من يملك التقنية… ومن يملك القرار

من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
من يملك التقنية… ومن يملك القرار

قراءة معمّقة في السلطة الجديدة بين الاقتصاد الرقمي والسيادة الوطنية

منبر بنيان
مقالات من بطون كتب ونبض الميدان

المقدمة

لم تعد الأسئلة الاقتصادية الكبرى في عصرنا تدور حول الإنتاج فقط،
ولا حتى حول التوزيع، بل حول السيطرة.
من يملك التقنية؟
ومن يملك القرار؟
وهل ما زالت الدولة هي مركز السلطة الاقتصادية، أم أن القرار انتقل بهدوء من العواصم إلى الخوادم، ومن الحكومات إلى الخوارزميات؟

هذا المقال يستند إلى كتابين من أخطر ما كُتب في فهم العلاقة بين التقنية والاقتصاد في العصر الحديث.
كتاب يفضح الوجه الخفي للرأسمالية الرقمية،
وكتاب يضع التقنية ضمن مسار تاريخي طويل يربط بين الابتكار والمال والسلطة.
وبين الكتابين تتكشف حقيقة واحدة:
التقنية لم تعد محايدة، بل أصبحت بنية حكم جديدة.

اولا

ينطلق كتاب The Age of Surveillance Capitalism من أطروحة صادمة في بساطتها وقسوتها: الرأسمالية لم تعد تكتفي باستغلال العمل أو الموارد،
بل انتقلت إلى مرحلة استغلال السلوك الإنساني نفسه.
ما نعيشه اليوم ليس مجرد اقتصاد بيانات
، بل اقتصاد تنبؤ وسيطرة.

التقنية الرقمية، كما يشرح الكتاب،
لا تجمع بياناتنا لتحسين الخدمات فقط، بل لتحويل التجربة الإنسانية إلى مادة خام. كل حركة، كل نقرة، كل تفضيل، يتم تحويله إلى بيانات، ثم إلى نماذج تنبؤية، ثم إلى أرباح. وهكذا يتحول الإنسان من مستهلك إلى منتج دون أن يدري، ومن فاعل إلى موضوع للرصد.
الخطير في هذا النموذج ليس حجم الأرباح، بل طبيعة السلطة.
الشركات التكنولوجية الكبرى لا تنتظر قوانين الدول، بل تسبقها.
لا تطلب الإذن، بل تخلق واقعًا جديدًا ثم تفرض الاعتراف به.
هنا يصبح القرار الاقتصادي خارج نطاق الدولة، لأن أدوات التأثير لم تعد بيدها.

ثانيا

في المقابل، يقدّم كتاب Technological Revolutions and Financial Capital إطارًا تاريخيًا لفهم ما يحدث.
التقنية، في نظر المؤلفة، لا تأتي فجأة، بل في موجات كبرى. كل موجة تقنية تمر بمرحلتين: مرحلة الابتكار،
ثم مرحلة السيطرة المالية.
في المرحلة الأولى، تُحدث التقنية فوضى خلاقة،
وفي الثانية، يُعاد ترتيب الاقتصاد حول من يملك رأس المال والقدرة على الاحتكار.
ما نعيشه اليوم هو المرحلة الثانية من الثورة الرقمية. بعد أن كانت الإنترنت أداة تحرر وانفتاح،
أصبحت بنية احتكارية تسيطر عليها شركات قليلة، تحالف بينها المال والتقنية والنفوذ السياسي.
وهنا يلتقي الكتابان: التقنية حين تنفصل عن الضبط المجتمعي تتحول من محرك نمو إلى أداة هيمنة.

السؤال الجوهري إذن ليس: هل نحتاج إلى التقنية؟ بل: من يصوغ قواعدها؟ ومن يملك مفاتيحها؟ ومن يحدد كيف تُستخدم بيانات الناس واقتصاداتهم؟

إسقاط على دول العالم الثالث

في دول العالم الثالث، تتخذ هذه الإشكالية بعدًا أكثر خطورة. هذه الدول لا تصنع التقنية، بل تستهلكها. لا تضع القواعد، بل تخضع لها. تدخل المنصات الرقمية إلى أسواقها، تجمع البيانات، تؤثر على السلوك، وتعيد تشكيل أنماط الاستهلاك دون أي إطار سيادي حقيقي.
الدولة هنا تفقد القرار تدريجيًا. الضرائب لا تُجبى، البيانات لا تُخزن محليًا، والخوارزميات تؤثر على الرأي العام والاقتصاد دون رقابة. وهكذا يصبح الاقتصاد الوطني جزءًا من نظام عالمي لا يملك مفاتيحه.

في السودان، تظهر هذه المفارقة بوضوح. التقنية الرقمية حاضرة في الاتصالات، المصارف، الإعلام، لكنها بلا سياسة وطنية واضحة. لا استراتيجية للسيادة الرقمية، ولا تشريعات تحمي البيانات، ولا رؤية لربط التقنية بالتنمية الإنتاجية.
النتيجة اقتصاد يستهلك التقنية لكنه لا يملك قرارها.

الدروس المستخلصة من الكتابين واضحة:
من لا يملك بنيته الرقمية،
لا يملك قراره الاقتصادي.
ومن لا يحكم البيانات، تُحكم قراراته من الخارج.

الخاتمة

التقنية ليست قدرًا أعمى، لكنها قوة تحتاج إلى ضبط.
والرأسمالية الرقمية ليست شرًا مطلقًا، لكنها تصبح كذلك حين تعمل بلا مساءلة.
السؤال الحقيقي الذي تطرحه هذه المرحلة ليس أخلاقيًا فقط
، بل سياديًا:
هل ستظل الدول، خاصة الضعيفة منها، مجرد ساحات مفتوحة لاختبار نماذج السيطرة الرقمية؟

الاقتصاد في العصر الرقمي لم يعد يُدار فقط بالميزانيات، بل بالخوارزميات. والسيادة لم تعد حدودًا جغرافية فقط، بل قدرة على حماية القرار الرقمي.

من يملك التقنية اليوم، يملك القدرة على التأثير. لكن من يملك القرار، هو من يملك الوعي والسياسة والمؤسسات القادرة على ترويض هذه القوة.

رؤية المقال القادم في السلسلة

في المقال القادم من سلسلة الاقتصاد والتقنية، ننتقل من سؤال السلطة إلى سؤال البديل:
كيف يمكن لدول العالم الثالث أن تبني مسارًا تقنيًا مستقلًا يخدم التنمية لا التبعية؟

وسنقرأ من بطون كتابين: Digital Development
و
The Entrepreneurial State
لنناقش دور الدولة لا كمتفرج على السوق الرقمي، بل كفاعل استثماري، ومنظّم، وصانع لمسار تنموي جديد.
هكذا يستمر منبر بنيان
لا يلاحق الحدث
بل يلاحق الفكرة قبل أن تتحول إلى قدر.

عبد العظيم الريح مدثر

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

العدالة الاقتصادية: هل تعني المساواة أم تكافؤ الفرص؟

منبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الواقعفي ختام مقالنا السابق حول الفقر،طرحنا سؤالًا مكملًا …