من خدعنا بالحرب.. انخدعنا له .. ترجمها عن الفرنسية: ناجى شريف بابكر

مقدمة:
عن بيت الله أم قصر الملك، يدافع المجاهدون؟
.
ربما يجدر بالذين يساندون العدوان السعودى على اليمن بإعتباره حرباً دينية، دفاعاً عن أهل السنة والأراضى الحرام، أن يتصفحوا التاريخ.
فقد أوردت صحيفة اللوموند الفرنسية فى تعليقها على الهجوم الجوى على أرض اليمن الذى تشنه اليوم المملكة العربية السعودية وحلفاؤها، ما يلى:
.
النص:
.
إنه لمن السخرية أن نرى اليوم سلاح الجو السعودى وهو يشن الغارات الجوية على مليشيات الحوثيين، الذين ينتمون مذهبياً لآخر الأسر الملكية التى حكمت اليمن، وهى طائفة الزيدية إحدى فروع المذهب الشيعى..!!
لقد مرت خمسون سنة حينما وقفت السعودية جنباً إلى جنب مع مناصرى الملك والإمامة فى اليمن، وذلك فى مواجهة الإنقلاب الناصرى المدعوم من جمهورية مصر المتحدة، الذى انطلق عقب وفاة أحمد بن يحى، آخر الملوك والأئمة فى اليمن السعيد.
فقبل أكثر من نصف قرن من الزمان، هذا الإقليم الشاسع الذى جعلت منه التضاريس إقليماً عسيراً على الحكم، وقد تجذرت فيه كيانات عشائرية بالغة التعقيد، قد ظل أرضاً خصبةً لحروب عديدة يتم خوضها بالوكالة.

مصر فى مواجهة العربية السعودية:
كانت المواجهة  الأولى ما بين القوتين العربيتين الرئيسيتين خلال الأعوام 1962 وحتى 1970. مصر بعقيدتها الأشتراكية العسكرية والنظام المكى بالسعودية، كانت مصر قد شكلت تهديدا للأسر الحاكمة بالسعودية (وبالأردن)، فاصطفا من خلف إبن أحمد بن يحى، فى مواجهة الضباط من دعاة قيام الجمهورية فى اليمن العربى. الصراع الذى لم يكن فيه ما يبعث القلق فى إسرائيل التى رأت فيه خصيمتها مصر الناصرية وقد تورطت فى وحل مواجهة ضارية،  أشبه ماتكون بفيتنام شرق أوسطية، بل أن إسرائيل قد ساهمت فى هذا النزاع بأدوار غير معلنة.
تسببت تلك الحرب الإستنزافية فى العام 1964 بتنحية الملك سعود، الذى لم يكن يتحلى بالشجاعة اللازمة فى نظر الرياض. بعد خمس سنوات من المواجهات فيما بين الجمهوريين الذين يحكمون الجنوب والملوكيين الذين كانوا يسيطرون على الشمال، ساهم الإنكسار الذى عانته مصر بسبب حرب حزيران ضد الدولة اليهودية، فى تراجع القوات التى نشرها عبد الناصر باليمن. وتم التوصل بعد الثلاث سنوات التالية إلى إتفاق تمخض عن نهاية الأسرة الملكية وإنتصار الجمهوريين.
.
رهينة الحرب الباردة:
إن الحماية البريطانية على عدن التى بدأت فى التراجع منذ العام 1968، والتى كانت تقوم على ضمان أمن هذا الجزء الواقع على طريق الملاحة من الهند، قد جعل الفرصة سانحة لقيام جمهورية اليمن الشعبية بطموحاتها الماركسية. وسيطرت على كل المناطق الممتدة شرق الجمهورية العربية اليمنية التى كانت قد قامت قبل ست سنوات سابقة. هذا الشقاق ما بين الشمال حيث الجمهورية العربية اليمنية، والجنوب حيث جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، قد أصبح إحدى أدوات الحرب الباردة، فقد ذهبت عدن للمحور السوفيتى. وأن المعارك التى إندلعت على الحدود خلال الأعوام 1972 و1979 أوضحت مدى التوتر الذى كان  سائدا على حدود الكيانين المتجاورين، واللذان أضعفتهما مناحرات داخلية زادت من وتيرتها سلسلة من التصفيات الجسدية.
.
إنتصار الشمال المسلم على الجنوب الموالى للسوفيت:
إنتهى الشقاق بتوحيد شطرى اليمن فى العام 1990، والذى مهد له إنهيار الكتلة الشيوعية، كعامل أتى فى مصلحة الشمال الذى كان يتزعمه منذ العام 1978 ضابط الصف التابع للطائفة الزيدية، والذى توصل للسلطة بدعم من مساندة الجيش مصحوبا بدعم عشائرى، على عبد الله صالح. الجنوب الذى سارع لأدانة النهج الإستعمارى للشمال، حاول إسترداد الحكم الذاتى فى العام 1994. لكن نتائج الحرب التى إندلعت بعد ذلك أتت على غير ما يشتهى الجنوبيون. فى البدء تدفق دعم سرى ومحير قدمته المملكة العربية السعودية للشق الماركسى من الفرقاء، فقد كانت الرياض تأمل من ورائه معاقبة على عبد الله صالح لمساعدته للعراق تحت رايات صدام حسين خلال غزوها للكويت فى العام 1990.
وخلال نفس العقد من الزمان، وقعت اليمن من جديد ضحية لعوامل عدم الِإستقرار التى تمثلت فى عودة “الأفغان” وهو ما أطلق على الأطراف العربية التى شاركت فى الجهاد ضد القوات السوفيتية. فقد قام عبد المجيد الزندانى بإنشاء فرع للسلفية الجهادية باليمن، مما جعل على عبد الله صالح يجتهد لإستمالته إلى صفوفه. ولم تكن مساهمة الأفغان السابقين فى الحرب اليمنية فى العام 1994 بالشئ الذى يستهان به. لكن فريقا من هؤلاء المقاتلين التائهين قد تم تجنيدهم بواسطة القاعدة، التى إستغلت ضعف السلطات المركزية لتتخذ لنفسها مقاما فى اليمن.

الولايات المتحدة فى مواجهة القاعدة:
بعد عملية مهاجمة قطعة حربية تابعة للبحرية الأمريكية كانت راسية فى سواحل عدن “المدمرة كول”، فى العام 2000، والتى تم تبنيها بواسطة القاعدة، أصبح اليمن فى واجهة الصراع الذى إندلع ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والجماعات الإرهابية اليمنيية، وقد إنضم إليهم لاحقا المجاهدون السعوديون، الذين قاموا بإنشاء تنظيم القاعدة فى الجزيرة العربية فى فبراير 2009. وكانت أول ضربة شنتها طائرة من غير طيار ضد أحد زعماء الجهاديين قد تمت فى نوفمبر 2002، ومن ثم تحولت السفارة الأمريكية فى صنعاء إلى معسكر حربى محصن بعد هجوم دموى إستهدفها فى العام 2008. قام الرئيس اليمنى بتوظيف تلك الحرب الإستنزافية الجديدة، للحصول من واشنطون على دعم عسكرى فائق الأهمية.
فى بلد كانت تفقد فيه الولايات المتحدة سمعتها بصورة متصاعدة، فإن على عبد الله صالح الذى شرع فى التضييق على الجهادية السلفية لوضع حد للمجاهدين، قد قارب بذلك نهايته. ففى 2003 قام أحد أبناء الزعماء الزيديين حسين بدر الدين الحوسى بقيادة حركة إحتجاجية ضد النفوذ السلفى المتنامى فى اليمن فى معاقل اليزيديين التاريخية.فى شمال البلاد. وسرعانما تحولت هذه الحركة إلى مواجهات دامية لم تكن المملكة العربية السعودية بمعزل عنها فى العام 2009. كما لم تنجح جهود الوساطة فى وضع حد للنزاع الذى إستمر حتى إندلع حراك الربيع العربى، والذى أطاح فى وقت لاحق بعلى عبد الله صالح فى نوفمبر 2011 تحت ضغوط من الرياض.

إيران فى مواجهة دول الخليج:
هذا الإبعاد قد تمخض فى البدء عن حوار وطنى شمل كافة الفصائل السياسية، الدينية، الإقليمية وكافة الفعاليات الأجتماعية الأقتصادية لبلد يُعدُ من ضمن  الدول الأكثر فقرا فى العالم، كنتيجةٍ حتمية لعقودٍ من الصراعات المتتالية. بلد عانى طوال عشر سنوات عجزاً فى المياه لم تشهد الإنسانية له مثيلا. إلا أن الفشل الذى واجهه الحوار الوطنى قد أعاد للسطح التوترات السابقة، وفتح فى المقابل الأبواب من جديد لحربٍ بالوكالة. كانت المواجهة هذه المرة بين إيران الحاضن السياسى والعسكرى للتمرد الحوثى، والمملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى بإستثناء سلطنة عمان، الوسيط الأزلى بين الجمهورية الإسلامية والعروش المالكة فى الجزيرة العربية.
.
نقلا عن اللوموند الفرنسية            

nagibabiker@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

السودان بين حروب الموارد وأقنعة الهوية -قراءة لكتاب

زهير عثمانzuhair.osman@aol.comقراءة في كتاب د. محمد سليمان محمد على ضوء الحرب الجاريةفي خضمّ الحرب المدمّرة …

اترك تعليقاً