مختار العوض موسى
في الدول العظيمة الفتية الساعية إلى بناء مؤسسات قوية متينة قادرة على الصمود أمام أي تحديات، لا يُقاس المسؤول في أي وزارة فيها بطول بقائه في المنصب، وبأرصدته في البنوك العالمية؛ وإنما بما يحققه من إنجازات وطنية تحكي عن نفسها، وبقدرته على مغادرة موقعه في الوقت المناسب دون أي ضجيج؛ ودون أن يختلق أي أسباب تشرعن له بقاءه إلى الأبد في كرسي الوزارة. فالمناصب العامة ليست ملكاً شخصياً، ولا إرثاً يُورَّث، وإنما تكليف مؤقت لخدمة الوطن والمواطنين.
من المؤسف في بلادي لا زال بعض المسؤولين يتشبثون بكراسي السلطة وكأنها حق مكتسب لا يجوز المساس به، فيقاومون التغيير ويضيقون المجال أمام الكفاءات الوطنية القادرة على تقديم رؤى جديدة وحلول مبتكرة للتحديات المتراكمة. وهنا يبرز السؤال المشروع: إذا كان هؤلاء يملكون رصيداً من الخبرة والإنجاز، فلماذا يخشون الرحيل؟ ولماذا يساومون على البقاء؟ فالمسؤول الواثق من نفسه ومن عطائه يدرك أن قيمة الإنسان لا تُستمد من المنصب، بل من أثره؛ ويعلم أن تداول المسؤوليات وتجديد الدماء الإدارية من أهم شروط نجاح الدول الحديثة. أما تحويل المواقع التنفيذية إلى حصون شخصية، فإنه يضعف المؤسسات ويعطل فرص الإصلاح ويبعث برسالة سلبية للأجيال الجديدة بأن الكفاءة أقل أهمية من التمسك بالموقع. أمثال هؤلاء يتشبثون بالمقاعد الوزاية؛ وكأنها ملك لهم ولا يتيحون المجال لكفاءات تكنوغراط لإدارة شؤون البلاد ..ما يدفعنا للتساؤل : ألا يملكون ثمن الرحيل بدلا من المساومة على البقاء في مكان لم يتركوا فيه أثرا للبقاء.
إن الوطن أكبر من أي منصب، والدولة أبقى من أي مسؤول، والكفاءات الوطنية لا تنضب. ولذلك فإن من يملك حقاً “ثمن الرحيل” يمتلك أيضاً شجاعة المغادرة عندما تقتضي المصلحة العامة ذلك، تاركاً المكان لمن قد يكون أقدر على العطاء في المرحلة المقبلة. فالتاريخ لا يخلّد الذين بقوا طويلاً في المقاعد، بل الذين عرفوا متى يجلسون ومتى ينهضون.
المتشبثون بالكرسي نسوا أنه “دوار” ومن تمسك به أعمته أضواؤه عن البقاء فيه طويلا وحتما سيسقط..خاصة أنهم كانوا بمعزل عن المعاناة الحقيقية للمواطن؛ ولم ولن يكون بقاءهم ضمانا لإدارة شؤون البلاد في ظروف الحرب والعبور بها إلى بر الأمان في ظل الظروف الأمنية البالغة التعقيد فيه.
فليتذكروا أن الرحيل عند اكتمال المهمة فضيلة، أما المساومة على البقاء فغالباً ما تكون اعترافاً ضمنياً بالخوف من اختبار الحياة خارج المنصب.
والله من وراء القصد
mokhtaralawad@gmail.com
