نحو حركة جماهيرية ضد الحرب .. بقلم: عصام على عبدالحليم
7 يناير, 2015
منشورات غير مصنفة
27 زيارة
فى لحظات معينة من الاسى السادر ، اتسأءل لماذا لم ينجح جمع الناشطين السودانيين فى تكوين حركة جماهيرية ضد الحرب ؟ وهى الحرب تقتل السودانين كل يوم . فى الامس القريب ورد خبر عن قتل القوات الخاصة ( الجنجويد) لمزارعين من قرية سمبو بالقرب من ضواحى مدينة الفاشر . جلست اسرة المزارع لترتاح قليلا من تعب الحصاد ، ولتناول وجبة تحت ظل شجرة فى الحقل ، هجمت عليهم القوات الخاصة وقتلت اطفال احمد عبدالرسول ( اسحاق ، رشا وام قماش ) وقتل على محمدعلى شملوك والذى لم يخبر من الحياة الا 11 عام ، وعشة محمد ابكر (37 سنة ) ورجب الغالى يشارك عشة سنين العمر . لم تكن الجروح كافية للقضاء على احفاد احمد عبدالرسول من ابنه اسحق ، فنجا عبدالله (9 سنوات ) وحياة (7 سنوات) وامنة التى لم تخبر من الحياة الا 11 شهرا .
جاءت طائرات الميج والانتينوف ، تقتل الاطفال فى حوش المدارس ، ازكيال تية (13 سنة) واسامة سليمان ( 8 سنوات) فى حوش مدرسة قرية كاتشا الابتدائية مع عديد من الجرحى . وبعد ان فرغت الطائرات من قصف المدارس والمستشفيات ، اتجهت صوب خصوص البيوت فى البرام ، فحطمت سبعه منها .
الطائرات اكثر الحاحا ، يعرف اطفال السودان من جبال مرة الى جبال الانقسنا ، مرورا بسلاسل الجبال فى النوبا ، انها لاتشبه الحمام ، ترسل ازيزا وقنابل تثقب الاجساد تخرج منها الارواح و تصعد الى بارئها فى صحبة شملوك وازكيال واسامة . هكذا الحرب الاهلية تقتل الاهل المدنيين – يكاد يكون حصرا – ومنذ بدئها فى الخليقة ، فى سايجون ، كوسوفو ، فرى تاون ، الموزوت فى السلفادور وفى كل مكان تفجرت فيه ، وفى سمبو والبرام والقرى والمدن بين جبل مرة والانقسنا مرورا بالنوبا .
قتل المدنين جريمة حرب فى القانون الدولى وكل حس سليم ، ينكرها سلطان الفاشيين فى السودان ، يقول : بخ .. لم نقتل سوى عشرة الف . وذلك فى عدد معدود من الاصياف الحاسمة . الصيف الحسم غراب المواسم ، يصرخ فى سفحات الجبال ، فتجئ الطائرات تدك اكثر من عشرة من القرى ، تقتل اكثر من عشرة من الناس . الطائرات فى غدو ورواح فى الصيف.
يجب ان توقف الحرب ، يجب ان يتحرك الجميع ( سلميا ) ضد الحرب ، يتدفقون فى حركة متسعة متواترة ومستقرة فى اوسع تنظيم ضد الحرب ومن اجل السلام . جمع من المنظمات الاهلية العاملة فى قضايا المجتمع المدنى ، والاتحادات العمالية والمهنية وتنظيمات المزارعين والطلاب والنساء .. الخ تبنى شبكة منتشرة على نطاق الوطن يجمعها تنظيم مرن للحركة . تضمن استقلالها عن الحكومات و المنظمات الدولية والاقليمية فهى لا ينج عملها من قصور يناله النقد هنا وهناك ، ولا تخلوا اهدافها من دوافع تخدم اغراضا وايديولوجيا لبنى القوة الدولية . وهو استقلال لايمنع التنسيق او قطف التضامن .
تهدف الحركة ضد الحرب وبشكل استراتيجى ، الى وقف الحرب الاهلية فى بقاع البلد المتأثر . تهدف الى ايقاف او تغيير سياسة الدولة والحركات المسلحة تجاه هذه الحرب ، ودفعهما فى اتجاه البدائل السلمية. اى اهداف اخرى للحركة تاتى كاهداف تالية او ثانوية ( مثلا اعادة بناء وتأهيل مادمرته الحرب ، العمل على استحداث وانتاج ونشر ثقافة للسلام .. الخ ) هى اهداف تحددها القوى المتعددة والجماهيرالمنخرطة. قد يدفع التركيز على الموضوعة الواحدة (ايقاف الحرب) الى استبطان القوة ، وضمان الفعالية فى خلق وعى عام وتيار عام مؤثرين ، ضد الحرب ومن اجل السلام .
فى رصدها للجريمة المستمرة ، اصدرت الحركة الشعبية بيانا حكت فيه تفاصيل الجريمة ، ودعت فى سطوره الاخيرة السودانيين والمجتمع الدولى الى التدخل لايقاف الطائرات . وهو مما يتطلبه العمل السياسى القويم . الا ان التجربة الراهنة مع علاقة المجتمع الدولى بالمأسى المماثلة ، يمكن نقدها بجلاء وصرامة ، فقط باعتبار النتائج الملموسة والموثقة لفعايل هذا المجتمع الدولى تمثله الامم المتحدة ومجالسها ومنظماتها المختلفة . ( مثلا لم تستطع حتى المنظمات التابعة للمنظمة والعاملة فى حقوق الانسان ان تجيز تعديلا فى المواثيق الدولية المرتبطة تقر بالسلام كحق من حقوق الانسان) . فاذا تجاوزنا التجارب المختلفة فى ارجاء العالم ، ونظرنا الى تجربة اليوناميد ، وتجربة الاجسام الدولية الاخرى فى جنوب السودان ، لاكتفينا وذهبنا مباشرة الى تأسيس دعوى قوية تستند على تجربة واسعة من النقد التحليلى العارف بمرامى الايديولوجيا لفكرة التدخل الانسانى ( اى بدوافع انسانية) ، و/او ايديولوجيا تفسيرات ( وإعادة تفسيرات ) نصوص واهداف القانون الدولى . تكفى دعوة القوى الديمقراطية العالمية والاقليمية للتضامن ولتقديم اشكال الدعم بكل انواعه فى حدود بعده الشعبى غير المرتبط بالحكومات ، واخص من تلك القوى الديمقراطية تلك المرتبطة بحركة ضد الحرب ومن اجل السلام .
فائدة العمل الجماهيرى المناهض للحرب ( المظاهرات ، الندوات العامة والمخاطبات الجماهيرية ، والمعارض والاعلام ، والميديا الاجتماعية..الخ.. الخ ) تتمثل فى انها تثير الانتباه وتجذب التعاطف وتشجع على الانخراط الجماهيرى الواسع يتدفق من اوسع فئات الشعب . الحراك الجماهيرى هو بالتاكيد ينطرح كتحدى لدعاوى السلطة ينازعها ويتحدى ما تدعيه من ممارسة دستورية سيادية لحفظ القانون والنظام والامن القومى . وسوف تقابله السلطة الاستبداية بالقمع ، والدعاية المضادة ( من مألوف الطابور الخامس ، الاجندة الخارجية ، الترصد الامريكى الصهيونى .. الخ) . حال الحركة ضد الحرب لن يكون افضل من حال منظمات المجتمع المدنى الاخرى.
فى المقابل هناك عناصر ترمى بالضعف على دعاوى السلطة وتكشف تناقضاتها .والضعف والتناقض يصف مبررات الحرب تطلقها السلطة الاستبدادية . تقوم هذه المبررات وتعكسها فى سياسات يمكن التعامل معها بطرق سلمية اساسها التفاوض ، اساسها استشراف البدائل ، اى اساسها السياسة . فالقضايا التى تلجا السلطة الاستبدادية الى الحرب لفرضها إدارتها ، هى نفسها القضايا التى قدمت لها نيفاشا منهجا سلميا للتفاوض حولها و الوصول لحلول لها تتجاوز الحرب ، هى نفسها القضايا : ابنية السلطة الاقليمية ( وحدة الاقليم فى دارفور ، المشورة الشعبية فى النيل الازرق) توزيع الثروة ، احترام التعدد الاثنى والثقافى .. الخ . فدرس نيفاشا هو انه يمكن تنكب الحلول لمثل هذه القضايا والصراع حولها بوسائل سلمية .
فى ظروف الديكتاتورية ، وضآلة او غياب براح ديمقراطى يستوعب حراكا جماهيريا ضد الحرب ، يكون من الصعب توقع وصول مطالب الاحتجاج الى اذن السلطة . فى مراحل الحراك المبتدئة يكون المستهدف الاساسى هو الراى العام الديمقراطى الجماهيرى ، بغاية دفعه للانخراط فى الحركة والمساهمة فى اتساعها المتنامى حتى يمتلك قدرات التأثير ، حتى يضمن فعاليته . وهى فعالية لا ينجزها عمل احتجاجى واحد مهما كانت قوته الجماهيرية . لاتكفى التعبئة للجماهيرية الواسعة ، بل يجب تجاوزها الى تنظيم الجماهير فى بنية مستقرة ، تشتغل على ضوء استراتيجية واقعية وبرامج تقبل التنفيذ والاستمرار . واعنى توالى الحملات تذخر بالفعاليات المتنوعة تنخرط فيها القوى المتعددة المكونة للحركة ضد الحرب ومن اجل السلام . بعض اوجل هذه القوى موجود اصلا ويعمل فى مجالات مختلفة ، كما ذكرت سابقا فى تحديدها . فقط نواجه الان السؤال كيف يمكن انتشترك فى بناء حركة تشمل بقاع البلد .
كلما اوردت الاخبار الموت ، والاخبار تتوالى سريعا ، تشق حرقة السؤال الاسى السادر ، اذ يقول احدنا :
الناس بتموت .. ساكتين مالكم ؟
isamhalim@live.com
///////