وَرَدَ في المعاجمِ اللغوية : الغلطُ أن تعيا بالشيء فلا تعرف وجه الصواب فيه و زادوا عليه أن يصاحب ذلك عدم التعمُّد، فنقول غَلِط فلان في المنطق أو في الحساب أي أخطأ و لم يعرف و جه الصواب ، و تجمع الكلمة على أغلاط و مصدرها مغالطة. لغوياً يختلف الغَلطُ عن الجِدال و المجادلة ، فأصلُ الجَدل ألإمعان في الخصومة و تخريجاتها جَادَل ، جِدْال و مُجْادلة ، و فيها يحرص المحاورُ أن ينتصر لحجته على خصمه دون أن تكون بُغْيتِه الوصول إلى هدفٍ مشترك أو حقيقة خالصة ، و هى من الأمور المنهي عنها فى الدين وعلوم المنطق. تضاف إلى لغة المحاورة كلمة حُجْة و جمعها حُجْج وهي الدفع بالدليل و البرهان و هي لا يجب أن تخلط بمعنى الحِجا و تعني العقل و المنطق كما أورد الشاعرُ في شطرِ بيته: لساني حَصاةُ يقرعُ الجهلَ بالحِجا .
المنطقُ هو الوصول إلي الحقائق عن طريق الاستدلال السليم باتباع قواعد و مناهج البحث العلمي الصحيح ، يُعرّف علمُ المنطق بأنه علم التفكير الصحيح عبر طريق الاستدلال القويم . قديماً ارتبط علمُ المنطقِ بالفلسفة ، فقد شَغُف الفلاسفةُ بعقلانية الوصول إلي الحقائق عن طريق المنطق ، حديثاً صار المنطق أشمل و أكمل فهو أساس معظم الحقائق البشرية و منهج وطريق العلوم القياسية و التطبيقية بما فيها تكنولوجيا المعلومات . من الممكن تطبيق قواعد المنطق في كل نواحي الحياة اليومية من معرفة ، ثقافة ، أخبار ، حوار ، تغذية ، صحة ، علاج، تسلية و تَسوّق.
في كتابه العالمي ” البجعة السوداء ” ، لخّص العالِمُ و الفيلسوف الأمريكي اللبناني الأصل نسيم طالب ، أفكاره في مَنهجين : أولاً مفهوم البجعة السوداء و فيها ينبه بما أن معظم البجع أبيض و يندر رؤية غيرها فلا يجب القطع بغير ذلك ، فالمهارة كيف نمنع مفاجآت رؤية البجعات السوداوات ، و يشير بها للتحسب للمخاطر في كل إتجاهات الحياة باتباع موجبات الحذر، يأتي تحذيره كمتخصص في علوم إدارة المخاطر المالية . ثانياً ركّز الكاتب أيضاً على أهمية التفكير و الحُكم المُتْزِن الذي يخلو من المغالطات ، لأهمية المنهج في الحياة العملية و الدنيوية سنسهب في و صفه لما فيه من فائدة ثقافية و فكرية عظيمة .
ترجمة صحيحة مطابقة للمعنى بصورة شاملة و لكن كلمة مغالطة هي الأقرب للمعنى. Fallacy يَصْعُب ترجمة الكلمةِ الانكليزية يقوم المفهوم على الوصول إلي نتيجة أو استنتاج غير صحيح باستخدام حجة ضعيفة وأسباب واهية عند الحِوار و النِقاش أو عند العرض أو الحصول على المعلومات ، و المغالطة إذا كانت تقوم على أدلة و براهين غير سليمة فإنها غالبا ما تقود إلى نتائج خاطئة أو قد تقوم علي حُجة سليمة لكنها تنتهي إلى إستنتاجات و نتائج خاطئة. و المغالطة قد تكون دون تعمد في معظم الأحوال و لكنها قد تكون نتاج تخطيط مسبق و ذرائع للتكسبِ من مردودها على كافة المستويات. و المفهوم مفهوم قديم في علم المنطق و الفلسفة كما أكتشفت ، حيث كان الفيلسوف الإغريقي أرسطو أول من وضع لبنات هذا المفهوم بتصنيف ثلاثة عشر نوعاً من المغالطات سرعان ما أضاف لها علماءُ الفلسفةِ و المنطق الكثير عبر الحقب الزمنية المختلفة حتى فاق عددُها المئتين في الوقت الراهن.
لإعطاء مثالٍ على مخالفةِ المغالطة للمنطق ، بيّن الكاتب نسيم طالب أن عدم ترابط المعلومات كثيراً مايقود لاستنتاج حُجة لا تنبع بالضرورة من المعطيات، و ضرب لذلك مثلاً أنه إذا كان معظم الإرهابيين – أوالتروعيين كما أشار البعض- مسلمين ، فهذا لا يعني بالضرورة أن كل المسلمين إرهابيين ، فرغم أن صدر المعلومة قد يكون صحيحاً بدرجة كبيرة فى زمننا الحاضر إلا أن متنها نادر الحدوث و ربما يقل عن الواحدِ فى المليون إذا أخذنا فى الاعتبار نسبة الإرهابيين لمجمل المسلمين. و لتقريب المعنى سنأخذ أمثلة شائعة : “فلان يسكن فى حى الراقي فهو متخمٌ بالغِنى”، ” إنه من أسرة مشهورة و معروفة ، لابد أن يكون أفضل زوجٌ لإبنتي ” ، “فلانٌ من قبيلة كذا ، فدينه ضعيف ” . عدم ترابط المعلومات والأوصاف أمر شائع و كثيراً ما يؤدي إلى تنميط أفراد أو مجموعات بعينها دون دليل أو مبرر منطقي .
تنقسم المغالطات إلى أنواع مختلفة تتنوع حسب مقتضى السياق والأحداث ، و بما أننا لسنا بصدد عرضها من منظور أكاديمي بل عملي سنستعرض أمثال منها أخذين في عين الاعتبار أهمها و أكثرها شيوعاً ثم أقربها لواقعنا الإجتماعي ، الثقافي و السياسي. لا شك أن الكثير من أنواع المغالطات تبدو مألوفةً و قد مرت على الكثيرين دون معرفة بعدها العلمي و التطبيقي . تقوم مغالطة الشخصنة عندما يُردُ علي الحُجة بالهجوم على صاحبها و ترك محتوى الإختلاف ، هذه المغالطة شائعة جداً فى دنيا الاجتماع و السياسة و تدلُ على العجزِ على تفنيد الدلائل والبراهين وتقديم الدفوعات المقنعة و أمثلة ذلك : ” لا تستمع لرأيه فهو لم يبلغ العشرين” ، “لا يمكن أن يكون كلامُها عن الزواجِ صحيحاً فهي مطلقة و ليست لها أولاد” ، “كل ما يقوله عن الفساد كذب فهو معارضٌ سياسي طُرِد من الخدمة ” . تقوم مغالطة تعميم التجارب الشخصية عندما يزعم شخص أن تجربة شخصية مرّ أو سمع بها دليل على القاعدة و النتيجة : ” كان والدي يُدخن حتى بلغ التسعين فلا أظن أن التدخين سيؤثر فِى” ، “صديقتي تأخذ حمام بخار يومياً فنقص وزنها عشرين كيلو ” و هكذا دواليك . يجب التأكيد أن التجربة أكبر معلم للإنسان و في الغالب الأعم تكون التجربة ثرّة تدعم الحُجة و لكن الشواذ من التجارب دائماً ما تربك قواعد الواضح الجلي.
تقوم مغالطة الاحتكام للسلطة عند استخلاص الحجة و البرهان من رأى بعض الخبراء الذين ينصح المنطق أن يكون رأيهم مما يؤخذ و يرد فيه أو تجليه تصاريف الزمان ، نور العلمِ ومِكْشاف المعرفة : ” صرّح الخبير المالي الاستراتيجي أنّ الأزمة المالية العالمية لن تؤثر على البلاد” ، “ذكر مستشار التغذية و الأعشاب أن المورينغا تعالج مرض التشنج العصبي” ، “أخبرني السمسار أن أسعار الأراضي في الصالحة سترتفع في بداية الشهر القادم ” . لا بد من الإشارة عند تطبيق هذه القاعدة إلي أهمية التفريق بين أهل الثقة ممن يدعمون رأيهم بخبرة عملية ، أمانة علمية ، تجرد أخلاقي ، و ثقة على مستوى الزمن ، من الذين يصعدون للسطح و الأحداث بالزانة دون قاعدة عملية ، علمية أو أخلاقية. تقابل هذه المغالطة مغالطة الاحتكام للعادات ، الشيوع أو الأغلبية : ” كل الناس بودّو فطور العريس ، ده الشئ المتعارف عليه ! ” ، ” الخِتان موجود من زمن حبوباتنا ، لا يمكن أن يكون خطأ ” ، ” الجامعة تسير على هذا النهج منذ سنوات ، لماذا تأتي لنا برأىٍ مخالف ” .
عند استخدام مغالطة التحريف ، يحاول مستخدمها أن يلوي عنق الحُجة ليستخدمها بصورة سلبية عند الحوار : ” إنها تنادي بالمساواة بين الرجل و المرأة ، كيف يستقيم جدلاً أن تعمل المرأة و يظل الرجل في البيت ؟ ” ، ” لا أصدق أنك تطالب بأن نحُد من التعليم الخاص ، كيف نرفع الدعم عن التعليم بعد كل الجهد الذي بذلناه ، التعليمُ أمل الأمة ” . تقوم مغالطة الْتِماس المشاعر على محاولة استثارة العواطف لتدعم الحجة، الاستنتاج أو النتائج : ” إن كل مسلمٍ غيورٌ على دينه لن يرضى بما يحدث من اضطهاد للمسلمين فى أوروبا ” ، “هذا الثوبُ مُميّز وحصرِى لفرعنا و لدينا منه مئة نسخةٍ فقط ، سارعي بشرائه حتى لا تفوتك الفرصة “، “أنت في موقف مالي صعب فأنت مديون و أولادك في المدارس و فقدت عملك ، أنا أستطيع أن أساعدك بشراء سيارتك القديمة (بسعرٍ أقل طبعاً) ” . وقد يستخدم الإطراء كوسيلة ناجعة : ” إن ورقتك العلمية الأخيرة من أميز ما قرأت في السنوات الماضية ، بالمناسبة هل تستطيع أن تغطي محاضرتي الإسبوع القادم ؟ ” ، ” صورتِك الأخيرة على النت تشبه نانسي عجرم ،.. ثم ماذا حدث لتصديق قريبي الذى حدثتُكِ عنه ؟ “.
تقوم مغالطة القناص بانتقاء النتائج و البيانات التى تعزز الحُجة مع تجاهل غيرها من السلبيات : ” ليس لدىّ شكٌ من أنها تُحبني ، ألا ترى أنها دوماً ما تلبس اللون الأزرق وهي تعرف أنه لوني المفضل ، عندما سألتنِي أين أسكن ؟ أجبتها : أمْبدّة ، فقالت : لا تمزح ، هي تعلم كم أحُب المزاح ، و عندما سألتني كيف آتي إلي الجامعة ؟ أجبتها بالمواصلات ، ردّت أنها تتمنى أن تجربها مرة فهي تعشق المغامرة ، أنا ذكرت لها السنة الماضية حبي لقصص المغامرات ” . تنتشر هذه المغالطة بصورة كبيرة عند المشعوذين ، العرافين و الكثير من السياسين ( وهم مدرسةٌ عريقة في أصول الدجل و الشعوذة ) : ” تنبأ شيخ بلّة بحرب العراق فهو رجلٌ صالح ذو بصيرة ، دون الأخذ في الاعتبار أن كل تنبؤات شيخ بلة الأخرى ذهبت أدراج الرياح ، ” لقد نجحنا في القضاءِ على الملاريا تماماً في كل أنحاء الولاية ، دون الأخذِ في الإعتبار تفاقم الأمراض الأخرى”.
كما رأيت عزيزي القارئ فإن خطر مغالطات المنطق عظيم، و حتى مقالي هذا قد لا يخلو من مغالطات ، فإن أعدت قراءته أرجو أن تكون قد استفدت من كيفية التعرف علي البعض منها : ” العالِمُ و الفيلسوف الأمريكي” ، ” البجعة السوداء” ، ” الفيلسوف أرسطو”، أو أن تكون المعلومات الواردة فيه مما يؤخذ و يرد فيه ، أرجو أن يكون المنهج مدخلاً للاستزادة من بحر العلوم الذي لا ينضب ، فرغم أننا أوردنا بعضاً من المغالطات الشائعة ، إلا أن باقيها ممتع أن نتعرف على أصوله و تطبيقاته فهنالك كتب متخصصة في هذا المجال لمن أراد أن ينهل فيرتوي . مجمل القول ، و حده الإنسان الذي يهتدي و يستعصم بمنارة العلم ، نور العقل ، نبراس الحق ، وضياء العدل بقادر أن يتجاوز شائك دروب الحياة العصِي .
sudanarrow@gmail.com
///////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم