من هندسة الهيمنة إلى التفكيك العنيف (4/5)

من هندسة الهيمنة إلى التفكيك العنيف:
علاقات الأرض والإنسان والدولة في السودان من إرث الاستعمار إلى مآلات الحرب الراهنة (4-5)

(تشكل هذه الدراسة خلفية تاريخية ضمن مشروع بحثي يستضيفه معهد التخطيط المكاني بجامعة فيينا للتكنولوجيا، ويهدف إلى إعداد مقترح لخطة مكانية استراتيجية للإعمار المنصف والمستدام في السودان ما بعد الحرب. وقد نُشرت مسودة هذه الورقة على منصة ResearchGate)
د. مريم محمد عبدالله وقيع الله

  1. من الثورة إلى اعادة انتاج الانقاذ: ثقل الإرث الإسلاموي في مسار الانتقال الديمقراطي

منذ ثورة ديسمبر 2018، ظل السودان عالقًا في صراع بنيوي معقّد بين قوى التغيير الساعية إلى بناء نظام ديمقراطي مدني، وبقايا النظام الإسلاموي التي أعادت إنتاج نفوذها عبر تحالفات عسكرية وأجهزة قمعية. لم تقتصر التركة على انهيار السلطة، بل شملت منظومة إقصائية مترسخة في مؤسسات الدولة، لا سيما الأمنية، تستند إلى خطاب ديني يشرعن العنف. يتتبع هذا المقال تضافر عوامل الانهيار، من تشرذم قوى الثورة وافتقارها إلى مشروع وطني، إلى تغلغل الإسلاميين في مفاصل الدولة، وصعود حميدتي بمشروعه المربك، مما عجّل بانفجار الأزمة وانهيار الدولة.

1.4. ثورة ديسمبر وإسقاط البشير: بداية التحول الصعب

رغم ما اتسم به مشروع الإسلامويين، الذي انقلب على مهندسه حسن الترابي، من تخطيط استراتيجي وانضباط تنظيمي، فإن الممارسة العملية منذ 1989 كشفت حدود قدرته على فرض الهيمنة، واستحالة إرساء استقرار مستدام يتجاوز أو يتجاهل التطلعات العميقة لإنسان السودان إلى الحرية والكرامة. استند المشروع الإسلاموي إلى مبدأ “التمكين”، القائم على السيطرة الكاملة على مؤسسات الدولة وفرض توجه أحادي، خارج أي إطار للتوافق السياسي أو الاجتماعي. ولم تكن هذه الهيمنة قطيعة مع الإرث الاستعماري، بل تجسيدًا له بأدوات دينية وإعلامية وقانونية، رسّخت العنف الرمزي والمادي وأسهمت في تمزيق النسيج الاجتماعي. وبهذا نشأ نمط من “الاستعمار الداخلي”، شرعنته الخطابات الدينية، واتخذ فيه العنف المؤسسي طابعًا إقصائيًا و دمويا يُحاكي ما يصفه أشيل مبيمبي بـ”سياسة الموت” ( necropolitics)(1)
ورغم القبضة الأمنية المحكمة، بدأت محاولات مقاومة النظام مبكرًا، لكنها جُوبهت بعنف مفرط. دفع ذلك التجمع الوطني الديمقراطي إلى التحالف مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، واللجوء إلى العمل المسلح منذ منتصف التسعينات. ومع نهاية العقد، كانت أكثر من عشر ولايات تشهد صراعات عنيفة، في ظل تصاعد الفساد والانقسامات داخل الصف الإسلاموي نفسه. وفي عام 1999، وقعت “مفاصلة الإسلاميين”، التي أُقصي فيها الترابي، لينتقل إلى المعارضة، ويلعب لاحقًا دورًا في تأجيج الصراع في دارفور.
مع مطلع الألفية، تصاعدت عزلة النظام إثر اندلاع حرب دارفور، واتهامه بارتكاب جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية. وتحت ضغط دولي متزايد، خاصة بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، وقّع النظام اتفاق نيفاشا للسلام عام 2005، الذي أتاح تقاسم السلطة والثروة ومنح الجنوب حق تقرير المصير. تلا ذلك “اتفاق القاهرة” مع قوى المعارضة السياسية، إلا أن النظام واصل احتكاره الفعلي للسلطة، مستخدمًا أدوات قانونية وأمنية ناعمة، كرّست منطق “العقل الإقصائي الأناني” المتشبث بالسلطة، الساعي لتجريد الآخر من شرعية الوجود والمشاركة السياسية.
كما تشير نظرية أوتو شارمر (Theory U)عن التحول المؤسسي، فإن العقول التي تقود النظم السلطوية تميل إلى إعادة إنتاج أنماط إدارة موروثة ومحدودة، حتى في لحظات الأزمات والتحولات، مما يُعيق إحداث أي تحول جذري في البنية أو في الوعي المؤسسي ذاته(2). وقد تجلّى ذلك بوضوح في السودان بعد انفصال الجنوب (2011)، حيث تكرّرت موجات الاحتجاج دون إصلاح جذري، وبلغت ذروتها في انتفاضة سبتمبر 2013، التي قُمعت بعنف مفرط شاركت فيه قوات الدعم السريع، باعتبارها أداة إضافية ضمن منظومة القمع الرسمي(3).
استمر السخط الشعبي، وإن تخللته فترات من الانكماش، إلى أن تفجّر مجددًا في ثورة ديسمبر 2018، التي شكّلت نقطة تحوّل فارقة. جاءت الثورة كردّ فعل على تدهور اقتصادي حاد، وندرة في السلع الأساسية، ورفع الدعم عن الخبز والوقود. انطلقت التظاهرات من الأطراف ثم تمددت إلى المركز، في انفجار غير مركزي عبّر عن هشاشة السلطة وتراكم الغضب المجتمعي. ومع انسداد الأفق السياسي، تحوّلت المطالب المعيشية إلى شعارات تطالب بتفكيك النظام، وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، لخصها الشعار الجامع: “حرية، سلام، وعدالة”(4).
برز “تجمع المهنيين السودانيين” كقيادة نقابية بديلة، مستفيدًا من شبكات نقابات الظل في قطاعات التعليم والصحة والقضاء. وبمبادرته، تأسس تحالف “قوى الحرية والتغيير”، الذي ضم قوى سياسية ومدنية إلى جانب بعض حركات الكفاح المسلح(5).ومع تصاعد الزخم الثوري، انتشرت الاحتجاجات أفقيًا وعموديًا، بمشاركة لافتة من النساء والشباب، لتكسر الحواجز الجغرافية والاجتماعية، وتوسّع الخيال السياسي الشعبي. وحين حاول النظام وصم الحراك باتهامات عنصرية، متهمًا بعض أبناء دارفور بإثارة الفوضى، جاء الرد من الشارع بشعار “يا عنصري ومغرور، كل البلد دارفور”؛ في قطيعة لغوية وسياسية مع خطاب الهيمنة، وتجسيد لوعي جمعي جديد أعاد تعريف “الوطن” بوصفه فضاءً مشتركًا يتجاوز الانتماء الجهوي والإثني.
مع تصاعد الضغط الجماهيري، بدأت الشروخ تظهر داخل بنية النظام، وكان أبرزها في العلاقة بين الإسلاميين وقائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي). فعلى الرغم من امتثاله لأوامر النظام بجلب قواته إلى العاصمة، امتنع عن فضّ الاعتصام بالقوة، ما أربك حسابات الإسلاميين ودفعهم إلى التضحية بعمر البشير، وتشكيل مجلس عسكري بقيادة عوض بن عوف. لكن الشارع رفض هذه المناورة، وأجبر ابن عوف ونائبه على التنحي خلال أربع وعشرين ساعة، ليتولّى الفريق عبد الفتاح البرهان رئاسة المجلس العسكري. ووفقًا لتصريح لاحق له، فقد زار حميدتي في منزله لإقناعه بتولي منصب النائب، في خطوة فسّرها كثيرون كمحاولة من الإسلاميين لضمان ولاء الأخير، في ظل الوضع السياسي والعسكري المعقّد، واستثمار العلاقة المتينة التي تشكّلت بين الرجلين خلال العمليات العسكرية في دارفور واليمن(6).

2.4. مجزرة فض الاعتصام كمحاولة اولي للقضاء علي الثورة

رغم بدء التفاوض بين المجلس العسكري وتحالف قوى الحرية والتغيير، ظل الإسلاميون حاضرين داخل مؤسسات الدولة، خاصة في الأجهزة العسكرية والأمنية والدولة العميقة. وكانت أولى محاولات إعادة ترتيب صفوفهم التورط في مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو 2019(7). ورغم تداول مقاطع مصوّرة تُظهر عناصر من قوات الدعم السريع أثناء تنفيذ عملية الفضّ، إلا أن الملابسات تشير إلى عملية أمنية أكثر تعقيدًا، شاركت فيها جهات متعددة، من بينها عناصر من جهاز الأمن والاستخبارات، وكتائب ظل محسوبة على الإسلاميين.
حميدتي أنكر مسؤولية قواته، وذهب أبعد من ذلك حين أمر باعتقال عدد من الضباط الإسلاميين بتهمة التخطيط للعملية وتوريط قوات الدعم السريع فيها(8). ومع ذلك، لعبت الآلة الإعلامية دورًا كبيرًا في ترسيخ صورة وحشية عن الدعم السريع، وجرى تحميله المسؤولية الكاملة عن المجزرة، مما أحدث قطيعة وجدانية بينه وبين قوى الثورة، رغم مؤشرات كانت تدل على خلافات عميقة بينه وبين الإسلاميين، خاصة بعد سقوط البشير.
مثّلت مجزرة القيادة العامة لحظة مفصلية في علاقة القوى المدنية بالمجلس العسكري، لكن استمرار الحراك الجماهيري – خاصة في مليونية 30 يونيو – أجبر المجلس على العودة إلى طاولة المفاوضات برعاية الاتحاد الأفريقي، لتُوقّع الوثيقة الدستورية في أغسطس 2019(9). ونصّت على فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات ونصف، يتقاسم فيها المدنيون والعسكريون السلطة. وقد ولّد ذلك قدرًا من الأمل في انتقال سلمي نحو الديمقراطية، خاصة مع تعيين عبد الله حمدوك رئيسًا للوزراء، بدعم شعبي واسع.
لكن خلف هذا التوازن الظاهري بين العسكريين، بدأت تتبلور تناقضات حادة بين الإسلاميين داخل المجلس العسكري، وقائد قوات الدعم السريع. ففي خطوة مفاجئة في 11 يوليو 2019 اي قبل توقيع الوثيقة، قام البرهان بإلغاء المادة الخامسة من قانون قوات الدعم السريع لعام 2017،(10) والتي كانت تخضعها لأوامر القائد العام للجيش. بذلك، أصبحت القوات شبه مستقلة، وغير خاضعة فعليًا للمؤسسة العسكرية التقليدية، مما أضعف قبضة الإسلاميين على واحدة من أهم أدواتهم العسكرية. شكّلت هذه الخطوة نقطة تحوّل حاسمة؛ إذ خرج الدعم السريع من عباءة النظام القديم، وبدأ حميدتي في بناء ترسانة عسكرية متقدمة، شملت مضادات طيران، مستفيدًا من دعم إقليمي، خاصة من الإمارات، ومن استقلاله المالي عبر شركة “الجنيد” العاملة في قطاع الذهب. في الوقت نفسه، بدا أن البرهان نفسه يراهن على تحالف تكتيكي مع حميدتي، للضغط على المؤسسة العسكرية التقليدية التي ظلت خاضعة لنفوذ الإسلاميين.
وفي ظل هذه المعادلات الجديدة، أصبح حميدتي نائبًا لرئيس مجلس السيادة الانتقالي، في موقع لم يكن متوقّعًا أن يبلغه عند صعوده المفاجئ قبل سنوات قليلة. لم يعد مجرد ذراع أمنية للنظام، بل تحوّل إلى فاعل سياسي يملك سلطة موازية – وربما متفوقة – على مؤسسات الدولة(11). سعى من خلال موقعه الجديد إلى بناء شرعية مدنية، عبر لقاءات متكررة مع قوى سياسية، وتحالفات غير معلنة مع بعض قيادات الهامش، دون أن ينجح فعليًا في تجاوز صورته النمطية المرتبطة بتاريخه في دارفور وفضّ الاعتصام.

3.4. تحديات الفترة الانتقالية: هشاشة الشراكة وأزمة الاقتصاد

مثّلت الفترة الانتقالية (2019–2021) نقطة تحوّل في المسار السياسي السوداني، لكنها سرعان ما اصطدمت بجملة من التحديات البنيوية. فقد تشكّلت حكومة بقيادة عبد الله حمدوك بموجب الوثيقة الدستورية، في إطار شراكة هشّة مع المجلس العسكري، اتسمت منذ البداية بالريبة وتضارب الأجندات: سعت القوى المدنية إلى تفكيك بنية النظام السابق، بينما حرص المكوّن العسكري على حماية مصالحه ومراكز نفوذه، لا سيما في مجالي الأمن والاقتصاد(12).
اقتصاديًا، ورثت الحكومة وضعًا كارثيًا: دين خارجي يتجاوز 60 مليار دولار، وانهيار واسع في البنية التحتية، وارتفاع حاد في معدلات البطالة والتضخم (13). ورغم الدعم الشعبي الواسع ووعود المجتمع الدولي، وُوجهت جهود الإصلاح بعقبات داخلية وخارجية، شملت تركة الفساد، وشبكات المصالح المرتبطة بالنظام السابق، وتباطؤ تنفيذ برامج الدعم والإعفاءات. واضطرت الحكومة إلى رفع الدعم عن الوقود والخبز، مما فجّر موجات من الاحتجاج، خاصة في ظل غياب شبكات الحماية الاجتماعية.
تفاقمت الأزمة بفعل تباطؤ الدعم الدولي، وتأخر رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب حتى أواخر 2020. كما أن اتفاق جوبا للسلام، رغم أهميته السياسية، ألقى بعبء إضافي على الحكومة، من خلال التزامات أمنية ومالية دون توفر موارد كافية. وبدلًا من أن يعزز الاستقرار، أفرز واقعًا هشًا عبر توسيع قاعدة السلطة بشراكات غير متجانسة، زادت من تعقيد المشهد(14).
على الصعيد الأمني، بدأت ملامح الانفراط الامني تظهر بوضوح قبيل الانقلاب، مع تصاعد الانفلات في المدن الرئيسية وتراجع أداء الأجهزة النظامية. ولم يكن هذا التدهور نتيجة ضعف مؤسسي فحسب، بل جاء بفعل تعطيل مقصود من قِبل أجهزة أمنية ظلّت خاضعة لنفوذ النظام السابق. وقد ولّد هذا الوضع شعورًا عامًا بانعدام الأمان، وعزز الانطباع بعجز السلطة المدنية عن حماية المواطنين، مما قوض ثقة الجمهور في الحكومة ومهّد لتدخل العسكر لاحقًا تحت شعار “إصلاح المسار”.
وقد ساهم التفتت المبكر لتحالف قوى الحرية والتغيير في تعميق التآكل السياسي داخل الحاضنة المدنية للانتقال؛ إذ انسحب الحزب الشيوعي، ورفضت لجان المقاومة استمرار الشراكة مع المكون العسكري، مما أضعف وحدة الصف المدني وأفقد المرحلة الانتقالية الحد الأدنى من الإجماع الضروري لتسييرها(15). وفي ظل هذا الانقسام، واستمرار تموضع الإسلاميين داخل مفاصل الدولة، بدا واضحًا أن مسار الانتقال بات محاصرًا بتعقيدات بنيوية، واقتصادية، وأمنية، مهّدت الطريق لانقلاب 25 أكتوبر 2021، الذي شكّل بداية الانهيار المؤسسي والانزلاق نحو الحرب.

4.4. خلفية صعود حميدتي: من ميليشيا محلية إلى مشروع سياسي موازٍ

يعود ظهور محمد حمدان دقلو “حميدتي” إلى سياق الحرب الأهلية في دارفور مطلع الألفية الثالثة، حيث برز كأحد قادة ميليشيا الجنجويد التي كانت تقاتل الي جانب الجيش. ومع تراجع نفوذ موسى هلال، بعد اتهامه واخرين من قبل المحكمة الدولية بسسب ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية في حرب دارفور، بدأ نجم حميدتي في الصعود. خاصة بعد لقاء جمعه بالرئيس عمر البشير ووزير الدفاع عبد الرحيم محمد حسين في سبتمبر 2006، تم خلاله الاتفاق على دعمه بالأسلحة والمركبات لمواجهة الحركات المسلحة في شمال دارفور(16).
سرعان ما أدرك حميدتي أن الميليشيات القبلية ليست سوى أدوات تستخدمها الدولة دون توفير الحماية اللازمة، لا سيما في ظل تصاعد الهجمات الانتقامية من قبل حركة تحرير السودان – جناح مناوي. وتفاقم شعوره بالتهميش عقب استبعاد القيادات العربية من اتفاق أبوجا للسلام (2006)، ما دفعه إلى التمرد في أكتوبر 2007، متذرعًا بتأخر الرواتب، وأطلق على قواته حينها اسم “الوعد الصادق”، متمركزًا في قاعدته قرب “أم القرى”، ومدعومًا بأسلحة زودته بها الدولة ذاتها (17). ووفقًا لتقارير لاحقة، فقد تجاوز تمرده العسكري إلى تنسيق سري مع حركات دارفورية، منها “العدل والمساواة” و”تحرير السودان – جناح عبد الواحد”، في ما يُعد مؤشرًا مبكرًا على تبلور وعيه السياسي(18).
رغم تمرده، سرعان ما عاد حميدتي إلى أحضان النظام في عام 2008 بموجب صفقة سياسية، بعدما أخفق في استمالة دعم خارجي(19). وفي عام 2013، أنشأ الرئيس عمر البشير “قوات الدعم السريع” بقيادته، والتي شاركت لأول مرة في قمع انتفاضة سبتمبر 2013 بالخرطوم. وحققت هذه القوات أول انتصار عسكري كبير في معركة قوز دنقو (2015)، مما منح قائدها ثقلاً متزايدًا داخل بنية النظام (20). كُلفت بمهام فرض الأمن وجمع السلاح في دارفور، بما في ذلك من الميليشيات العربية المتناحرة وسط فوضى التسلح في الإقليم وكردفان. ولاحقًا، نُشرت في مناطق النيل الأزرق، وبرزت كأداة مركزية في الجهاز القمعي للنظام، تُستخدم لترسيخ الهيمنة وضبط السيطرة على الأطراف.
اقتصاديًا، رسّخ حميدتي نفوذه من خلال السيطرة على جبل عامر، أحد أغنى مناجم الذهب في دارفور، عبر شركة “الجنيد” التي يديرها مقربون منه، ما وفّر له مصدرًا ماليًا مستقلًا خارج مؤسسات الدولة الرسمية. كما استفاد من المشاركة في حرب اليمن، ومن تجربة مكافحة الهجرة من افريقيا بتمويل أوروبي ضمن “عملية الخرطوم”(21). هذه الموارد والعلاقات الإقليمية والدولية وفّرت له رافعة استراتيجية فتحت أفقًا سياسيًا تجاوز الدور الأمني التقليدي، وأسّست لبناء مشروع سياسي موازٍ، نشأ من الهامش، وتطوّر في كنف النظام الإسلاموي، دون أن يدرك الأخير أنه كان يحتضن فاعلًا جديدًا سيتجاوز لاحقًا حدود الدور المرسوم له.
في ظل الحاجة المتزايدة للجنود في حرب اليمن ومهام مكافحة الهجرة، توسّعت قوات الدعم السريع في التجنيد، معتمدة أساسًا على أبناء الإثنيات العربية في الحزام الرعوي المهمّش والمتأثر بالجفاف والتصحر، والذين وجدوا في الانخراط فرصة عمل نادرة في ظل غياب البدائل. واستثمر حميدتي جزءًا من موارده لتقديم خدمات أساسية كالتعليم والصحة في هذه المناطق، ما عزز مكانته الاجتماعية، ومنحه شرعية محلية متصاعدة في مجتمعات لطالما شعرت بالإقصاء من الدولة المركزية.
ورغم الدور الذي لعبه حميدتي في الإطاحة بعمر البشير في أبريل 2019، برفضه قمع الحراك الثوري، إلا أن محاولاته المتكررة للتقرب من القوى المدنية باءت بالفشل. فقد ظلت قوى الثورة تنظر إليه كامتداد للنظام القديم، خاصة بسبب تورط قواته في أحداث دامية، أبرزها حرب دارفور و قمع مظاهرات سبتمبر 2013 ومجزرة القيادة العامة في يونيو 2019(22). وقد ساهم الإعلام غير الرسمي، المدعوم من دوائر النظام الإسلاموي، في ترسيخ هذا التصور، من خلال نشر مقاطع مصورة واتهامات مباشرة لقوات الدعم السريع، رغم وجود مؤشرات قوية على تورط عناصر من أجهزة أمنية أخرى. هدف هذا الخطاب، ضمنيًا، إلى توسيع الفجوة بين حميدتي وقوى الثورة، تحسبًا لأي تقارب قد يمنح الحراك المدني ظهيرًا عسكريًا يُعجّل بإقتلاع النظام من جذوره. خاصة ان شعارات الثورة كانت تحمل رافضا قاطعا لنظام الاسلاميين ومشروعهم السياسي
سعى حميدتي إلى تحسين صورته عبر مستشارين من النخب، أبرزهم يوسف عزت، وفعّل قنوات تواصل مع الإدارات الأهلية وحركات دارفور المسلحة. لكن محدودية خبرته السياسية أظهرته بمظهر المتردد، ما أضعف مصداقيته وعمّق الشكوك حول نواياه(23). في هذا السياق المرتبك، تورط في انقلاب 25 أكتوبر 2021 الذي قاده البرهان بدعم من بقايا النظام الإسلاموي. ورغم حضوره لحظة تلاوة البيان، أقر لاحقًا بأنه شعر بالخديعة، قائلاً إن كلاً منه والبرهان “خرج من باب مختلف”. اختفى عن المشهد الإعلامي لأيام، قبل أن يعود إلى واجهة الأحداث قبيل توقيع تسوية أعادت عبد الله حمدوك إلى رئاسة الوزراء(42)، في خطوة اعتُبرت تنازلًا تكتيكيًا من العسكر. إلا أن الاتفاق لم يصمد طويلًا، إذ رفضته قوى الحرية والتغيير واعتبرته التفافًا على مطالب الثورة.

5.4 من الانقلاب إلى الحرب: فشل رهان الإسلاميين على استعادة السلطة

دخل السودان مجددًا دوامة “الانتقال المشوَّه”، حيث تُجهَض فرص التحول الديمقراطي عبر ترتيبات فوقية تُدار بمنطق احتكار القرار، لا عبر عقد اجتماعي جامع. لكن ما ميّز هذه المرحلة عن سابقاتها هو اتساع التناقضات البنيوية داخل معسكرَي الحكم والثورة على السواء. فثورة ديسمبر 2018 ورثت مشهدًا مثقلًا بالميراث السلطوي، لكنها قدّمت زخمًا جماهيريًا غير مسبوق، استمر حتى بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021. غير أن الانقسامات داخل القوى المدنية سرعان ما أضعفت هذا الزخم، وفرّغته من فعاليته السياسية.
في المقابل، لم يكن الانقلاب نفسه متماسكًا. فقد قاده جنرالان بأجندتين متصادمتين: عبد الفتاح البرهان، الخاضع لضغط الإسلاميين الساعين لاستعادة مواقعهم في الدولة بأي ثمن، ومحمد حمدان دقلو (حميدتي)، الذي بدأ في تبني خطاب سياسي منفصل، مستندًا إلى نفوذه العسكري وقاعدته الاجتماعية في الهامش. هذا التناقض داخل معسكر السلطة فتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية، اتخذت من “الاستقرار” ذريعة للتدخل، بينما كانت تسعى فعليًا لإعادة هندسة المشهد السياسي بما يخدم مصالحها، لا إرادة السودانيين.
في هذا السياق، مثّل الاتفاق الإطاري – الموقّع في ديسمبر 2022 – لحظة محورية (25). وجد فيها حميدتي فرصة لإعادة التموضع كفاعل مزدوج: مدني–عسكري، يحاول ملء الفراغ السياسي في مرحلة يعاد تشكيلها من الخارج. إلا أن محدودية خبرته السياسية، وتردده في الحسم، وتناقض تحالفاته بين مستشارين مدنيين وتحالفات قبلية متذبذبة، جعلت من طموحه مشروعًا رماديًا يفتقر للتماسك والرؤية الواضحة.
من جهة أخرى، مثّل الاتفاق – بشعاراته حول تفكيك النظام البائد وتوحيد الجيش وإبعاد العسكريين عن الحكم – محاولة لكسر منطق الدولة السلطوية المركزية. لكنه في المقابل، عمّق الانقسام داخل الحقل المدني. فبينما وقّع عليه المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، رفضته قوى “الجذريين” (الحزب الشيوعي، لجان المقاومة وغيرهم)، بوصفه إعادة تدوير لشراكة فاشلة مع العسكريين. كما رفضته قوى “الميثاق الوطني”، التي تضم حركات موقعة على اتفاق جوبا إلى جانب أحزاب موالية للنظام البائد، بحجة الإقصاء. وقد رفض المجلس المركزي دخولهم ككتلة، خشية إفشال الاتفاق من الداخل، رغم قبوله انضمام الحركات فرادى. فاستغل جبريل إبراهيم ومني أركو مناوي ذلك للادعاء بأن المجلس يسعى لاحتكار التمثيل المدني وإقصاء الآخرين(26).
استثمر الإسلاميون الانقسام السياسي لتأجيج الخلاف حول بند دمج الدعم السريع في الجيش، مطالبين بإخضاعه للقائد العام ودمجه خلال عامين، بينما اشترط قادة الدعم السريع إشرافًا مدنيًا كاملًا، وتطهير الجيش من عناصر النظام السابق، مع جدول زمني للدمج يمتد إلى عشر سنوات. تصاعد التوتر وتحول الخطاب التعبوي إلى تحريض مباشر على الحرب، وظهر قادة إسلاميون في تسجيلات يعلنون “الجهاد”، في تجسيد لما يسميه مبيمبي بـ”سياسة الموت”، حيث يُستدعى العنف كأداة لحماية السلطة لا الدولة، وإقصاء الخصوم لا التفاوض معهم(27).
اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023، قبل ساعات من اجتماع كان من المزمع عقده بين البرهان وحميدتي. وتشير بعض التسريبات إلى أن الخطة كانت اغتياله وشقيقه عبد الرحيم داخل القيادة العامة، بالاستناد إلى اختراقات أمنية زرعها الإسلاميون داخل قواته(28). كان الرهان على حسم سريع يعيد ترتيب المشهد، لكن فشل العملية وصمود الدعم السريع بدّد تلك التقديرات، وفتح الباب لحرب استنزاف طويلة ومدمّرة.
بهذا المعنى، لم يكن الاتفاق الإطاري مجرد وثيقة سياسية، بل لحظة تصادمية فجّرت التناقض الهيكلي داخل دولة ما بعد الاستعمار. فمشروع الإسلاميين، وقد بلغ أقصى درجات عقل الإقصاء، لم يحتمل فكرة فقدان السيطرة، فاستدعى العنف الكامل كبديل. الحرب لم تكن انحرافًا عن المسار، بل امتدادًا له، حين تتحوّل الدولة إلى أداة قسر، والسيادة إلى عنف مُؤسسي، والمجتمع إلى ساحة تصفية باسم الدين والوطن.

6.4. الخاتمة: الحرب كذروة لفشل تجاوز إرث الإسلامويين وإعادة تأسيس الدولة

فالإسلاميون، وقد أعادوا إنتاج أدواتهم داخل مؤسسات الدولة العميقة، لم يتخلّوا عن طموح الهيمنة، بل دفعوا البلاد إلى أتون الحرب حين فقدوا السيطرة على مفاصل السلطة. في المقابل، عجزت قوى الثورة عن تشكيل جبهة مدنية موحّدة تحمل مشروعًا وطنيًا جامعًا، بينما برز حميدتي كمشروع رمادي خرج من رحم النظام، دون أن ينجح في ترسيخ استقلاليته. لم تكن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 حدثًا مفاجئًا، بل تتويجًا منطقيًا لصراع طويل حول احتكار الدولة و الارض و الموارد وشرعية تمثيل الوطن.
وقد عرّت هذه الحرب الانهيار البنيوي العميق لدولة ما بعد الاستعمار، وعجزها عن التحول إلى نموذج سياسي يحقق تطلعات السودانيين في الحرية والعدالة والسلام. لم يكن الانفجار العسكري مجرد صراع على النفوذ، بل تعبيرًا عن أزمة تأسيس مؤجلة، ظل فيها العنف أداة لإدامة سلطة نخبة أحادية. ومع تآكل شرعية القوة وانهيار مؤسسات الدولة، يغدو مستقبل السودان مرهونًا بقدرة النخب المدنية والعسكرية على التوافق حول مشروع وطني شامل، يضمن الحقوق والمشاركة لجميع السودانيين، دون إقصاء على أساس العِرق أو الثقافة أو الجغرافيا أو النوع.

المراجع

 Alhadath (05.06. 2019)Hemeti’s explanation of the dispersal of the sit-in https://www.youtube.com/watch?v=FHrWyjuaplQ (8)
 Anas Omer (31.01.2023) Even if the framework agreement is ultimately signed, we will ensure its demise, https://www.youtube.com/watch?v=Zk6nBKlDnRY (27)
 Assal, M. (2023) How the international community failed Sudan, https://www.cmi.no/publications/8874-how-the-international-community-failed-sudan (14)
 constitutionnet.org (ct. 2019) Sudan Constitutional Declaration August 2019 https://constitutionnet.org/sites/default/files/2019-08/Sudan%20Constitutional%20Declaration%20%28English%29.pdf (9)
 Flint, J. (2009) Beyond ‘Janjaweed’: Understanding the Militias of Darfur, available at: https://www.smallarmssurvey.org/sites/default/files/resources/HSBA-WP-17-Beyond-Janjaweed.pdf (16-17-18-19)
 Fricke, A. (2020) Chaos and Fire”: An Analysis of Sudan’s June 3, 2019 Khartoum Massacre, https://phr.org/our-work/resources/chaos-and-fire-an-analysis-of-sudans-june-3-2019-khartoum-massacre/ (7)
 Hamedte (2018) What Hamedte said to the European Union”, Tana4media Website, Link: https://www.youtube.com/watch?v=aCv7LYhjNQA&t=10s (21)
 Holleis, J. (22.11.2021) Why many in Sudan are angry over PM Hamdok’s return, https://www.dw.com/en/sudan-is-hamdoks-return-a-signal-of-democracy-or-military-victory/a-59901328 (24)
 IDEA (2023) CASE STUDY: SUDAN Global State of Democracy 2023 Report https://www.idea.int/sites/default/files/2023-11/case-study-sudan-gsod-2023-report.pdf (5)
 Malik, S. I. (2022). Sudan’s December revolution of 2018: the ecology of Youth Connective and Collective Activism. Information, Communication & Society, 25(10), 1495–1510. https://doi.org/10.1080/1369118X.2022.2072754 (4)
 Marsden, D. (28.03.2023) A critical juncture for Sudan’s democratic transition, https://www.chathamhouse.org/2023/03/critical-juncture-sudans-democratic-transition (25-26)
 Mbembe, A. (2003). Necropolitics. Public Culture, 15(1), 11–40. (1-27)
 Salman, S. M. A. (20.09.2024) Al-Burhan’s Role and Responsibility in the Rise and Expansion of Hemedti and the Rapid Support Forces (in Arabic) https://www.medameek.com/?p=156732 (10-22)
 Sayigh, Y (20.04.2021) Sudan’s Military Companies Go Civilian: How the Recent Divestment Agreement Can Succeed https://carnegieendowment.org/research/2021/04/sudans-military-companies-go-civilian-how-the-recent-divestment-agreement-can-succeed?lang=en (11-12-13-)
 Scharmer, O. (2009). Theory U: Leading from the Future as It Emerges. Berrett-Koehler. (2)
 Sudan tribune (03.05.2015) Rapid Support Forces Commander: Justice and Equality Movement planned to attack Nyala, El Fasher, and Khartoum, https://sudantribune.net/article242112/ (20)
 The Guardian (2013) Sudanese protesters attacked during march sparked by fuel subsidies (3) https://www.theguardian.com/world/2013/sep/27/sudanese-protesters-attacked-march-fuel-subsidies
 Wagialla, M. (2023) Between hunger for power and brutality: Where is Sudan heading? International V / 2023 (6-8-22-)
 Wagialla, M. (2023) Sudan: Auswirkungen des bewaffneten Konflikts in einem fragilen Land (in German) https://international.or.at/sudan-auswirkungen-des-bewaffneten-konflikts-in-einem-fragilen-land (15-23-28)

marfa_1998@hotmail.com

عن مريم محمد عبدالله وقيع الله

مريم محمد عبدالله وقيع الله

شاهد أيضاً

من هندسة الهيمنة إلى التفكيك العنيف (3)

من هندسة الهيمنة إلى التفكيك العنيف:علاقات الأرض والإنسان والدولة في السودان من إرث الاستعمار إلى …