نبض المدينة وفن السرد: قراءة في رواية (٤٨)

رواية ٤٨ للكاتب محمد المصطفى موسى، الرواية تقع في ٣١٨ صفحة من القطع المتوسط، وصدرت عن دار زراف للنشر يناير ٢٠٢٦

في قلب أم درمان، بين ضجيج السوق وتلصص الرقيب، يجري النيل بكرًا، يتنفس دعاش وطن صاغ أيامه بمداد من صبر وحكمة. بين أودية تفيض صبرًا، ورغبةٍ في الخلاص والعيش على حدّ سواء، يبني الكاتب من سوق العيش فضاءً سرديًا يتوشح بدثار الدهشة؛ تلك التي تحجب الكثير وتُبين الأكثر. وفي هذا التوتر بين الحجب والإبانة، ينفتح النص على مجتمعٍ يتشكل من ثلاث طبقات، تتقاطع عندها منابر التغيير.
كما جاء في افتتاحية النص:
«التمرد هو أن يقول الإنسان… لا» – ألبير كامو
ويوازيها:
«السُّمعة أبقى من العمر» – الشيخ عبدالله ود جادالله.
«انسرَبَ ضوءُ النهارِ بخطواتٍ حثيثةٍ، وكأنَّه يستأذنُ السوقَ قبل أن يبعثَ أزقَّتهُ بالوهجِ ولفحاتِ الحرارة…»
«هناك خلفَ جوالاتِ البصلِ المكدَّسة… تنامى الصخبُ كريحٍ تناجي ذراتِ الترابِ قبلَ أن تنقضَّ على الرؤوسِ بهبَّةٍ عاصفة.» (ص ١٢٦)
يفتح الكاتب مصراعي النص إلى سوق العيش، ومنه تبدأ الحكاية. يستدرجنا بخفة الضوء إلى مكانٍ يضجّ بالحياة، ويختزن ذاكرة المدينة، ويحمل فوق كتفيه طبقاتها كلها. فالسوق هنا وطنٌ مصغّر.

وفي هذا الفضاء الواسع تتجاور الحكايات:
رافائيل القادم بماضيه المثقل، ديمتريوس، نيكولا، عوض الكريم بحماسه اليساري، ماتريد بحضورها الأسطوري، أولاد منصور كظلّ جماعي للسوق، جيمي، اليعازر، إيديل، إيرين، لينا، ماريانا والبحث عن الحب، الحاخام، حدربي، سيد الرجال، رفاعي، والمفتش همفري بعينه التي تدوّن أكثر مما تفعل… وغيرهم.

السوق، طبقات تتحاور!
يتشكل سوق العيش من طبقات متباينة، لكلٍّ لغتها ومصالحها ورؤيتها للعالم. في الواجهة تقف طبقة التجار ورأس المال: رافائيل، ديمتريوس، نيكولا، ومن خلفهم أولاد منصور بوصفهم نموذجًا للتجار المحليين. وفي الجهة المقابلة تمتد الطبقة الشعبية بطاقتها الخام: العتالة، وسيد الرجال نموذجًا، والعربجية؛ أولئك الذين يصنعون الحركة اليومية ويمنحون السوق نبضه الحقيقي.
وبين هاتين المساحتين، يتسلل وعيٌ سياسيٌّ يتشكل على استحياء، يجسده عوض الكريم بخطابه اليساري، في مقابل حضور السلطة ممثلةً في المفتش همفري.
هذا التعدد يتسرّب إلى طريقة الحكي نفسها. فالراوي العليم ينسج المشاهد بلغة تميل إلى الأسطرة، كما في تصوير ماتريد، أو في قاعة غردون التي بدت أوسع من روادها. ثم يتقدم الراوي المتكلم في منتصف الرواية كصوت يضيء زاوية معتمة، قبل أن ينسحب ويعود السرد إلى مجراه الأول.
أما اللغة، فتتحرك بين فصحى مشبعة بالصور ودارجة سودانية نابضة في الحوارات والأشعار، فتمنح النص عمقه المحلي دون أن تفقده أفقه الأوسع.

مقاربات:
١ـ الوعي الجمعي:
«لحظة وجيزة بدت وكأن المدينة كلها تملأ رئتيها من هواء جديد.»
(ص ٢٨٢)
الفعل الجماعي في السوق يصبح الذروة التي تعكس تماسك المجتمع.

٢ـ الحب بين الاندفاع والانسحاب:
«رفعت عينيها إليه، ولم تدرك كم كبر قلبها في لحظة.» (ص 197)
العلاقات العاطفية مساحات إنسانية مبتورة، مثل رافائيل وإيديل، وعوض الكريم وماريانا، تضيء الجانب الإنساني دون التحكم في مسار الرواية.

٣ـ السوق كفضاء سردي:
«هناك خلف جوالات البصل المكدسة وزكائب الويكة والفرتيتة… تنامى الصخب كريحٍ تناجي ذرات التراب قبل أن تنقض على الرؤوس بهبّة عاصفة.» (ص 126)
السوق كيان حي، يستوعب الجميع.

٤ـ السياسة بين اليسار والرمز الديني:
«المصنع سيكون وبالًا على السوق… مثال الإمبريالية.» (ص ١٨٤)
الرواية تتحرك في زمن مشحون، فالصراع السياسي والاجتماعي حاضر ضمن السوق، لكن النص يقدمه ضمن سياق الأحداث الجماعية دون استغراق في التحليل.

وفي المقابل، تحضر الرموز الدينية السياسية:
«أنت ولد مبروك… أنت ولد مبروك!» السيد عبدالرحمن المهدي (ص١٧١)
«ابتعثنا رجال الطريقة لقراءة الفاتحة في الميدان، ودعونا للجميع بالسكينة والبركة.» السيد علي الميرغني (ص١٧١)، أما المفتش همفري «نحن لا نمنح تاجًا دائمًا لأحد، نحن فقط نسمح بصلاحيات محدودة.. مؤقتًا…» (ص ٢٨٦)
السياسة والدين تتجلّيان كحضور ناعم ضمن نسيج السوق لا أكثر.

٥ـ البناء السردي وكثرة الشخوص.
«رافائيل، عوض الكريم، سيد الرجال، زينب العرجا… وغيرهم»
كثرة الشخصيات تمنح اتساعًا اجتماعيًا لكنها تشتت الحدث.
ماتريد حالة مختلفة. «تقاطيعها تراءت كنحت كوشي قديم انتقش على صخرة معبد البركل…» (ص ٩)
تمثل ماتريد أو أم الفقراء إرادة المكان، إلا أن حضورها أشبه بإشارة، أكثر منه مساراً متطوراً.

٦ـ دلالة العنوان “٤٨”
يمثل الرقم إشارة زمنية ولحظة مفصلية للوعي الجديد في السوق: التجارة، العلاقات، إعادة توزيع القوة.

ختامًا:
لعل أكثر ما اختزن في ذاكرتي لغة النص المترفة، الوصف الدقيق، والحس الرقيق، مع انسيابية وشد في مشاهد سينمائية “ماتش الموردة واستاك” نموذجاً.
رواية (٤٨) نجحت في جعل السوق بطلاً حيًّا، وفي التقاط لحظة تاريخية من زاوية اجتماعية، تتخللها طبقات الناس، حيواتهم، وخبايا المدينة. ربما كثرة الشخوص وتفاصيلهم أبطأت الإيقاع أحيانًا، لكن ذلك لم يمنع النص من أن يظل نابضًا، وكل شخصية تحمل حركتها الخاصة في هذا الفضاء المترف، حتى لو اختفى الحدث وسط ثنايا التفاصيل.
النهاية جاءت كما ينبغي: حسم مسار رافائيل وسفره، واستقرار عوض الكريم، تعطي إحساسًا بالاكتمال. أعجبني التحدي الذي يقدمه النص للقارئ؛ تراكم الأحداث، تداخل الشخصيات، ومرونة السوق ككائن حيّ، تجعل من الرواية لوحة متحركة لمدينة كاملة، قادرة على أن تعكس نفسها في أي زمن.
عميق امتناني لكل من يسعى لقراءة كتاب، ويُتيح النصوص الجديدة، ولكل رواد القراءة الذين يملؤون المساحات بالحوار والنقاش. شكر خاص للكاتبة سارة الجاك والقائمين على مركز الفأل، وللمنتدى الذي كان نافذة سمحت لي بالتأمل في رواية (٤٨) من زوايا متعددة. وهي دعوة مني لاقتناص زفرة تعيد إلينا عبق الكلمة، والانضمام إلى نادي الفأل للقراءة الأسبوعي؛ حيث في كل أسبوع كتاب، وكاتب، ومساحة تتجدد فيها الدهشة.

د. إيمان المازري

sukraelmazri@yahoo.com

عن إيمان المازري

إيمان المازري

شاهد أيضاً

أنا وصديقاتي

خيط النور بعض الذكريات لا تعود لأنها جميلة فقط، بل لأنها علّمتنا كيف نضحك قبل …