موانع التواضع: ما الذي يجعل الآذان صماء؟

الريح عبد القادر محمد عثمان
تمهيد: حين لا يصل الصوت إلى الآذان
حين بدأتُ أدعو إلى التواضع قد أكثر من عقد من الزمن، كنت أظن أن الفكرة الصادقة تكفي لأن تجد طريقها إلى القلوب.
وكان يقيني أنّ وضوح الحق وحده كفيل بأن يجعل الناس يقبلونه.
لكنني تعلمت، مع مرور الزمن، أن العبرة ليست بصواب الدعوة أو خطلها، بل باستعداد الأسماع.
لم تعد المشكلة أن الناس لا يسمعون، بل أنهم يسمعون كل شيء في الوقت نفسه، فلا يعود لأي صوتٍ أثر.
إنك لا تؤذن في مالطا، بل في مسجد كل من فيه يؤذن! بل في حفل راقص صاخب والمكرفونات مبثوثة في كل مكان!
لقد أصبح كل شخص “صاحب رأي”، وكل رأيٍ يُقدَّم بثقةٍ مطلقة.
فلم نعد نعيش الجهل الصراح، بل ذلك النوع من الجهل الذي يظن صاحبه أنه قد علم فلا يريد أن يعلم أكثر.
لقد أحدث عصرنا نقلة هائلة في شتى جوانب الحياة، لكن لم يصاحبها، حتى الآن، نهوض بالقيم الأخلاقية.

💭 أولاً: من زمن الاتباع إلى زمن الندية
كان الناس قديمًا يبحثون عمن يستحق أن يتبعوه؛ أما اليوم، فما إنُ يقف شخص ليدعو الناس إلى أمر من الأمور حتى يصطف الجميع إلى جانبه كتفاً بكتف ليقولوا له: بماذا تتفوق علينا؟
لم يعد أحد يقبل أن يكون تلميذًا، فكل واحد يرى نفسه “ندًّا”.
وإذا حدث أن طرحتَ فكرة أو مشروعًا أو دعوة، سرعان ما تسمع الردّ: “هذا رأيك، ولي رأيي.”

وكان التفاضل الاجتماعي، في المجتمعات القديمة، واضح المعالم، وكانت المسافة الرمزية بين أهل الرأي وعامة الناس تمنح الدعوة سلطة وهيبة. لكن في العصر الحديث، مع انتشار التعليم وتعميم أدوات التعبير، انكمشت تلك المسافة، ولم يعد أحد يرى نفسه تابعًا لأحد، ولا أحد يقبل أن “ينتصَح” من دون أن يردّ برأي مقابل.
لقد دخلنا مرحلة “ديمقراطية الرأي” قبل أن نمتلك “أخلاق التواضع الفكري”.
الكل يفتي في كل شيء ويقول: هذا رأييّ!”
عفواً، سيدي/سيدتي، أهو رأيك أم انطباعك؟
أهو ثمرة تأملٍ وبحث ودراسة أم أنه مجرد انفعال سريع؟

📚 ثانيًا: التعليم الذي زاد الجهل المركّب
لقد ظنّ الناس أن التعليم وحده يصنع الوعي، لكنه قد يضاعف الغرور إن لم يصاحبه التواضع.
وفي الحقيقة، لم يُنتج انتشار التعليم معرفةً وثقافةً بالضرورة، بل ربما خلق إحساسًا زائفًا بالكفاية.
التعليم الذي لا يُهذِّب النفس يجعل المتعلم يعتقد أن شهادته صكُّ عصمةٍ من الخطأ.
وصار كثير من المتعلمين يظنون أنهم يعرفون كل شيء عن أي شيء.
ولذلك أصبح كل واحد مفتياً في غير مجاله.

لقد تعلّم الناس كيف يتكلمون لا كيف يصمتون، وكيف يناقشون، لا كيف يتعلّمون.
فكل واحد الآن يحمل “قطع غيارٍ معرفية” من كل شيء، فيظن نفسه مكتفيًا.
هذا ما يسميه علماء الاجتماع “تضخم الأنا المعرفية”: حين تملك قليلاً وتظن أنك تملك كثيراً، لأنك لا تدرك مقدار ما تجهله.
ومن هنا تتعطل الدعوة، لأن من تكلّمه لا يسمعك من موضع النقص، بل من موضع الندية.
أنت لا تخاطب طالبًا للحقيقة، بل منافسًا رمزيًا يريد إثبات ذاته.
أجل كل واحد يرى نفسه نداً للآخر في كل شيء، وبديلاً له.
أنت ترى نفسك من أهل الفهم؟ “أنا أفهم من اللي خلفوك!”
أنت تدعوني؟ بل أنا أدعوك، فاتبعني!
تريد إصلاحي؟ هل تراني معطوباً؟ بل أنت المعطوب وعليك أن تصلح نفسك أولا!
كل واحد فينا يسمع الآخر يقول له بإلغاء: “أنت عارف أنا مين؟”
فيرد عليه بإلغاء: “أنت فاكر نفسك مين؟”
ومحصلة الإلغاء مقابل إلغاء صفر.

🏙️ ثالثًا: الوفرة التي أنجبت شعور الاستحقاق
لم تعد الكبرياء تحتاج إلى النسب أو الجاه أو الثروة.
لقد استبدلها العصر الحديث باستعلاء جديد يتغذّى من المقتنيات: المنصب والشهادة واللقب والفيلا والهاتف والسيارة.
أدوات حديثة، لكنها تمنح شعورًا قديمًا بالاستعلاء.
أضف إلى ذلك – على وجه الخصوص – الحسابات في مواقع التواصل، والصور المنشورة، وعدد اللايكات والمشاهدات.
كل هذه الرموز الصغيرة تُغذّي في النفس شعورًا خفيًا بالاستعلاء،
حتى أصبح كثير من الناس أضخم من أن يتواضع، وأثقل من أن ينصاع للحق.
وهنا تتجلى مأساة الإنسان المعاصر:
كلما لُبِّيت حاجاته، وزادت مقتنياته، قلّ تواضعه.
وكلما اتسع محيطه التقني، ضاق وعيه بضعفه أمام الله.
حتى أصبح لا يرى في الدعوة إلى الإصلاح إلا تذكيرًا غير ضروري بشيء يظن أنه قد تجاوزه.
ومن هنا تتعطل الدعوة.
فمن يا تُرى يسمع لمَنْ بعد أن منحت التقنيات العصرية منبراً ومكرفوناً لكل من هبّ ودبّ؟

هذه الحالة النفسية تولّد ما يمكن تسميته بـ “المناعة ضد الدعوة”،
أي العجز عن تلقي الإرشاد من أي جهة، لأن الذات باتت ممتلئة بما تملك، لا بما تعرف.
دخلتُ على بعض المراهقين وهم منهمكون مع الآيفون والآيباد. وبعد السلام شعرت بأنه ليس بوسعي أن ألفت انتباهم إلي أي حديثٍ أيّاً كان. سوف لن يكون لأي شيء أقوله أهمية تضاهي شغفهم بما تحدق فيه أعينهم!
لم يعد الصغار يسمعون إلى نصائح الكبار بعد أن أصبحت الشبكة العنكبوتية هي الناصح الأمين لهم.
باختصار، يعيش الإنسان المعاصر في عالمٍ وفيرٍ ماديًا لكنه فقيرٌ في الإحساس بالضآلة أمام الله.
لقد امتلك الإنسان حتى شعر أنه اكتفى، فظن أنه قد استغنى.

⚖️ رابعًا: الدعوة في زمن تضخم النخبة
في هذا الزمن، لم تعد الكبرياء حكرًا على الملوك، بل أصبحت صفة المواطن العادي.
لقد خرّجت الجامعات الآلاف، وكل خريج يحمل شهادته بيساره واستحقاقاته بيمينه.
فشهادة التخريج هي الشهادة لي بأني كامل!
فالجميع يناقش في كل شيء: في الدين، في الفلسفة، في الطب، في السياسة، في الاقتصاد.
وكلٌّ يعلن رأيه في دقائق، ويغلق الباب على أي نقاشٍ بعدها.
لقد أصبح لكل واحد منّا صنمٌ صغيرٌ، مصنوعٌ من عجوة، هو رأيه، القائم على انطباعه، ومزاجه، وهواه، وليس على البحث والتحليل.
لقد أدركتُ أن أكثر ما نحتاج إليه هو التواضع المعرفي.
أن نعلّم الناس أن أولى درجات العلم قولهم: “لا أعلم”.
فالجهل لا يُهزم بالجدال، بل بالسكينة والصدق، وبإحياء فضيلة الإصغاء.
لقد تغيّر شكل “الجاهلية” التي واجهها الأنبياء.
كانت الجاهلية الأولى تقوم على عبادة الأصنام، أما جاهليتنا فتكمن في عبادة الرأي.
كل واحد يرى في رأيه حقيقةً مطلقة.
ولهذا، فإن الداعي إلى فكرة لا يواجه “أمية شاملة” يسهل التعامل معها، بل يواجه ثقافة جزئية مشبّعة بالجهل والغطرسة.
ولا يحتاج الناس اليوم إلى من “يُعلّمهم”، بل إلى من “ينزع عنهم غرور العلم”.
الدعوة الحقيقية الآن هي دعوة إلى التواضع المعرفي قبل التواضع الأخلاقي.

🔑 خامساً: التواضع المعرفي شرطاً للنهوض
لا نهضة بلا تواضع؛ لأن كل إصلاحٍ يبدأ من الاعتراف بالخطأ.
وحين يُصاب العقل الجمعي بالاستعلاء، تُصاب الأمة بالجمود.
الاعتداد بالرأي خطوة ستقود إلى أخطر “رأي” في الوجود: “أنا خيرٌ منه.”
وما الدعوة إلى التواضع إلا إيعاز بالرجوع إلى أصل الدين: إلى الإسلام، أي الاستعداد للتسليم للحق.

إن علمنا فبما علّمنا الله، وإن جهلنا فمن أنفسنا.
المطلوب اليوم ليس المزيد من الخطابات، بل تربية على الوعي بالجهل.
أن نعلّم الناس أن المعرفة تبدأ من قول: لا أعلم.
ينبغي أن يكون شعار المصلحين الجدد:
“من ظن أنه يعلم فقد جهل، ومن علم أنه يجهل فقد بدأ يعلم.”
ولذلك يحدوني الأمل في أن تتحول الدعوة إلى التواضع إلى مشروع لإنقاذ الفكر من الغرق في متاهات الغرور.
فحين نُعيد الإنسان إلى حجمه الحقيقي، نستعيد معه معنى الإصغاء، ومع الإصغاء تعود إمكانية الهداية.

💡 سادسًا: الزبائنية الفكرية
ثمة نوع آخر من المقاومة لا يظهر في صورة خصومة، بل يتخذ صورة تأييد ومديح ولكنه يخلو من أي التزام.
ولعله أخطر من الرفض الصريح، لأنه يخدّر الضمير باتفاقٍ مراوغ.
كثيرًا ما يظهر بعضهم الحماس للفكرة، ويومئ برأسه مؤيداً، مبدياً الأسى لما آل إليه حال الناس، ولسان حاله يقول لصاحب الدعوة: “نحن معك، يا ليت الناس يفهمون ما تقول!”
غير أن هذا التأييد ليس إلا إيمانًا قشرياً بالفكرة.
قال لي أحد الأعزاء: لن يهدأ لي بالٌ حتى تصل دعوة التواضع إلى جميع الناس.
فقلت له: إن دعوة التواضع موجهة إلى الذات في المقام الأول. ومنذ ذلك اليوم ظل باله هادئاً إلى يومنا هذا.
يعتقد بعضهم أن إدراج نفسه ضمن “المؤمنين بالدعوة”، يعفيه من الالتزامٍ.
في زمن المصالح، هو يعتقد أنك بدعوتك إنما تريد المديح والتأييد.
فينتظر منك جائزة لأنه أيّدك ومدح فكرتك!
ولذلك فهو يريد منك، على الأقل، صكّ براءة.
هذا ما أسميه الزبائنية الفكرية:
أن يشتري الإنسان راحته الداخلية بكلمات الثناء، وأن يرشو صاحب الدعوة بعبارات الدعم حتى لا يُحاسِب نفسه.

قد يولّد الرفض الصريح للدعوة الحوار، أما التأييد الخالي من الالتزام فيقتل الفكرة بالموت الرحيم.
سابعاً: الدعوة إلى التواضع في زمن التفاهة
قال الفيلسوف الكندي آلان دونو إن التافهين قد حسموا المعركة لصالحهم، بفرض أنفسهم عبر مواقع التواصل والمنصات، وساد الابتذال والسطحية بدلاً من القيم والمبادئ السامية. لقد أصبحت المنظومة بكاملها تعلي من قيمة الغثاثة، وتقصي الإبداع والعمق. وأصبح التافهون رموزاً، وكلما بالغوا في التفاهة والإسفاف والبذاءة، ازدادوا شهرةً، وجماهيريةً، ونفوذاً، ومالاً.
فمن يا تُرى سوف يستمع إلى آذان التواضع وسط هذا الصخب؟
لقد أصبح القلم والمايك في أيدي أهل البذاءة والابتذال، وأصبحت الكلمة لمن في جيبه المال أو من في يده السلاح.
بيد أن سيادة حكم التفاهة هو أكبر مبرر للالتفاف حول مشروع التواضع، لأن التواضع هو الذي سينقذ القيم التي داس عليها نظام التفاهة.
🌱 ثامناً: لا أحد يتهم نفسه
اتهام النفس يقود إلى إصلاحها.
لكن كيف تصلح من لا يحس أنه بحاجة إلى إصلاح؟
كيف يعالج الطبيب مريضاً يظن أنه في كامل صحته؟
كان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يخشى أن يكون من المنافقين.
أما نحن اليوم فلا أحد يخشى أنه ربما يكون من المستكبرين!
سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حذيفة بن اليمان (صاحب سر النبي ﷺ في المنافقين) قائلًا: “بالله أنا منهم؟” (أي من المنافقين). أجابه حذيفة: “لا، ولن أخبر أحداً بعدك”.
يعكس هذا السؤال شدة خوف عمر رضي الله عنه على نفسه من النفاق، رغم كونه من المبشرين بالجنة!
أما نحن، فإننا متواضعون تماماً، إلى درجة أننا “فخورون” بتواضعنا!
🕊️ خاتمة: الخروج من كهوف الغرور إلى فضاء التواضع
لقد أدركت أن الناس اليوم لا ينقصهم الذكاء، وأنّهم محاصرون بما يملكون، لا بما يجهلون.
أبواب قلوبهم موصدة لا تسمح لشعاع الحق بالدخول.
ولهذا، فإن الطريق إلى الإصلاح لا تمر عبر الإصرار على إقناعهم، بل عبر إيقاظهم من وهم الاكتفاء.
حين يتعلّم الإنسان أن الإصغاء عبادة، وأن الاعتراف بالجهل علم، يمكن للدعوة أن تزهر ثم تثمر، فيسري الدم في جسد الأمة.
فالتواضع المعرفي هو أول الفتوحات، لأنه يفتح باب القلب بعد أن أُغلقه الاعتداد بالرأي.


حين لا يسمع الناس صوتك من شدة الضجيج، دعهم يشاهدون صمتك.
اصمتْ حتى يعلو ضجيج صمتك على صمتِ ضجيجهم!
ما أبلغ صوت الصمت في خضم الضجيج!
وإنَّ في الصمتِ لكلاماً يسمعه الأصم والسميع!


عش ما تريد أن تقوله ولا تقل ما تعيش.
إذا أردت أن تصل إلى الناس، دعهم يروا فيك أثر ما تقول، لا صوت ما تقول.
ففي هذا المناخ الذي وصفناه، لا تنجح الدعوة بالخطاب المباشر،
لأن الكلام يُقابَل بالكلام.

اصمتْ أنت، ودع بضاعتك تتحدث عنك.

لا يقتنع الناس بالمنطق، لكنهم يُسلمون أمام المثال.
فحين يرون فيك طمأنينةً وسلامًا واتزانًا، سيدركون أن وراء دعوتك حقيقة أكبر.
في زمن تضخم الآراء، تحتاج الدعوة إلى لغة صامتة:
سلوك، وحضور، واتساق، وصدق.
لا تقل لهم “اسمعوني”، بل اصمت، فلعلّهم يصمتون قليلاً ليسمعوا صمتك.


لا أعني أنني سأتوقف عن الكلام، أو أتوقف عن الكتابة.
كلا.
ولكني سأفعل ذلك بصمت في خضم الضجيج.
وإنني على يقينٍ أنه ما من ضجيجٍ يعلو إلى الأبد،
وأن صوت الحقيقة — وإن كُتِم — يبقى خالدًا في فطرة الإنسان،
ينتظر فقط أن يخرج الإنسان من كهوف الغرور إلى فضاء التواضع.

elrayahabdelgadir@gmail.com

عن الريح عبد القادر محمد عثمان

الريح عبد القادر محمد عثمان

شاهد أيضاً

النفس نفسان والأشياء ثلاثة يا ياسر العديرقاوي

النفس نفسان والأشياء ثلاثة يا ياسر العديرقاويضرورة الضبط اللغوي حتى لا ينقلب التنزيه إلى تعطيل …