسرية قد تكون مفيدة في استكشاف التسويات، لكنها تصبح مشكلة عندما تتحول إلى بديل عن الشفافية بشأن الالتزامات النهائية، أو عندما يُستخدم غياب الوثائق لتقديم روايات متعارضة بعد انهيار المسار.

وثانيها أن التفاوض جرى في ظل فجوة بين الخطاب العلني والسلوك التفاوضي. فقد كان بإمكان القيادة العسكرية إعلان رفض التفاوض أو التمسك بالحسم، بينما تسمح الاتصالات السرية باختبار خيارات التسوية. وهذه ليست ظاهرة استثنائية في مفاوضات الحروب؛ فالأطراف قد تتحدث إلى خصومها سرًا بينما تستمر في العمليات العسكرية. لكن هذا النمط يصبح خطيرًا عندما لا توجد قواعد تمنع استخدام الهدنة المحتملة لإعادة التموضع أو عندما لا يكون الطرفان مستعدين لتحمل الكلفة السياسية الداخلية لتقديم تنازلات معلنة.

وثالثها تضارب المصالح داخل الأطراف نفسها. فحتى إذا وافق ممثل عسكري على مبادئ أولية، فقد لا تكون القيادة السياسية أو العسكرية الأوسع مستعدة لاعتمادها، أو قد تعارضها شبكات مرتبطة بمصالح اقتصادية وأمنية وسياسية. ومن هنا تبرز أهمية التحقق من التفويض الحقيقي للمفاوضين: هل يملكون صلاحية التوقيع؟ وهل تخضع الوحدات الميدانية لأوامرهم؟ وهل وافقت القيادات العليا على المبادئ قبل طرحها؟ وهل توجد آلية للتصديق الداخلي تمنع التراجع بعد انتهاء الاجتماعات؟ إن عدم وضوح الإجابة عن هذه الأسئلة يجعل الاتفاقات الأولية عرضة للانهيار.

ورابعها التباعد بين قضايا وقف الحرب وقضايا إعادة توزيع السلطة. فالمطالب المتعلقة بالمناصب السيادية أو الأصول أو مستقبل القيادات قد تكون جزءًا من مساومة سياسية، لكنها لا تعالج وحدها مسألة حماية المدنيين أو الانسحاب من الأحياء أو إعادة توحيد القوات. وإذا لم تُفصل التسوية الإنسانية عن ترتيبات السلطة، فقد يصبح وقف النار رهينة للتفاوض على مناصب القيادة، وهو ما يطيل الحرب ويحول المدنيين إلى رهائن للتنافس على الحكم.

وخامسها غياب مشاركة مدنية سودانية منظمة داخل المسار نفسه. فالمفاوضات المباشرة بين القوتين المسلحتين قد تكون ضرورية لإنهاء القتال، لكنها لا تمنحهما وحدهما حق تقرير شكل الدولة أو مستقبل الانتقال السياسي. وإذا توصل الطرفان إلى تفاهمات بشأن الجيش أو السلطة دون مشاركة القوى المدنية والضحايا والنساء والشباب وممثلي الأقاليم، فإن الاتفاق قد يوقف بعض المعارك لكنه يفتقر إلى الشرعية الاجتماعية والسياسية اللازمة للاستمرار.

ومع ذلك، لا ينبغي اختزال المنامة في الفشل وحده. فقد أظهرت أن قنوات الاتصال المباشر كانت ممكنة، وأن وجود ممثلين ذوي وزن داخل القيادتين قد يفتح مجالًا للتفاهم، وأن الدول التي تمتلك نفوذًا مختلفًا تستطيع، من حيث المبدأ، جمع الأطراف حول مبادئ مشتركة. وهذه دروس مهمة لأي مسار لاحق، شريطة ألا يتكرر الاعتماد على تفاهمات غير موثقة أو غياب آليات التحقق. فالدرس الأساسي ليس إلغاء المحادثات السرية، بل دمجها في عملية تفاوضية واضحة التفويض، متدرجة المراحل، وتخضع نتائجها لمعايير تنفيذ مستقلة.

الفصل الرابع: الهيئة الحكومية للتنمية والاتحاد الأفريقي — شرعية إقليمية لا تكفي وحدها

حاولت الهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا، المعروفة اختصارًا باسم «إيغاد»، أن تؤدي دورًا في وقف الحرب منذ الأشهر الأولى للنزاع. وطرحت لقاءات مباشرة بين البرهان وحميدتي، إلى جانب مقترحات لوقف إطلاق النار وإطلاق عملية سياسية. غير أن الخلافات حول مكان الاجتماعات، وترتيبات المشاركة، ودور بعض الدول الأعضاء، وتصور الحكومة السودانية لشرعية المسار، أضعفت قدرة الهيئة على فرض إطار موحد. وفي يناير 2024، أعلنت السلطات السودانية تعليق مشاركتها أو انسحابها من مسار الهيئة، ما زاد صعوبة تنسيق جهودها مع جدة وغيرها من المنابر.

وتملك إيغاد ميزة جغرافية وسياسية مهمة، لأن الحرب السودانية تؤثر مباشرة في دول الجوار، ولأن النزوح والحدود والتجارة والأمن الإقليمي تجعل إنهاءها مصلحة مباشرة للدول المحيطة. كما أن العلاقات التاريخية بين قادة المنطقة والقيادات السودانية يمكن أن تسهل الاتصال والتفاوض. لكن هذه المزايا لا تضمن الحياد أو القدرة على التنفيذ، خصوصًا عندما تختلف الدول الأعضاء في تقييم أطراف الحرب أو في مصالحها الأمنية والاقتصادية.

أما الاتحاد الأفريقي، فيملك شرعية قارية وقدرة على ربط التسوية السودانية بمبادئ الحكم الدستوري ورفض التغييرات غير الدستورية للسلطة. لكنه واجه تحديات في توحيد المواقف، وفي تحويل القرارات السياسية إلى أدوات تنفيذية، وفي التنسيق مع الأمم المتحدة والوسطاء الآخرين. وتحتاج فعالية الاتحاد إلى تفويض واضح، وموارد فنية، وآلية اتصال منتظمة مع القوى المدنية، وتنسيق عملي مع الدول التي تستطيع التأثير في الإمداد العسكري والتمويل.

ويجب ألا يكون التنافس بين إيغاد والاتحاد الأفريقي والسعودية والولايات المتحدة سببًا لتعدد المسارات المنفصلة. فالأفضل أن يقود الاتحاد الأفريقي، بالتنسيق مع الأمم المتحدة، إطارًا سياسيًا إقليميًا يحظى بقبول واسع، بينما تواصل جدة دورها في الملفات الإنسانية والعسكرية المباشرة، وتُستخدم قنوات الدول ذات النفوذ لتأمين الالتزام، لا لإنشاء اتفاقات متنافسة. ويستدعي ذلك تحديد العلاقة بين الوساطة السياسية والوساطة الأمنية والجهود الإنسانية، مع الاتفاق على وثيقة مرجعية مشتركة تمنع تضارب النصوص والمواعيد والتعهدات.

الفصل الخامس: جنيف — توسيع دائرة الوساطة مع استمرار مشكلة المشاركة والتنفيذ

في 23 يوليو 2024، أعلنت الولايات المتحدة دعوتها القوات المسلحة وقوات الدعم السريع إلى محادثات لوقف إطلاق النار تستضيفها سويسرا، بالتعاون مع السعودية، على أن يشارك الاتحاد الأفريقي ومصر والإمارات والأمم المتحدة بصفة مراقبين. وكان الهدف المعلن التوصل إلى وقف شامل للعنف، وتحسين وصول المساعدات الإنسانية، وإنشاء آلية قوية للمراقبة والتحقق من تنفيذ أي اتفاق. وأكد الإعلان أن المحادثات ليست مخصصة لحسم القضايا السياسية الأوسع، وأن مستقبل الحكم يجب أن يعود إلى المدنيين وأن يكون لهم الدور القيادي في تحديد العملية السياسية (U.S. Department of State, 2024).

حاول مسار جنيف الاستفادة من الدروس المستخلصة من جدة، وتوسيع المشاركة الدولية، وإعطاء المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين أولوية واضحة. كما أتاح موقع سويسرا بيئة دبلوماسية مناسبة، بينما وفر وجود الولايات المتحدة والسعودية والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة ومصر والإمارات مجموعة متنوعة من قنوات الاتصال. لكن توسيع عدد المشاركين لا يؤدي تلقائيًا إلى زيادة فرص النجاح؛ فقد يزيد أيضًا عدد نقاط الخلاف، ويجعل تحديد المسؤولية عن تنفيذ الاتفاق أكثر تعقيدًا إذا لم يكن لكل مشارك دور محدد.

وواجه المسار مشكلة مشاركة القوات المسلحة السودانية؛ إذ لم تشارك وفدًا تفاوضيًا في جنيف بالطريقة التي كان المنظمون يأملونها، بينما شاركت قوات الدعم السريع في المحادثات المرتبطة بالمسار. وهذا الاختلال قلل من فرص التوصل إلى اتفاق مباشر شامل بين الطرفين، وإن لم يمنع استمرار المشاورات الإنسانية والدبلوماسية. وفي 19 يوليو 2024، أعلن مكتب الأمم المتحدة أن المبعوث الشخصي للأمين العام إلى السودان، رمطان لعمامرة، عمل على مشاورات واتصالات تهدف إلى تقريب المواقف، وهو ما يعكس أن الوساطة لم تكن محصورة في جلسة واحدة أو مكان واحد، بل اعتمدت أيضًا على اتصالات متوازية (United Nations, 2024).

وتوضح تجربة جنيف أن الدعوة إلى التفاوض لا تكفي؛ إذ ينبغي تحديد شروط المشاركة مسبقًا، والتعامل مع غياب أحد الطرفين من دون منح الطرف الآخر تفويضًا مفتوحًا لتقرير النتائج، والحفاظ في الوقت نفسه على استمرار العمل الإنساني. كما يجب ألا تُستخدم المقاطعة لإلغاء التزامات قائمة بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا ينبغي أن يؤدي غياب طرف إلى تعطيل كل جهود إيصال المساعدات أو حماية المدنيين.

وإذا أُعيد تفعيل مسار مشابه، فينبغي تقسيمه إلى مسارين متكاملين: الأول فني وعسكري، يضم ممثلين مفوضين من الطرفين، ويبحث وقف النار والانسحاب والرقابة؛ والثاني سياسي مدني، لا يمنح القوتين المسلحتين حق الانفراد بتقرير مستقبل البلاد. ويمكن أن تعمل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والسعودية وسويسرا على تسهيل الاتصال، فيما تتولى مجموعة مراقبة مستقلة التحقق من التنفيذ، ويشارك المدنيون في تحديد أولويات المرحلة الانتقالية، لا بوصفهم مراقبين رمزيين بل أطرافًا مؤثرة في صياغة التسوية السياسية.

الفصل السادس: الرباعية والخماسية والمؤتمرات الدولية — هل تستطيع الضغوط الخارجية توحيد المسار؟

أعلنت الولايات المتحدة والإمارات ومصر والسعودية في 12 سبتمبر 2025 بيانًا مشتركًا بشأن استعادة السلام والأمن في السودان، في إطار ما عُرف بالرباعية. وتكمن أهمية هذا الترتيب في جمع دول تمتلك نفوذًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا متفاوتًا لدى طرفي الحرب، فضلًا عن قدرتها على التأثير في البيئة الإقليمية المحيطة. غير أن وجود الدول الأربع في إطار واحد لا يعني بالضرورة تطابق مواقفها؛ فقد ظهرت اختلافات في رؤيتها لمستقبل السلطة، وترتيبات الجيش، ودور القوى المدنية، والمسؤولية عن استمرار الحرب.

وقد أظهرت المؤتمرات الدولية، ومنها مؤتمر لندن في أبريل 2025، أن الاتفاق على ضرورة إنهاء الحرب لا يكفي لإنتاج موقف سياسي موحد. فقد تعثرت المحاولات الرامية إلى إصدار بيان ختامي متوافق عليه بسبب خلافات بين أطراف إقليمية بشأن توصيف النزاع ومستقبل الحكم في السودان. وتؤكد هذه التجربة أن التنافس بين الدول قد يعطل الوساطة حتى عندما تتفق جميعها على أن استمرار الحرب يهدد الاستقرار الإقليمي ويعمق الكارثة الإنسانية (Reuters, 2025).

أما المسار الخماسي، الذي جمع أطرافًا دولية وإقليمية معنية بالسودان، فقد وفر إطارًا للمشاورات حول كيفية تنسيق المبادرات ودعم حل سياسي. لكن فعاليته تظل مرتبطة بوضوح التفويض، ووجود خطة مشتركة، وقدرة المشاركين على توحيد رسائلهم تجاه الأطراف المسلحة، وعدم تحويل الخلافات بشأن الشرعية أو ترتيب الانتقال إلى سبب لتعطيل وقف النار.

وفي عام 2026، شهدت الجهود الدولية سلسلة من التحركات، منها مؤتمر برلين بشأن السودان في 15 أبريل، ومشاورات الخماسي مع أطراف مدنية وسياسية سودانية في أديس أبابا خلال 3–5 يونيو، واجتماعات المبعوثين والجهات المعنية في إطار إيغاد، ثم بيانات الخماسي في أغسطس، واجتماع مشترك للرباعية والخماسية في 23 سبتمبر. وتعكس هذه التحركات استمرار الاهتمام الدولي بمحاولة تنسيق المبادرات، لكنها لا ينبغي أن تُفسر باعتبارها اتفاقًا نهائيًا لوقف الحرب ما لم تقترن بنصوص تنفيذية معلنة والتزامات متبادلة وآليات تحقق مستقلة. كما أن البيانات الدبلوماسية، مهما بلغت أهميتها، لا تثبت وحدها أن الأطراف المتحاربة وافقت على شروطها أو بدأت تنفيذها.

ومن الضروري التعامل بحذر مع تفاصيل بعض المقترحات المنسوبة إلى هذه المسارات، بما في ذلك المبادرات التي تحدثت عن هدنة إنسانية لمدة تسعين يومًا، أو انسحاب قوات من المدن، أو ترتيبات لإيصال المساعدات عبر خطوط القتال والحدود. فالمقترح الذي يطرحه وسيط ليس اتفاقًا، والاتفاق الذي يعلنه طرف واحد ليس بالضرورة تفاهمًا مشتركًا، والتفاهم المشترك لا يصبح تنفيذًا ما لم تؤكده الوقائع الميدانية. لذلك يجب أن يحدد أي تقرير أو تقييم ما إذا كانت المعلومة مستمدة من بيان رسمي، أو وثيقة تفاوض، أو تصريح من طرف، أو تقرير صحفي يستند إلى مصادر مجهلة.

وتكمن الميزة المحتملة للرباعية والخماسية في القدرة على ربط الوساطة بالحوافز والضغوط. فالوساطة التي تقتصر على تقديم المقترحات قد تظل بلا تأثير إذا لم تتغير حسابات الأطراف، بينما تستطيع الدول المعنية استخدام العلاقات الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي والقيود المالية وتطبيق العقوبات المستهدفة وفق القانون لتغيير كلفة استمرار الانتهاكات أو تعطيل الاتفاق. لكن ذلك يتطلب معايير معلنة، وأدلة قابلة للتحقق، وضمانات تمنع استخدام العقوبات أداة للضغط السياسي الانتقائي، فضلًا عن تجنب التدابير التي تزيد معاناة المدنيين أو تعرقل وصول الغذاء والدواء.

الفصل السابع: مقارنة المبادرات — ما الذي تشترك فيه، وأين تختلف، ولماذا أخفقت؟

تشترك مبادرات جدة والمنامة وجنيف وإيغاد والاتحاد الأفريقي والرباعية والخماسية في هدف معلن يتمثل في وقف الحرب أو تخفيف آثارها وتهيئة الطريق إلى تسوية. كما أنها جميعًا أدركت، بدرجات متفاوتة، ضرورة التواصل مع القيادات العسكرية، والحاجة إلى ترتيبات إنسانية، وأهمية وجود دول أو مؤسسات تمتلك نفوذًا على الأطراف. لكنها اختلفت في نطاق التفويض، وطبيعة المشاركين، ودرجة العلنية، ومكانة المدنيين، وآليات التنفيذ، ومدى ارتباطها بمسار سياسي شامل.

فقد تميزت جدة بوجود اتفاقات مكتوبة بشأن حماية المدنيين والهدن القصيرة، لكنها عانت من ضعف التنفيذ والتحقق. وتميزت المنامة بالاتصال المباشر رفيع المستوى والسرية، لكنها لم تنتج، وفق الوثائق العامة المتاحة، اتفاقًا نهائيًا معلنًا يمكن فحصه بصورة مستقلة، كما تظل تفاصيل بعض نتائجها موضع روايات متعارضة. أما جنيف فركزت على وقف النار والمساعدات والرقابة، لكنها واجهت مشكلة مشاركة القوات المسلحة على النحو المطلوب. وسعت إيغاد إلى توظيف القرب الجغرافي والشرعية الإقليمية، إلا أن الخلافات السياسية والاعتراضات السودانية حدّت من فعاليتها. بينما أتاحت الرباعية والخماسية إمكانية تنسيق النفوذ الدولي، لكنهما واجهتا اختلافات بين الدول بشأن مستقبل الحكم وترتيبات القوة.

ولا يصح ترتيب هذه المبادرات على أساس عدد الاجتماعات أو البيانات أو الدول المشاركة. فالمعيار الحقيقي هو مقدار ما حققته على الأرض: هل توقفت الهجمات؟ هل أمكن الوصول إلى المناطق المحاصرة؟ هل انخفضت الانتهاكات؟ هل سُمح بمرور المساعدات؟ هل وُجدت آلية للتحقق؟ هل استطاعت الوساطة منع إعادة التموضع العسكري أثناء الهدنة؟ وهل أسهمت العملية في فتح الطريق نحو حكم مدني، أم اكتفت بإدارة التنافس بين القيادات المسلحة؟

وتفسر مشكلة «تعدد المنابر» جانبًا من التعثر؛ إذ يمكن للأطراف اختيار المنبر الذي يقدم شروطًا أكثر ملاءمة لها، أو استخدام المشاركة في مسار للضغط على مسار آخر، أو التراجع عن التزامات سابقة بحجة أن اتفاقًا جديدًا سيحل محلها. وقد يفضي تعدد الوسطاء إلى تنافس على المكانة الدبلوماسية، بدلًا من تقاسم الأدوار. لذلك لا يكمن الحل في إلغاء كل المسارات باستثناء مسار واحد، بل في وضع قواعد تمنع التناقض بينها: مرجعية مشتركة، وتعريف موحد للالتزامات، وتقسيم للعمل، وآلية لتبادل المعلومات، وتنسيق واضح بشأن الحوافز والضغوط.

كما أن تعدد المنابر لا يفسر وحده الفشل؛ إذ لا يمكن لأي وسيط أن يفرض السلام إذا كان الطرفان يعتقدان أن استمرار الحرب يحقق مكاسب أكبر من التسوية. ولذلك يجب أن يتضمن التحليل تقييمًا لموازين القوة، ومصادر التمويل والإمداد، وقدرة كل طرف على التجنيد والتعبئة، ومصالح الفاعلين الخارجيين. فالتسوية تصبح أكثر احتمالًا عندما تتغير حسابات الأطراف بحيث يصبح استمرار الحرب أعلى كلفة من التفاوض، لكن هذا التغيير ينبغي أن يتم بوسائل دبلوماسية وقانونية تقلل الضرر على المدنيين، لا بتوسيع الحرب أو تعميق الانهيار الإنساني.

الفصل الثامن: الدروس المستفادة من التجارب الدولية — من الاتفاق النصي إلى التنفيذ القابل للتحقق

تؤكد الخبرات المقارنة في تسوية النزاعات أن الاتفاقات التي لا تتضمن آليات مراقبة واضحة، أو التي لا تحدد المسؤوليات بدقة، تكون أكثر عرضة للانهيار. ولا يعني ذلك أن كل نزاع يتطلب النموذج نفسه؛ فالسودان يمتلك خصائص تاريخية وإقليمية وعسكرية مختلفة، لكن بعض المبادئ قابلة للتطبيق: الفصل بين وقف النار والتسوية السياسية، وتحديد خطوط السيطرة، وتوثيق الخروقات، وإشراك المجتمعات المتضررة، وربط الدعم الخارجي بالتنفيذ، وعدم منح القيادات المسلحة حقًا دائمًا في السلطة.

ويجب أن تتجاوز آلية المراقبة مجرد إصدار بيانات عن وقوع الخروقات. فالمطلوب نظام يجمع المعلومات من مصادر متعددة، بما في ذلك فرق ميدانية مستقلة، وشهادات المدنيين، والتقارير الطبية، وصور الأقمار الصناعية عند توافرها، وسجلات حركة المساعدات، والبلاغات التي تقدمها الأطراف. ثم ينبغي التحقق من المعلومات وفق بروتوكول موحد، مع التمييز بين الحوادث المؤكدة والادعاءات التي لم يتسن التحقق منها. كما يجب نشر تقارير دورية بلغة واضحة، مع حماية الشهود ومصادر المعلومات الحساسة.

ويحتاج أي اتفاق إلى آلية تدريجية للتعامل مع الانتهاكات، تبدأ بالتحقق السريع وطلب وقف الفعل المخالف، ثم التشاور مع القيادة المسؤولة، ثم فرض إجراءات تصحيحية محددة، وصولًا إلى تدابير دبلوماسية أو مالية مستهدفة إذا استمر الخرق. ويجب أن يكون تطبيق هذه الإجراءات متسقًا على الطرفين، وألا يقتصر على الانتهاكات التي يسهل توثيقها أو التي يرتكبها الطرف الأقل نفوذًا سياسيًا. كما ينبغي الفصل بين المسؤولية عن خرق اتفاق وقف النار والمسؤولية الجنائية الفردية عن الجرائم الدولية، لأن لكل منهما معايير وإجراءات مختلفة.

ومن الدروس المهمة كذلك ضرورة إشراك المدنيين في مراحل العملية كافة، وليس فقط في مؤتمر سياسي يعقد بعد الاتفاق العسكري. فالمجتمعات المحلية تمتلك معلومات عن أنماط العنف والاحتياجات الإنسانية ومسارات النزوح وعودة السكان، كما أن قبولها للاتفاق عامل أساسي في استدامته. ويمكن إنشاء آلية مدنية استشارية تمثل النساء والشباب والنازحين واللاجئين والمهنيين والنقابات ولجان المقاومة وغرف الطوارئ والإدارات الأهلية وممثلي الأقاليم، مع ضمان ألا تتحول هذه المشاركة إلى محاصصة حزبية أو تمثيل شكلي.

وتتطلب الاستدامة أيضًا معالجة اقتصاد الحرب. فلا يكفي وقف إطلاق النار إذا بقيت شبكات التمويل والتجارة غير المشروعة والجبايات المسلحة والموارد التي تمول القتال دون رقابة. لكن معالجة هذا الاقتصاد لا ينبغي أن تتم من خلال عقوبات جماعية أو إجراءات تعطل سبل عيش المدنيين، بل عبر تحقيقات مالية قانونية، ورقابة على مصادر التمويل العسكري، وملاحقة الأفراد والكيانات التي تثبت صلتها بالانتهاكات أو تمويل الحرب، مع توفير استثناءات إنسانية واضحة.

الفصل التاسع: خريطة توافق عملية للسودان — من الهدنة الإنسانية إلى الانتقال المدني

يتطلب تحويل الدروس السابقة إلى خطة قابلة للتنفيذ إنشاء إطار موحد يجمع المسارات الإنسانية والعسكرية والسياسية، مع الحفاظ على استقلال كل منها من حيث الاختصاص. ويبدأ ذلك باتفاق مبدئي بين الوسطاء على مرجعية مشتركة، تُحدد فيها الأهداف الأساسية، ومبادئ حماية المدنيين، وعلاقة المبادرات القائمة بعضها ببعض، وآلية التعامل مع المعلومات المتضاربة، وتوزيع الأدوار بين السعودية والولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة وإيغاد ومصر والإمارات وغيرها من الأطراف ذات الصلة. وينبغي أن يضم هذا الإطار أمانة فنية مشتركة لا تحل محل الوسطاء، بل تتولى متابعة الالتزامات، وحفظ الوثائق، وإعداد تقارير التقدم، وتنسيق المواعيد، وتجنب ازدواجية المبادرات.

وفي المرحلة الأولى، خلال الأيام السبعة الأولى من بدء تنفيذ الاتفاق، ينبغي إعلان وقف فوري للهجمات على المدنيين والمنشآت الصحية والتعليمية ومرافق المياه والكهرباء والأسواق ومخازن الغذاء وفرق الإغاثة، مع حظر استهداف الأحياء السكنية واستخدام المنشآت المدنية لأغراض عسكرية بما يخالف القانون الدولي الإنساني. كما ينبغي إنشاء خطوط اتصال مباشرة بين القيادات العسكرية والوسطاء، وتحديد نقاط الاتصال المسؤولة عن استقبال البلاغات، والاتفاق على إجراءات عاجلة لفتح ممرات إنسانية محددة. ولا ينبغي أن يتوقف وصول المساعدات على الاتفاق على كل تفاصيل التسوية السياسية.

وخلال الثلاثين يومًا الأولى، يجب التوافق على خريطة أولية لمناطق الانتشار العسكري، وتحديد المواقع المدنية التي ينبغي إخلاؤها من القوات، وإقرار ترتيبات لمنع استخدام المستشفيات والمدارس ومرافق الخدمات الأساسية في العمليات العسكرية. كما ينبغي الاتفاق على آلية للإبلاغ عن المحتجزين والمفقودين، وتبادل المعلومات المتعلقة بالمخاطر التي تهدد المدنيين، وتسهيل مرور قوافل المساعدات عبر خطوط القتال والحدود وفق قواعد معلنة. ويجب أن تشمل الخطة مراقبة الانتهاكات ضد النساء والأطفال، ومنع العنف الجنسي، وتأمين مسارات الإحالة الطبية والنفسية والقانونية للناجين والناجيات.

وخلال ستين يومًا، ينبغي أن تنتقل العملية إلى ترتيبات أمنية أكثر تفصيلًا، تشمل تجميد التحركات العسكرية الهجومية، وإقامة مناطق فصل أو ترتيبات ميدانية مناسبة حيث تسمح الظروف، وتحديد وحدات الاتصال المسؤولة عن الامتثال، وإنشاء فريق مستقل للتحقق. ولا ينبغي افتراض أن نشر مراقبين دوليين واسع النطاق سيكون ممكنًا أو مقبولًا منذ البداية؛ إذ يمكن البدء بآلية مختلطة تضم خبراء سودانيين مستقلين، وممثلين عن الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وتقنيات تحقق عن بعد، مع وضع شروط لتوسيع الحضور الميداني عندما تسمح الظروف الأمنية والسياسية.

وخلال تسعين يومًا، ينبغي فتح مسار سياسي مدني مستقل عن التفاوض العسكري المباشر، بهدف الاتفاق على مبادئ المرحلة الانتقالية، وشكل المؤسسات المؤقتة، وجدول زمني لاستعادة الحكم المدني، وضمانات المشاركة الإقليمية والاجتماعية، ومبادئ إصلاح القطاع الأمني. ولا يجوز أن تتحول هذه المرحلة إلى توزيع للمناصب بين القيادات المسلحة، أو إلى إعادة إنتاج نظام المحاصصة الذي يمنح كل فصيل مسلح حصة في السلطة. ويجب أن تقوم الشرعية الانتقالية على التوافق المدني الواسع، مع وضع جدول زمني واقعي لانتخابات حرة بعد تهيئة الشروط الأمنية والدستورية والإدارية.

أما إصلاح القطاع الأمني، فينبغي أن يُبنى على مبدأ أن الدولة لا يمكن أن تستقر بوجود جيوش مستقلة تتنافس على السلطة والموارد. لكن توحيد المؤسسة العسكرية لا يعني دمجًا آليًا وفوريًا لجميع المقاتلين في جيش واحد من دون تدقيق أو معايير مهنية. بل يتطلب تقييمًا فرديًا ومؤسسيًا، وتحديد شروط الالتحاق، وإخضاع القيادات للمساءلة، وتسريح من لا يستوفون المعايير، وتوفير برامج لإعادة الإدماج المدني والتدريب المهني، وضمان خضوع الجيش والشرطة والأجهزة الاستخبارية لسلطة مدنية دستورية. كما ينبغي معالجة الاقتصاد العسكري، ومنع الشركات التابعة للمؤسسات المسلحة من الاستمرار في تمويل مراكز قوة خارج الرقابة المالية العامة.

وتظل العدالة الانتقالية شرطًا أساسيًا لاستدامة السلام. فلا يمكن بناء تسوية عادلة على النسيان القسري أو الحصانة الشاملة، ولا ينبغي في المقابل أن تتحول المحاسبة إلى أداة انتقام جماعي أو تصفية سياسية. ويقتضي المسار العادل توثيق الانتهاكات، وحماية الأدلة، وتمكين الضحايا من المشاركة، وتوفير آليات للمحاسبة الجنائية وفق الاختصاصات القانونية، والنظر في جبر الضرر والتعويض واسترداد الممتلكات، إلى جانب إصلاح المؤسسات التي سمحت بالانتهاكات. ويجب أن تتكامل هذه الإجراءات مع عمل المحكمة الجنائية الدولية حيث ينعقد اختصاصها، ومع القضاء السوداني الذي ينبغي إصلاحه وتعزيز استقلاله وقدرته على حماية الشهود.

الفصل العاشر: كيف نقيس النجاح، وما الذي ينبغي ألا نكرره؟

لا يكفي تقييم المبادرات من خلال عدد الاجتماعات أو حجم البيانات الدبلوماسية أو مستوى التمثيل الرسمي. فالنجاح يجب أن يقاس بمؤشرات عملية، منها انخفاض عدد الهجمات على المدنيين، وتراجع القتل والإصابات المرتبطة بالقتال، وانخفاض الاعتداءات على المرافق الصحية والعاملين في الإغاثة، وزيادة حجم المساعدات التي تصل إلى المحتاجين، وفتح الطرق التي كانت مغلقة، وتحسن قدرة السكان على الوصول إلى المياه والغذاء والدواء، وعودة الخدمات الأساسية إلى المناطق التي تسمح الظروف الأمنية فيها بذلك.

وينبغي أن تتضمن لوحة المتابعة مؤشرات على تنفيذ الانسحابات المتفق عليها، وعدد الخروقات التي جرى التحقق منها، والوقت المستغرق للرد على البلاغات، وعدد الحوادث التي عولجت عبر آلية فض النزاع، ومدى التزام الأطراف بوقف التجنيد والهجمات الهجومية، ودرجة تعاونها مع فرق المراقبة. كما يجب قياس مشاركة المدنيين من خلال طبيعة دورهم الفعلي في صياغة القرارات، لا من خلال عدد الأسماء المدرجة في قوائم المشاركين فقط.

وتحتاج هذه المؤشرات إلى خطوط أساس موثوقة، وتعريفات موحدة، ومصادر بيانات معلنة، وآلية لتصحيح المعلومات الخاطئة. وينبغي ألا تُنشر الأرقام المتنازع عليها على أنها حقائق نهائية، وألا تُستخدم تقارير الخروقات لتبرير العقاب الجماعي أو توسيع العمليات العسكرية. كما يجب أن تراعي المقارنة بين الفترات اختلاف شدة القتال والقدرة على الوصول إلى المناطق، لأن انخفاض عدد البلاغات قد يعكس صعوبة التوثيق وليس انخفاض الانتهاكات.

ومن أهم ما ينبغي تجنبه تكرار أربعة أنماط. أولها توقيع اتفاقات عامة دون تفاصيل تنفيذية. وثانيها السماح بتنافس الوسطاء من دون مرجعية مشتركة. وثالثها إقصاء المدنيين ثم مطالبتهم بإضفاء الشرعية على تسوية صاغتها القيادات المسلحة. ورابعها التعامل مع الهدنة باعتبارها غاية نهائية بدلًا من كونها خطوة لوقف المعاناة وفتح الطريق أمام إعادة بناء الدولة. ويضاف إلى ذلك خطر استخدام التفاوض لكسب الوقت، أو تحويل السرية إلى وسيلة لإخفاء الالتزامات، أو إعلان نجاح دبلوماسي قبل التحقق من نتائجه الميدانية.

خاتمة نقدية: لا سلام مستدامًا من دون تنفيذ ومساءلة وحكم مدني

تكشف مقارنة مبادرات السودان منذ أبريل 2023 أن المشكلة لم تكن غياب الاتصالات أو انعدام الرغبة المعلنة في السلام، بل الفجوة بين التفاهمات الدبلوماسية والقدرة على تنفيذها، وبين النفوذ الذي يمتلكه الوسطاء والتناقضات التي تحكم مصالحهم، وبين التفاوض العسكري والشرعية السياسية المطلوبة لإعادة بناء الدولة. فقد أنتجت جدة التزامات إنسانية مكتوبة لم تتحول إلى حماية كافية، وأظهرت المنامة أن الاتصالات السرية رفيعة المستوى يمكن أن تفتح نافذة للتفاهم، لكنها لم تفضِ، وفق الوثائق العامة المتاحة، إلى اتفاق نهائي معلن يمكن التحقق من جميع بنوده ونتائجه. وأبرزت جنيف أهمية المساعدات والرقابة، بينما كشفت جهود إيغاد والاتحاد الأفريقي والرباعية والخماسية صعوبة توحيد المبادرات عندما تختلف مصالح الدول المشاركة أو تتعارض رؤاها لمستقبل الحكم في السودان.

وتستحق محادثات المنامة اهتمامًا خاصًا لأنها تقدم درسًا مزدوجًا. فمن جهة، فإن الاتصال المباشر بين القيادات التي تملك نفوذًا فعليًا قد يساعد على تجاوز الجمود العلني وفتح المجال أمام اتفاقات أولية. ومن جهة أخرى، فإن غياب الوثائق المنشورة والضمانات وآليات التصديق والتنفيذ يسمح بتضارب الروايات بعد انهيار المسار، ويجعل من الصعب التمييز بين ما اتُّفق عليه فعلًا وما أراد كل طرف أن يقدمه لاحقًا بوصفه اتفاقًا مكتملًا. لذلك لا ينبغي تجاهل المنامة، ولا تضخيم نتائجها؛ بل ينبغي التعامل معها بوصفها تجربة تفاوضية مهمة تحتاج تفاصيلها إلى مزيد من التحقق المستقل، مع الاستفادة من درسها المؤسسي: الاتفاق الذي لا يملك آلية تنفيذ لا يصبح سلامًا لمجرد أن قيادات رفيعة ناقشته.

والخيار الأكثر واقعية ليس انتظار توافق شامل وفوري على جميع قضايا السودان، ولا الاكتفاء بهدنة قصيرة قابلة للانهيار، بل بناء مسار متدرج يبدأ بحماية المدنيين وفتح الممرات الإنسانية، ثم يثبت وقف النار بآليات مراقبة، ثم يفتح مسارًا مدنيًا للانتقال السياسي، بالتوازي مع إصلاح أمني وعدالة انتقالية ومحاسبة قانونية. ويجب أن تكون وحدة المسار وسيلة لتنسيق الجهود لا لاحتكارها، وأن تستند الشرعية السياسية إلى مشاركة مدنية واسعة، لا إلى تقاسم السلطة بين القوى المسلحة.

إن وقف الحرب ضرورة عاجلة، لكنه ليس بديلًا عن إنهاء الأسباب البنيوية التي جعلت الحرب ممكنة. فالسودان يحتاج إلى دولة موحدة ذات مؤسسات خاضعة للقانون، وإلى جيش مهني واحد تحت سلطة مدنية، وإلى أجهزة أمنية لا تعمل بوصفها مراكز سلطة مستقلة، وإلى اقتصاد عام يخضع للرقابة، وإلى نظام سياسي يتيح المشاركة والتنافس السلمي ويعالج مظالم الأقاليم. ومن دون ذلك، قد تتوقف المعارك لفترة ثم تعود في صورة أخرى. أما السلام المستدام فيتطلب الجمع بين وقف القتال، وحماية الحقوق، والمساءلة، وإعادة بناء المؤسسات، وإعادة الاعتبار للمواطن السوداني باعتباره صاحب السيادة ومصدر الشرعية، لا مجرد ضحية لحرب يتفاوض قادتها على مستقبلها بعيدًا عنه.

المراجع

  1. African Union. Joint meeting of the Quad and Quintet on Sudan. 23 September 2026.
  2. African Union. Quintet consultations with Sudanese civilian and political actors. 8 June 2026.
  3. African Union. Statement on consultations of the Quintet on Sudan. 6 August 2026.
  4. Alnaser H, Idris M, Alagra M, al-Faroug O. Sudan Nashra: Burhan rejects outcomes of Manama talks. Mada Masr. 2 February 2024.
  5. International Center for Transitional Justice. Sudanese Warring Parties Hold First High-Level Talks in Bahrain. 2 January 2024.
  6. International Crisis Group. Sudan’s Calamitous Civil War: A Chance to Draw Back from the Abyss. 2023.
  7. Reuters. Sudanese warring parties hold first high-level talks in Bahrain. 31 January 2024.
  8. Reuters. No final agreement at London Sudan conference with Arab powers at odds. 16 April 2025.
  9. Sudan Tribune. Hemetti: Islamist movement derailed Manama peace deal. 17 June 2024.
  10. Sudan Tribune. RSF’s Abdelrahim Daglo blames Islamists for collapse of Manama talks, reveals El Fasher deal. 1 June 2026.
  11. Sudan Tribune. Sudan rejects peace talks outside Jeddah process. 9 February 2024.
  12. Sudan Tribune. Sudan’s Burhan discusses ceasefire with Bahraini King during Gulf tour. 14 May 2026.
  13. Sudan Tribune. Sudan denies Sovereign Council head Burhan made comments on UAE talks. 21 May 2026.
  14. Sudan Tribune. Burhan denies Bahrain talks, vows to crush RSF as war enters new phase. 29 May 2026.
  15. Tahrir Institute for Middle East Policy. Breaking the Cycle: Can Geneva Succeed Where Jeddah Failed in Sudan? 14 August 2024.
  16. United Nations. Note to Correspondents on the Personal Envoy of the Secretary-General for Sudan, Ramtane Lamamra, and Geneva-related consultations. 19 July 2024.
  17. United Nations Security Council. Resolution 2724 (2024). S/RES/2724. 8 March 2024.
  18. United Nations Security Council. Resolution 2736 (2024). S/RES/2736. 13 June 2024.
  19. U.S. Department of State. The United States Invites the Sudanese Armed Forces and the Rapid Support Forces to Ceasefire Talks Co-hosted by the Kingdom of Saudi Arabia and Switzerland. 23 July 2024.
  20. U.S. Department of State. Joint Statement on Sudan. 5 May 2023.
  21. U.S. Department of State and Ministry of Foreign Affairs of Saudi Arabia. Agreement on a Short-Term Ceasefire and Humanitarian Arrangements in Sudan. 20 May 2023.
  22. U.S. Department of State and Ministry of Foreign Affairs of Saudi Arabia. Statement on the Extension of the Ceasefire in Sudan. 29 May 2023.
Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
تردد اسم الملياردير المصري سويريس في مأساة السودان الحالية ، وتذكرت سويريسا آخر .
منبر الرأي
السودان والنيل من وجهة النظر المصرية .. بقلم: د. أحمد عبد الله الشيخ
عبد المنعم عجب الفيا: قراءة في كتاب الشعر السوداني  .. تقديم وعرض حامد فضل الله/ برلين
منبر الرأي
الكيزان لن يعودوا يا برهان انها ثورة الوعي و2021 ليست 1989 .. بقلم: كنان محمد الحسين
الرياضة
المريخ يطلق صافرة الاعداد من بورتسودان بحضور الصاوي

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

هيئة الحج والعمره وادمان الفشل!!! … بقلم: محمد الحسن محمد عثمان

محمد الحسن محمد عثمان
منبر الرأي

عن اللبؤات أحكي .. بقلم: عزالدين صغيرون

طارق الجزولي
منبر الرأي

مؤشرات الفساد – الجزء 4 – شركتي معدات البترول وخدمات المكاتب .. بقلم: سعيد محمد عدنان – لندن – المملكة المتحدة

طارق الجزولي
منبر الرأي

لا لا لا للمُصالحة !!! .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss