مَدْرسة مغشوشة ! .. بقلم: شاذلي جعفر شقَّاق
19 مارس, 2015
منشورات غير مصنفة
28 زيارة
Jou_shagag@hotmail.com
من مصطلحطات الطُلاَّب أيام الإمتحانات (البخْرة) والتي كانت في البدء قصاصةَ ورَقٍ صغيرةٍ ذات أحرُف تكاد تُرى بالعين المجرَّدة يغشُّ بها الطالب أو يسرِّب بها معلومة معيَّنة إلى داخل حجرة الإمتحان فيتحيَّن غفلة وانشغال عين الرقيب ليُدرجها في ورقة الإجابة !
وقد تطوَّرتْ (ألبخْرة) بالطبع وتشكَّلتْ حرباءات حِيَلها ،سيَّما مع الفتوحات التقنيَّة التي اعتمرتْ العالم ،لتُصبحَ دلاتها الآن وإن اختلفتْ أساليبها ،أيَّ فعلٍ غير مشروع يحقِّق الإجابة دون المقدرة الذاتية والاستعداد الذهني المُسبَق أو من خارج ذاكرة الطالب البيولوجيَّة !
ولأنَّ الغِشَّ والتلصُّص َ واستراق السَّمْع والبصَر ، ولا جدوى الرقيب الذاتي داخل الكثير من النفوس البشريَّة من متلازمات هذه الحياة الدنيا ،الضاربة في القِدَم قِدَم الإنسان نفسه ؛ فقد تحسَّبتْ فطنة العدْل السويَّة من باب التوقُّع والحيْطة والحذر إنصافاً لمبدأ الأمانة والعدالة وتحقيقاً لقيمة أنَّ لكُلِّ مجتهدٍ نصيب وأنَّ مَن طلَب العُلا سهر الليالي ومَن كدَّ وَجَد!
لذلك أجمع العالم كلُّه لوضْع لوائح ونُظُم إدارية صارمة ورقابة لصيقة للطلاَّب المُمْتَحَنين لإعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه دون أ، يجني مُخادعٌ جهْدَ زارعٍ أو يشرب متواكلٌ عرَق مثابرٍ مُساهر !
ورغم ذلك لم تمُر امتحانات أيِّ مرحلة من المرحل الدراسية إلاَّ وضُبطتْ فيها مثل هذه الحالات لتتمَّ معالجتها وفق قوانين أكاديمية إدارية تربوية ، ولكن عندما يصدر الغشُّ عن المؤسَّسة التربوية نفسها فذلك أمرٌ أدٌّ وعارٌ ليس بعده عار ؛ إذْ كيف يستقيم العودُ والظِلُّ أعوج ؟!
أقول هذا وقد وافتنا صحافة الثلاثاء أول من أمس ، وهو ثاني أيام انتظام امتحانات الشهادة السودانية بالبلاد ، وافتنا بفضيحة يندي لها الجبين ويشيب لها الولدان ويُقام – إزاءها- على التربية والتعليم مأتماً وعويلا !بل يُدقُّ آخر إسفين على نعْش الضمير الإنساني المتقمِّص دور التربويين وأخلاق القابضين على مِقْود التعليم أو قُل التأليم !
وفحوى الخبر أنَّ مدسة (الريَّان) الثانوية بمنطقة (الدخينات) جنوب الخرطوم فبركتْ امتحاناً وهميَّاً لمادة (القرآن الكريم) فتأمَّل التزوير والانتحال اقترنا متلبِّسين بمادة الذكر الحكيم ،امتحاناً من أرشيف الأعوام الماضية أعدَّته هيئة تدريس هذه المدرسة وهو بالطبع غير الموضوع من قِبَل وزارة التربية والتعليم لهذا العام حسبما اكتشف الطلاَّبُ وأولياء أمورهم الأمر بعد انتهاء الجلسة !
وذلك لأنَّ المدرسة لم تكن أصلاً مسجَّلةً بوزارة التربية والتعليم بولاية الخرطوم ، وبالتالي كانت أرقام الجلوس أيضاً وهميَّة ..ممّا يعني أنَّ المدرسة والامتحان وأرقام الجلوس والمعلمين الذين لاذوا بالفرار بعد اكتشاف أمرهم جميعها لم تكن سوى كذبة كبرى انطلتْ على الطلاَّب وأولياء أمورهم الذين اقتطعوا من صحَّتهم وراحتهم وقوت أولادهم لدفع مستحقَّات المدرسة الوهميََّة !
ما هذا الذي يحدث في بلادنا وفي عقر عاصمتها ، وفي أيِّ صرحٍ ؟(وزارة التربية والتعليم ) ، وفي امتحانات الشهادة السودانية ، هل أصبح النصب والاحتيال على مرأى ومسمع من الناس وضحَ النهار ؟وعلى حساب مستقبل فلذات الأكباد ؟ وبهذا الاستهتار والتلاعب واللا مُبالاة بأسلوب أقل ما يوصَف به أنه غباء وسذاجة ورعونة لا تليق بأحقر (نشَّال) في موقف مواصلات عامّة ؟
دعونا نذهب في اتجاه تفكير هؤلاء النصابين ..كيف تجرأوا على هذه الحماقة التي بلا أدنى شك توردهم موارد الهلاك ، وافتضاح أمرهم إن عاجلاً أو آجلاً أوضح من الشمس في رأد الضُحى ؟ هل يعود ذلك إلى غباءهم حقَّاً أم للطمأنينة المبالغ فيها من عدم الرقابة والمتابعة وترْك الحبل على الغارب من لدُنّ الوزارة بصفة خاصة والمسؤولين عن شؤون البلاد بصفة عامة ؟!
حسناً ،هَبْ هذه المدرسة داراً لحزبٍ غير مُوالٍ ، أو منتدىً ثقافيٍّ مُستنير ؟ أو نادٍ معرفيٍّ مُستقلٍّ ؟أو حتى (طبليَّة) في سوق (أم دفسو) أو راكوبة ست شاي على قارعة الطريق ، هل كانت ستخطئها عين التصاديق والجبايات والرسوم الدوريَّة من قِبَل المحليَّة ؟؟!!
صحيحٌ أن وزارة التربية والتعليم بولاية الخرطوم – حسبما أوردت صحافة أمس الأربعاء- قد أقرَّت بالحادثة المُخجلة أعلاه على لسان وزيرها د. عبد المحمود النور وتبرَّأتْ من من معلمي المدرسة المعنيَّة ، بل ووصفتْ الحادثة بأنها : (أكبر من كونها مجرد احتيال ، بل هي جريمة ضدَّ الدولة والمجتمع ، لأنها ضررها يمس مؤسسات الدولة والطلاَّب والمجتمع وسمعة المعلم والتعليم ) !
ولكن هل يكفي اعتراف المسؤولين بهذه الجريمة التي تتجاوز آثارها المعالجات الوقتية لتوفيق وضع الطلاب المتضريين مادياً وأكاديميَّاً ونفسيَّاً وهذا الأخير ينعكس بلا شك على المستوى العلمي للطلاب في بقية المواد إن لم يكن في مُقبل الأيام ؟ هل التشخيص وحده يُداوي مثل هذا الداء العُضال أو بوصفة (المسح على الوبَر) بِنِية إجراءات مراجعة المدارس الخاصة ؟بينما الجُرح يتقيَّح في أعماق عملية التعليم برُمَّتها إلى درجة أن تنشئ عصابةٌ ما مدرسة وتتخذ لها مركزاً للامتحان وأرقام جلوس وكنترول ومراقبين وكل متطلبات مركز الامتحان ، من الباب إلى الحزانة وقيل التفكير في إعداد شهادات سودانية ! كل هذه الأشياء وهميَّة !!!!بربِّكم ماهو الفرق بين الوهم -الريبة و الحقيقة -اليقين ؟!
فيا قوم لقد أصبحت (البخرة) الصغيرة التي يدسّها الطالب في (حزَّته) أو (كَمَر) بنطلونه – هذا العام بحجم مدرسة كاملة لا يدسّها ولا يخجل منها أدعياء مدرِّسون وتربويون مُناط بهم غرس العلم والأخلاق الفاضلة في هذه النفوس الطريَّة ، لا أنْ تصبح العملية التربوية كلَّها في خبر (كان) المنصوب في البيت الشِّعريِّ الشهير :
إذا كان ربُّ البيتِ بالدُّفِّ ضارباً ** فشيمةُ أهلِ البيتِ كلِّهمِ الرقْصُ !
////////////