د. عمرو محمد عباس محجوب
فيما يلي مقال تحليلي فكري، يتناول سؤال العقل والأخلاق في الحرب السودانية، ويُفكّك استخدام مفهوم «الدعارة» بوصفه توصيفًا أخلاقيًا–سياسيًا لسلوك فئات تساند الاعتداء الخارجي والمليشيا، دون انزلاق إلى خطاب تحريضي أو لغوي فجّ، بل ضمن إطار نقدي فلسفي–سياسي واضح:
الحرب بوصفها اختبارًا للعقل والأخلاق: ليست الحرب السودانية مجرّد صراع مسلح على السلطة، بل هي امتحان تاريخي للعقل الجمعي والأخلاق السياسية للنخب والمجتمع. ففي لحظات الانهيار الكبرى، لا يُقاس الموقف بما يُقال عن السلام أو الإنسان، بل بما يُبرَّر من عنف، وما يُسوَّغ من تحالفات، وما يُسكَت عنه.
العقل هنا ليس ذكاءً تكتيكيًا ولا قدرة على المناورة الخطابية، بل هو: القدرة على التمييز بين الدولة والفوضى وبين النقد المشروع والاصطفاف مع مشروع تدميري وبين معارضة السلطة والقبول بانهيار الكيان الوطني. أما الأخلاق، فليست شعارات إنسانية عائمة، بل موقفًا عمليًا من الدم، والسيادة، وحق المجتمع في البقاء.
انكسار العقل: من النقد إلى تبرير التدمير: في الحالة السودانية، شهدنا انزلاق فئات من النخب والناشطين من نقد الدولة والجيش (وهو حق مشروع) إلى تبرير المليشيا أو الاعتداء الخارجي، بدعوى: العداء للعسكر” ورفض الدولة القديمة” وتفكيك المركز” أو “نصرة الهامش”
هذا الانزلاق لا يمكن تفسيره بالعاطفة فقط، بل بـتعطيل متعمّد للعقل التحليلي: تجاهل طبيعة المليشيا كقوة لا مشروع وطني لها وإنكار علاقتها العضوية بأجندات خارجية والقفز فوق سجلها في القتل والاغتصاب والتطهير الاجتماعي والتعامل مع الدولة كشرّ مطلق، والفوضى كتحرير. هنا لا يعود العقل أداة للفهم، بل وسيلة لتبرير ما لا يُبرَّر.
الأخلاق المُعطَّلة: الإنسان كشعار لا كقيمة. الأخطر من تعطيل العقل هو تفكيك الأخلاق نفسها. فكثير من الخطابات التي ترفع راية “الإنسان” و“حقوق الضحايا” تمارس في الواقع: صمتًا انتقائيًا عن جرائم المليشيا وتبريرًا غير مباشر للقتل إذا كان “ضد العسكر وإنكارًا لضحايا المدن والقرى إذا لم يخدموا السردية المطلوبة. الأخلاق هنا تتحوّل إلى أداة انتقائية: ضحية “صالحة سياسيًا” تُبكى وضحية “غير صالحة” تُهمَّش أو تُدان ضمنًا وهذا ليس فشلًا أخلاقيًا عارضًا، بل انهيار بنيوي في منظومة القيم.
الدعارة السياسية»: المفهوم لا الشتيمة: استخدام مفهوم «الدعارة» في هذا السياق لا يُقصد به السبّ الأخلاقي أو الوصم الشخصي، بل توصيف سلوك سياسي–ثقافي محدد له خصائص واضحة: الدعارة السياسية تعني: بيع الموقف الأخلاقي لمن يدفع أو يحمي أو يوفّر منصة وتسويق خطاب إنساني لخدمة قوة تدميرية وتبديل المواقف حسب التمويل، الإقامة، أو رضا الدوائر الخارجية وتحويل المأساة الوطنية إلى “رأس مال رمزي للاستهلاك الدولي. هي ليست خطأ فكريًا فقط، بل استباحة واعية للمعنى: حيث يصبح الدم مادة خطاب والخراب فرصة شهرة والاحتلال أو الوصاية “حلًا مؤقتًا”
الاعتداء الخارجي: ذروة السقوط الأخلاقي: تبرير أو الترحيب بالتدخل الخارجي – سياسيًا أو عسكريًا – تحت أي مسمى (حماية المدنيين، الوصاية الدولية، كسر الجيش…) يمثّل: سقوطًا نهائيًا لفكرة السيادة وإنكارًا لتجارب التاريخ في ليبيا والعراق واليمن واستعدادًا لتسليم المجتمع لقوى لا ترى فيه سوى مورد أو ساحة صراع
هنا تبلغ الدعارة السياسية ذروتها:
حين يُقدَّم الوطن قربانًا لـ”قضية” بلا أفق أو لـ”عداء” أعمى للدولة مهما كانت بدائلها أسوأ.
الخلاصة: لا حياد أخلاقي في لحظة الانهيار وفي لحظات كهذه: الحياد وهم و”كلهم سواء” كذبة مريحة ورفض الدولة لا يبرر التحالف مع الفوضى. العقل الحقيقي هو من يرى التعقيد دون أن يساوي بين الدولة والمليشيا.
والأخلاق الحقيقية هي التي تنحاز لحق المجتمع في البقاء، لا لخطاب أنيق يجمّل الخراب. الحرب السودانية ليست فقط معركة سلاح. بل معركة معنى: هل نملك عقلًا يحمي الوطن، وأخلاقًا لا تُباع؟
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم