موت مؤرخٍ وبقاء أثرٍ
الأستاذ الدكتور عز الدين عمر موسى (1936-2026)
أحمد إبراهيم أبوشوك
(1)
حين غادر الأستاذ الدكتور عز الدين عمر موسى السودان بعد ثلاثة أشهر من اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023، لم يكن خروجه مجرد رحلة علاج أو انتقال اضطراري إلى معسكر نزوحٍ، بل كان أشبه بوداع موجع لوطن أحبه وأفنى عمره في خدمة تاريخه وأهله وطلابه. ومن نيويورك كتب رسالة مؤثرة تنبض بالشوق والألم، خاطب فيها أهل السودان جميعاً قائلاً: “بقيت بينكم الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب صامداً مثل صمودكم، غير أن الجسم ضعف، ووهن عظمه، وقلَّ لحمه، والعمر إلى التسعين يركد مسرعاً فتهاوى عزمه، واستثار أمراضًا قديمة وأخرى مستحدثة جديدة غير يسيرة. وحُملت شبه جثة خامدة إلى نيويورك في رحلة عصيبة زادت الأمراض مرضاً على مرض.”
ثم عاد في الرسالة نفسها ليكشف عن أصدق ما كان يختلج في نفسه من أمنيات، فقال: “والحمد لله وبفضله واستجابته لدعواتكم تحسنت صحتي كثيراً… وددت أن أظل بينكم وأموت عندكم، والأعمار بيد الله، وأُقبر في أرضنا الطاهرة الفيحاء”. كانت كلمات رجل أنهكته السنون وأوجعته محنة الوطن، لكنه ظل متعلقاً بالسودان حتى آخر لحظة، يتمنى أن تكون خاتمة رحلته بين أهله وعلى ترابه.
غير أن مشيئة الله جاءت على غير ما تمنى، فالأعمار بيده سبحانه وتعالى، ولا تدري نفس بأي أرض تموت. وفي فجر هذا اليوم، الأحد 21 يونيو 2026، وصلتني الرسالة الحزينة من الأخ الدكتور الصديق عمر الصديق، تحمل نبأً أليماً هزَّ أركان قلبي، جاء فيها: “توفي في ساعة متأخرة من ليل أمس بأمريكا العالم الجليل البروفيسور عز الدين عمر موسى، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه الفردوس الأعلى مع الصديقين والشهداء والصالحين. ولا حول ولا قوة إلا بالله. أحسن الله عزاءكم معشر المؤرخين”.
برحيل البروفيسور عز الدين عمر موسى لا يفقد السودان مؤرخاً فحسب، بل يفقد علماً من أعلامه الفكرية والأكاديمية، ورمزاً من رموز جيله الذي حمل همَّ المعرفة، وكرّس حياته للبحث والتدريس وخدمة التاريخ الإسلامي والأفريقي. لقد رحل الجسد بعيداً عن الوطن الذي أحب، لكن سيرته العلمية الزاخرة، وآثاره الفكرية الباقية، ستظل شاهدة على حياة حافلة بالعطاء، وستبقى ذكراه حية في وجدان تلاميذه ومحبيه، وفي صفحات التاريخ التي أفنى عمره في قراءتها وكتابتها، وفي مركز العز بن عبد السلام للدراسات العربية الإسلامية الأفريقية، الذي أسسه عام 2005.
(2)
من هو عز الدين عمر موسى؟
وُلد عز الدين عمر موسى في جزيرة توتي عام 1936، ونشأ في أسرة عُرفت بالعلم والصلاح. وبعد إكمال تعليمه الثانوي في السودان، هاجر إلى لبنان، حيث التحق بالجامعة الأمريكية في بيروت، فنال درجة البكالوريوس في التاريخ الإسلامي، ودبلوم التربية عام 1962، ثم حصل على درجة الماجستير في التاريخ الإسلامي (تاريخ المغرب الإسلامي) عام 1969، وأعقبها بنيل درجة الدكتوراه في التاريخ الإسلامي عام 1975. وقد جاءت أطروحته للدكتوراه بعنوان: “النشاط الاقتصادي في الغرب الإسلامي خلال القرن السادس الهجري”، وهي الدراسة التي شكّلت لاحقًا أحد أبرز إسهاماته العلمية.
وبعد حصوله على درجة البكالوريوس، عمل مدرسًا لمادة التاريخ في المدارس الوسطى والثانوية بالسودان خلال الفترة (1958–1966)، جامعًا بين العمل التربوي ومواصلة تحصيله الأكاديمي. وبعد نيله الدكتوراه، عمل مساعد تدريس بالجامعة الأمريكية في بيروت، ثم انتقل إلى جامعة أحمدو بِلُّو بنيجيريا، حيث عمل خلال الفترة (1972–1983)، وتدرج في السلك الأكاديمي حتى نال رتبة الأستاذية في التاريخ الأفريقي عام 1983.
وفي عام 1984 التحق بقسم التاريخ في جامعة الملك سعود بالرياض أستاذًا للتاريخ الإسلامي، وقضى فيها خمسةً وعشرين عامًا حافلة بالتدريس والبحث العلمي والإشراف الأكاديمي. واختتم مسيرته الأكاديمية في المملكة العربية السعودية بتوليه منصب عميد كلية الدراسات الاستراتيجية بجامعة الأمير نايف العربية للعلوم الأمنية، قبل أن يعود إلى السودان في مطلع العقد الثاني من الألفية الثالثة، مواصلًا عطاءه العلمي والفكري في خدمة وطنه ومجتمعه.
(3)
ونذكر من مؤلفاته العملية:
- وَفَيات الأعيان لابن خَلِّكان، الجزء 8، الفهارس العامَّة، بالاشتراك مع وداد القاضي، بيروت: دار الثقافة، 1972.
- المغرب: دولة الموحِّدين والدول التي بعدها من القرن الثاني عشر إلى القرن السادس عشر الميلاديين، (بالإنجليزية)، بالاشتراك مع عثمان سيِّد أحمد إسماعيل، في الأطلس التاريخي لإفريقيا، تحرير: كرودرر و ج ف. آجاي لاغوس، لندن: لونغمان ، 1981.
- دراسات في تاريخ المغرب الإسلامي، دار الشروق بالقاهرة، 1983.
- النشاط الاقتصادي في المغرب الإسلامي في القرن السادس الهجري، القاهرة: دار الشروق، 1983.
- ابن سعد وطبقاته، بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1987.
- الموحِّدون في الغرب الإسلامي تنظيماتهم ونظمهم، بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1991.
- دراسات إسلامية عن غرب إفريقية، سلسلة بحوث تاريخية، الجمعية التاريخية السعودية بالرياض، 1999.
- دراسات إسلامية غرب إفريقيَّة، بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1999.
- الخطاب الثقافي العربي بين الماضي والمستقبل، عمَّان: مؤسسة عبد الحميد شومان ، 2001.
- وقفات منهجية مع المفاهيم والمنظور والأساليب، بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2003.
(4)
مركز العز بن عبد السلام: الأثر الباقي
فاز الأستاذ الدكتور عز الدين عمر موسى بجائزة الملك فيصل العالمية عام 2003 عن كتابه “النشاط الاقتصادي في المغرب الإسلامي في القرن السادس الهجري”، وهو عمل علمي تميّز بالدقة المنهجية والموضوعية الرصينة، مما جعله مرجعًا لا غنى عنه للباحثين والمهتمين بدراسة الحياة الاقتصادية في المغرب الإسلامي. كما جاء هذا التكريم تقديرًا لعطائه العلمي الممتد لعقود طويلة في مجالات التأليف والتدريس والإشراف الأكاديمي والمشاركة الفاعلة في الملتقيات والمؤتمرات العلمية.
ولم يقف أثر الجائزة عند حدود التكريم الشخصي، بل سعى الأستاذ عز الدين إلى توظيف ريعها في خدمة العلم والمعرفة، فأسس مركز العز بن عبد السلام للدراسات العربية الإسلامية الأفريقية بمدينة الخرطوم بحري (شمبات)، عام 2005. ومنذ تأسيسه ظل المركز أحد المنارات المعرفية الرائدة في مجالات الثقافة العربية والإسلامية والأفريقية، ومنبرًا للحوار الفكري ومعالجة القضايا السودانية، فضلًا عن دوره في تكريم العلماء البارزين في حقل الدراسات العربية والأفريقية الإسلامية. ومن بين من حظوا بهذا التكريم الأستاذ الدكتور يوسف حسن فضل، الذي نال جائزة العز بن عبد السلام للعلوم والثقافة والعمل الإنساني (2014).
ألا رحم الله الأستاذ الدكتور عز الدين عمر موسى بقدر ما قدّم لوطنه وأمته من علمٍ وعطاء، وجزاه خير الجزاء على ما خلّفه من إرث علمي ومؤسسات معرفية باقية الأثر، وأسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
ahmedabushouk62@hotmail.com
