من يوقف الحرب
هل من نفر صالح يخلص البلاد
تاج السر محمد بدوي زين العابدين
في كل عيد يردد السودانيون “عيد يأية حال عدت يا عيد” سخرية من الأحوال المتردية التي تعودوا عليها طوال عقود مستمرة لم تشهد ابداً الاجيال المتعاقبة خلالها تحسناً للأوضاع المعيشية، وشيئاً فشيئاً اصبحت الاحوال تسوء الاحوال في مختلف النواحي حتى انفجرت الحرب القائمة وتعقدت مشاكل البلد. الآن لا يجوز أن نصف حالتنا الراهنة بانها حالة فشل بل هي اسوأ. إنها حالة تسمى مرحلة اللا دولة حيث لا توجد لدينا مؤسسات دستورية تدير البلاد ولا توجد جهة شرعية تحكم حيث أن مؤسسات الحكم والسلطة يشغلها الآن اشخاص بحكم الواقع.
كثيرون يسمونها المشكلة السودانية او الازمة السودانية إلخ ولكن لو قلت “مشكلة البلد” تكون قد صنفت نفسك وشرفتها بالإنتماء. وكما أن الانتماء شرف فهو مسؤولية وإلتزام أيضاً، وحسبك هذين إن صدقت. في المقابل نسأل من هو هذا الذي يفعل في السودان كل ما يجري من تقاتل وتدمير وتخريب؟ إنهم باختصار ودون شك احقر انواع البشر سواء كانوا هم من الداخل أو من الخارج.
نبدأ بأعداء الخارج. إن ما يحدث وما يجري في السودان هو عدوان خلفيته إقتصادية إستعمارية بلا شك فالدول التي ظلت تتربص ببلادنا وتضمر لها كل شر مستطير منذ عقود تمكنت اخيرا من أن تستغل الصراع المسلح على السلطة في بلدنا بين الجيش والدعم السريع. ومن اللحظة الاولى تولى الخارج قيادة المعارك بامداد الطرفين بالسلاح بكافة انواعه وبالطائرات والمسيرات وبالمرتزقة، بل يوظف الخارج الطرفين في الانشطة الاستخبارية ويجند أعلى القيادات في الطرفين كمخبرين مأجورين وكمنفذين لأحقر الجرائم. لا نطيل الحديث في هذا الباب إذ أن اخبار ما يجري متداولة ويعلمها الجميع. وللسخرية تتصدر هذه الدول ما يسمونها إعلامياً الدول الراعية لجهود إحلال السلام في السودان وهم في الواقع يبذلون اقصى جهودهم لكسب الوقت وشعارهم الأثير “دع الحرب تستمر طالما أنهم يقتلون بعضهم”. إنها خيبة ما بعدها خيبة ان نتقاتل فيما بيننا من اجل مصالح اعدائنا في الخارج.
إن ما يجب علينا القيام به كثير للغاية ، ولكن الأولوية هي لإيقاف الحرب. ولإيقاف الحرب لا يوجد أهم من العمل السياسي الراشد الذي يجب ان تأخذه احزابنا السياسية بشكل جاد. في مرحلة الحرب هذه يجب على هذه الاحزاب ان تعمل لتوعية قواعدها الشعبية بحقيقة ما يجري وتوجيهها إلى ضرورة أن يقوم كل فرد بالعمل الذي باستطاعته مهما يكون العمل صغيراً لمنع نشر السلاح لأنه العنصر الاساسي لتأجيج نار الحرب وإثارة الفتن في المجتمع ، ثم يجب أن تعمل الاحزاب لشحذ همة قواعدها الشعبية لعمل كل ما يمكن عمله لسد الثغرات المؤدية إلى توزيع السلاح. هكذا ينبغي على احزابنا أن تخاطب قواعدها في الداخل بدلاً من أن تتجه يمنة ويسرة خارج البلد تستجدي إيقاف الحرب ممن يؤججوها ويزيدونها حطباً ، ويبحثون عن حلول لمشاكل البلد في الخارج. وقبل هذا يجب على أحزابنا مراجعة سياساتها الداخلية والخارجية وتغييرها بنسبة 100% لأنها سياسات فاشلة بالتبعية لفشل الدولة وسقوطها.
وإذا كان هذا النداء يصلح لمخاطبة جميع الاحزاب، فإننا نخاطب حزب المؤتمر الوطني بصورة مختلفة لأنه الحزب الوحيد الذي باستطاعته التأثير ايجابياً نحو ايقاف الحرب لو اتخذت قيادته القرار الوطني الصحيح. إن قوة تأثير المؤتمر الوطني نابعة من كونه الأقوى تنظيماً (بالمال العام) ومن كونه يسود الساحة السياسية السودانية منذ 37 سنة حتى اليوم. إنطلاقاً من هذه الحقائق الثابتة نوجه الخطاب والنداء إلى جميع منتسبي المؤتمر الوطني سواء الناشطين حالياً والذين ابتعدوا منهم : إن حزبكم يسيطر على الجيش وبالتالي يتحكم في عملياته، وأن الدعم السريع نشأ وعمل وتطور إلى ما هو عليه حالياً في داخل المؤتمر الوطني وبالتالي فإن عناصره القيادية ليسوا غرباء على المؤتمر الوطني. لذلك نوجه الرسائل التالية إليهما:
• إن الانحياز لشعبكم ولمواطنيكم هو الامر الوحيد الذي يكسبكم رضاء الشعب حتى بعد كل ما حدث ، ويا لهول ما حدث. رجاء اوقفوا هذه الحرب العبثية بدلاً من استمراركم في التقاتل خضوعاً لإملاءات وإغراءات القوى الاجنبية التي تريد استمرار هذه الحرب لتدمير بلدنا وتشريد مجتمعاتنا في الشرق والغرب والشمال والجنوب دون استثناء وتريد طمس هويتنا.
• قد يسأل القارئ : هل معنى هذه الرسائل المستعطفة للمؤتمر الوطني أن يفلت المجرمون منهم من المحاسبة؟ الإجابة نعم ليفلتوا إذا كان المقابل هو إيقاف الحرب حقيقة وإذا كان المقابل هو إستعادة الدولة وإعادة بنائها كدولة قوية وحديثة. ثم ما هو السبيل إلى محاسبة مجرمين ادمنوا السلطة وصاروا يهربون إلى الامام من إنقلاب إلى إنقلاب إلى قلاقل إلى حرب وهم الآن ممسكون بالبندقية وتحت إمرتهم قيادة الدولة كأمر واقع.
• نتمنى ان يتلقف هذه الرسائل نفر قليل ولو شخصان من ذوي التأثير لكي يقوموا بمهمة إقناع الصقور من قيادات المؤتمر الوطني والدعم السريع للإنحياز لشعبهم في الداخل، وإقناعهم بانهما في الحقيقة والواقع دمى تحركها قوى خارجية ضد بلدهم.
• أليس من العيب والتقصيرالشنيع في حق الوطن أن لا يوجد فريق أو نفر صالح يسعى للتأثير الفعال في المواقف الشخصية للقيادات في طرفي الحرب. قال تعالى ” ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن” صدق الله العظيم
الوضع العالمي
الحرب الايرانية الاسرائيلية-الاميركية الجارية الآن تأثيرها شديد على سياسات ومواقف معظم دول العالم. لقد اعلنت جميع دول العالم المتأثرة بما فيها دول الخليج ودول الاتحاد الاوربي انها سوف لن تتدخل في الحرب ولكنها تدعو إلى إيقافها خوفاً على مصالحها المتأثرة باغلاق مضيق هرمز. السودان متأثر ايضاً من ناحية إمدادات واسعار النفط والسلع.
ولكن نرى ان هناك تأثيراً إيجابياً يلوح لبلدنا، ذلك أن الدول الداعمة والمؤججة للحرب بين الجيش والدعم السريع مشغولة بصورة من الصور في الحرب الايرانية الاسرائيلية-الاميركية الجارية الآن، إذ يُتوقع أن يخفف هذا الانشغال من دعم الخارج للقتال بين الجيش والدعم السريع. ونعتقد ايضاً ان هذا الإنشغال يمثل فرصة لأحزابنا لتفك عن نفسها بعض القيود والمواقف الخارجية التي كبلت نفسها بها والتي ابعدتها من العمل الإيجابي البناء داخل البلد. ونتمنى ان يخلق هذا الانشعال العالمي جواً ملائماً لأية جماعة صالحة (نفر صالح) للعمل لإقناع الطرفين بإيقاف الحرب في بلدنا.
لا يمكن ان يتنبأ أي محلل بكيفية إنتهاء الحرب الايرانية الإسرائلية-الاميركية ومتى تنتهي، ولكن يمكن القول بأن إسرائيل ماضية نحو العزلة الدولية التي بدأت مع سياساتها اللا إنسانية في حربها ضد غزة وفلسطين عموماً والتي اكسبتها إدانات وملاحقات قضائية من مؤسسات حقوقية دولية وإدانات سياسية واسعة من الدول التي تناصرها في اوربا، والآن بدأت اميركا – حليفتها ومصدر قوتها – تتململ من تورطها في حرب إسرائيل – إيران. ومن التنبؤات المحتمل تحققها ان تنهار اسرائيل في النهاية إثر إنكسار مدوي لرئيس وزرائها نتنياهو نتيجة لإخطاء في حساباته في جبهاته القتالية المتعددة.
هل ينتظر سياسيونا واحزابنا وعلى رأسهم المؤتمر الوطني حتى تسفر الحرب الايرانية-الاسرائيلية-الاميركية الجارية عن اوضاع جديدة للقوى العالمية والاقليمية حتى يستأنفوا عرض بلدنا للبيع. ألا يوجد سياسيون ديناميكيون يستطيعون إستغلال هذا الإنشغال الدولي لإيقاف الحرب في بلدنا. نسأل الله أن يولي فينا من يصلح البلد.
taj.badawi@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم