مُجــــــــتَبى ..! .. بقلم: منى أبوزيد

“يا أيتها النفس المطمئنة. ارجعي إلى ربك راضية مرضية. فادخلي في عبادي. وادخلي جنتي” .. الآية (30) – سورة الفجر ..!
شاءت إرادة الله، ثم رغبة والدينا، أن نقضي طفولتنا وصبانا وبعض شبابنا مغتربين، مقيمين في مدينة الرياض بالسعودية، وفي العام 1988م حضرت أسرتنا الصغيرة إلى السودان لقضاء عطلة العام الدراسي بين أهلنا وجيراننا، في مسقط رأسنا بمدينة عطبرة .. في تلك الأيام استقبلت أسرتنا الصغيرة والكبيرة حدثاً سعيداً، حينما وضعت أمي ـ التي تعثرت ولادتها كثيراً ـ أصغر أشقائي .. وبعد قليل من الشورى وكثير من المرح أسميناه (مجتبى) ..!
فارق العمر الذي يجاوز الجيل بيننا أهداني أمومة مبكرة، ظللت أعيشها معه في كل لحظة من عمره، منذ ولد وتربى بين يدي، وحتى أصبح رجلاً خلوقاً، شهماً، كريماً، وطبيباً ماهراً تسبق إنسانيته المشهودة إخلاصه وتفانيه في معاملة المرضى .. لكنه ظل في عيني دوماً كما هو، صغيري .. وابني الحبيب الذي تسبق أمومتي أُخوَّتي في معاملته ..!
تربى (مجتبى) على يدي والدين كانا من خيرة المربين المنتمين إلى سلك التربية والتعليم في بلادي، وترعرع في أسرة تعول في نهوضها بكل شأن على مبادئ الإسلام ومكارم الأخلاق .. نشأ على مذهب أهل السنة والجماعة، وعلى نهج الوسطية التي تقف على مسافة نبيلة، مقدرة من كل التيارات .. تربى على يد والد يحفظ القرآن الكريم بقراءاته، وتفسيره، وتحت جناح أخٍ أكبر، حفظ القرآن كاملاً قبل أن يبلغ الحلم ..! 
حفظ (مجتبى) أكثر من عشرين جزءاً من القرآن الكريم، قبل أن يدخل الجامعة، ثم التحق بكلية الطب التي تخرج فيها، ثم أكمل فترة الامتياز والخدمة الإلزامية بنجاح .. كان شاباً دمث الخلق، عفيف اليد واللسان، عزيز النفس، كبير القلب، شديداً في الحق، يوقر الكبير، يعطف على الصغير ويستوصي بجميع النساء خيراً .. .. ابناً باراً بوالديه .. حادباً عليهما .. وأخاً حنوناً نبيلاً .. وصديقاً صدوقاً لأصدقائه وأخاً نبيلاً لزميلاته ..!
عندما كثر حديث الإلحاد بين بعض الشباب، كان أكثر زملائه عزيمة واجتهاداً في مناظرة الملحدين، مدفوعاً بغيرة شديدة على الإسلام، متسلحاً بفهم عميق للدين، يفوق سنوات عمره الغض، ويسبق أبناء جيله  بكثير..! 
فجر الجمعة السادس والعشرين من ديسمبر الماضي .. اجتباه الله فأسلم الروح وانتقل إلى جوار ربه قبيل صلاة الفجر التي كان يحضرها مع الجماعة في المسجد .. ولا نقول إلا ما يرضي الله .. رحم الله ابني وشقيقي (مجتبى) رحمة واسعة، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء، وألهمنا ووالدينا وذوينا جميل الصبر وحسن العزاء ..!
نشكر كثيراً جميع الأهل والجيران والأصدقاء والزملاء والآباء والأمهات والإخوة والأخوات الكرام، الذين هرعوا إلى مواساتنا في مصابنا الجلل .. لا أراهم الله مكروهاً أبداً .. وجزاهم الله عنَّا كل خير .. وندعو الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا بفقيدنا الحبيب في الفردوس الأعلى من الجنة .. إنه ولي ذلك والقادر عليه ..!

munaabuzaid2@gmail.com
/////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً