مِفْتَاحُ شَفْرَةِ الحَرْبِ: الارْتِقَاءُ بالهُوِيَّةِ القَبَلِيَّةِ القَاصِرَة ِإلَى الوَشِيْجَةِ الوَطَنِيَّةِ المُتَعَدِّيَةِ
Decoding Sudan War: Elevating Constrained Tribal Identity to Transcendent National Bond
بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ]الحجرات [13
تكشف الآية الكريمة عن حقيقة إنسانية عميقة: التعدد ليس عيباً ينبغي محوه، ولا سبباً مشروعاً للتفاضل في الكرامة والحقوق. فالإنسان ينتمي في الوقت نفسه إلى أسرة وقبيلة ومجتمع محلي ولغة وثقافة ووطن. وهذه الانتماءات لا يلغي بعضها بعضاً، وإنما تتراكب لتصنع هوية إنسانية متعددة الطبقات. ومن هنا لا ينبغي أن نطلب من السودانيين بعد الحرب أن يختاروا بين قبائلهم والسودان، أو بين لغتهم وهويتهم الوطنية. المطلوب أن نتعلم أن انتماءنا المحلي يسكن داخل انتمائنا الوطني، وأن اختلاف الثقافة واللغة والإقليم لا ينتقص من المساواة في الكرامة والمواطنة. نختلف في هوياتنا الفرعية، ونتساوى في الكرامة والمواطنة. فالهوية تجيب عن سؤال: من أين أتينا؟ أما المواطنة فتضيف السؤال الأهم: ماذا نبني معاً؟
وهنا تبدأ الوشيجة الوطنية: ليست بإلغاء القبيلة أو المنطقة أو الثقافة، وإنما بتحويل تعددها من سبب للاحتراب إلى رصيد للابتناء المشترك. فالمواطنة ليست مجرد بطاقة هوية؛ إنها حقوق متساوية ومسؤولية مشتركة ومشاركة في ابتناء الوطن الجامع. وهكذا يصبح التعارف القرآني مدخلاً للمواطنة: نتعارف باختلافنا، ونتساوى في كرامتنا، ونتفاضل أخلاقياً بما نقدمه من عمل وطني للسودان، ونبني معاً وطناً لا يجعل الهوية الفرعية أساساً لامتياز أو إقصاء.
ومضة فكرية
الهوية تخبرنا من أين أتينا؛ والمواطنة تسألنا: ماذا نبني معاً؟ لا يُطلب من السودانيين إذابة القبيلة واللغة والثقافة في هوية واحدة متشابهة، بل يحتاجون إلى وشيجة وطنية تجمع المختلفين في كرامة متطابقة وحقوق متساوية ومسؤولية مشتركة. ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾. فالاختلاف للتعارف، لا للتفاضل في الحقوق؛ والانتماء المحلي داخل الولاء الوطني، لا بديلاً عنه. من تعدد الهوية، إلى مساواة المواطنة، إلى الوشيجة الوطنية، تنتهي الحرب، ويندفع ابتناء السودان.
melshibly@hotmail.com
