نزار عثمان السمندل
جاء العيد مجدداً، مثقلاً بروائح النزوح والقبور والجوع والبيوت المتفحمة.
عيد آخر يهبط فوق السودان كأنه نشرة حداد طويلة.
الفرح بات مخلوقاً منقرضاً في هذه البلاد.
الأمهات يحصين الغائبين أكثر مما يحصين خراف الأضاحي، والأطفال صاروا يكبرون على أصوات المدافع، لا على تكبيرات العيد.
وفجأة… ارتفع صوتان فوق سماء البلاد المشبعة بالدخان والرماد.
خرج عبد الفتاح البرهان متحدثاً بلهجة رجل دولة يعد السودانيين بوطن جديد؛ انتقال مدني، حوار شامل، مستقبل يتسع للجميع.
ومن الضفة الأخرى لنهر الدم، خرج محمد حمدان دقلو (حميدتي)، مرتدياً اللغة ذاتها تقريباً؛ شهداء الوطن، العدالة، الديمقراطية، السودان الجديد.
لغة بدت كأنها هاربة من ميادين ثورة ديسمبر، من حناجر الشباب والكنداكات الذين حلموا بوطن يشبه الحياة، لا من أفواه رجلين حملا البلاد إلى أكبر المقبرة الكبرى. رجلين خرجت الحرب من رحم شراكتهما، ومن البنادق التي اقتسمت الرُتب والذهب والسلطة والجثث.
يا لهذا المشهد الذي يفوق السوريالية قسوةً ووحشية.
قاتلان يتحدثان ببلاغة الضحايا.
وجلادان يلقيان موعظة العيد فوق الجثة نفسها التي شاركا في ذبحها.
المفردات ذاتها.
العبارات الناعمة ذاتها.
العطر ذاته الذي يُرش فوق رائحة الدم.
أيُّ قدرة مخيفة على الإنكار يمتلكها هذان اللذان اختطفا من السودانيين أعراسهم وأعيادهم وأمانهم وأبناءهم، ثم وقفا يحدثان الناس عن الوطن كأنهما حرّاسه الأمناء؟
أيُّ هاوية نفسية سحيقة تلك التي تسمح لرجل يحمل بندقية ملوثة بكل هذا القتل أن يتحدث عن السلام بثقة الواعظ؟
السودانيون لا يحتاجون ذاكرة خارقة كي يتذكروا. فالبلاد كلها صارت ذاكرة دامية مفتوحة.
دم ديسمبر ما يزال ساخناً تحت تراب الخرطوم.
صرخات الاعتصام ما تزال معلقة فوق النيل، كأنها أرواح قلقة ترفض المغادرة قبل أن ترى العدالة.
ثم جاءت الحرب الكبرى، فتحول الموت إلى صناعة يومية، وتحولت مدن البلاد إلى ورشة هائلة لإنتاج الفقد.
البرهان يتحدث عن الدولة المدنية، بينما ظلت المؤسسة العسكرية تتعامل مع السودان بوصفه غنيمة مؤجلة لا وطناً.
وحميدتي يواصل ارتداء قناع نصير المهمشين، بينما تمددت الحرب تحت أقدام قواته كطاحونة عملاقة لطحن البشر والذاكرة والتاريخ.
المأساة السودانية لم تعد حرباً فقط. صارت هذا الانفصال المرعب بين اللغة والحقيقة.
بين الخطب اللامعة والجثث المتفحمة.
بين كلمات العيد وصور الأطفال الهاربين من الجوع والرصاص.
كلا الرجلين تحدث كما لو أن السودان سقط ضحية لعاصفة مجهولة المصدر.
كما لو أن الخراب قدر أعمى هبط من السماء فجأة.
بينما الحقيقة أكثر فداحة من كل الخطب؛ وطن كامل جرى سحقه تحت أحذية الطموح العسكري، والجشع السياسي، وشهوة السلطة التي تأكل البلاد كما تأكل النار حقلاً يابساً.
من خرجوا في ديسمبر لم يطلبوا المعجزات.
أرادوا وطناً عادياً فقط.
وطناً لا يخاف فيه الناس من الجيش.
ولا يتحول فيه العيد إلى موسم بكاء جماعي.
ولا تُفتح فيه نشرات الأخبار على خرائط النزوح وأعداد القتلى.
لكن الجنرالين سرقا حتى المعنى البسيط للحياة.
سرقا الطمأنينة من البيوت، والنوم من عيون الأمهات، والعيد من وداعة الأطفال.
وسرقا من السودانيين قدرتهم على تصديق الكلمات.
لهذا تبدو هذه الخطابات شديدة القسوة. لا بسبب ما قاله الرجلان، بل بسبب ما حاولا دفنه تحت البلاغة المعسولة.
كلمات كثيرة تحاول غسل الأيدي، بينما الدم السوداني ما يزال ساخناً فوق التراب.
وعبارات وطنية منمقة، بينما الوطن يتفتت كل يوم كجسد متروك في العراء.
السودان الذي حلمت به ديسمبر ما يزال بعيداً، لكنه لم يمت.
ثمة شعب كامل صار يعرف الآن أن البنادق التي تعد بالخلاص، هي ذاتها التي تقود البلاد نحو المقابر.
ويعرف أيضاً أن الوطن لا يُبنى بالخطب العسكرية، ولا بالدموع المتأخرة، ولا بالأعياد التي يتحول فيها القتلة إلى وعاظ سلام.
هذا البلد منكوب بالجنرالات.
كلما اقترب من نافذة، دفعه العسكر نحو الهاوية.
وكلما حاول التقاط أنفاسه، خرجت البنادق لتعيد تعريف الوطن على أنه ثكنةً كبيرةً ورائحة بارود ومقبرة دائمة.
