نزيف الوعي والنبض حين تستوطن “الزولة” غيابات العقل وخلايا القلب

محمد صالح محمد
لا أعرف في أيّ لحظةٍ تحديداً سقطت القلاع ومتى أُعلنت الهزيمة الكبرى أمام سطوة حضوركِ لكنني أستيقظ اليوم لأجد أن “الزولة” التي تسكن ملامحها سمات النيل وعنفوان الصحراء قد أحكمت قبضتها على مملكتيْ؛ فلا عقلي عاد يهتدي بمنطق ولا قلبي ظلَّ في صدري ملكاً لي.

عقلٌ يقتات على التفاصيل …
في زوايا عقلي المظلمة لا يوجد سوى صدى صوتكِ لقد انشغل الفكر بكِ لدرجةِ الذهول فأصبحتِ أنتِ الفكرة الوحيدة التي لا تقبل النسيان والهاجس الذي لا يغادر عتبات الخيال أحاول أن أسترد رُشدي و أن أضع موازين المنطق لأفهم كيف لامرأةٍ واحدة أن تختصر كل الوجوه لكنني أفشل.

كل الأفكار تؤدي إليكِ وكل التحليلات تنتهي عند سحر عينيكِ لقد تحول عقلي من أداة للتدبير إلى معملٍ لرصد ذكرياتكِ يحلل ابتسامتكِ ويعيد ترتيب كلماتكِ العفوية وكأنها نصوصٌ مقدسة. إنه انشغالٌ يشبه الجنون حيث يضيع الواقع في زحام خيالكِ.

قلبٌ يئنُّ تحت وطأة الهوى …
أما القلب فيا ليت الشجن كان مجرد كلمة تُقال قلبي يا “زولة” بات مضرجاً بدموع الحنين ينبض باسمكِ في إيقاعٍ جنائزيٍّ طويل هو انشغالٌ لا يعرف الراحة وشوقٌ ينهش الصدر بصمتٍ مرير. كيف استطعتِ أن تزرعي كل هذا الوجع في قلبٍ ظن يوماً أنه محصّن ضد الانكسار؟

إن الهوى الذي استوطنني ليس فرحاً أرقص له بل هو “شجنٌ سودانيٌ” أصيل يشبه غناء الناي في ليلٍ بهيم على ضفاف النهر و هو الحزن الذي يسكن في بحة الصوت والدمعة التي تأبى السقوط فتبقى تحرق المآقي.

صراع الفكر والنبض …
أصعب ما في هذا العشق هو تلك الوحدة التي أعيشها بين عقلٍ لا يتوقف عن التفكير فيكِ وقلبٍ لا يكف عن البكاء لغيابكِ.
العقل يسأل أين المفر؟ وكيف السبيل إلى الخلاص؟
القلب يجيب: لا سبيل سوى الغرق أكثر في هذا العشق المُرّ.

“يا زولةً سكنت مفاصل الروح إنني أتآكلُ في غيابكِ صمتاً وأذوبُ في حضوركِ خجلاً وبين الحالتين يضيع عمري في انتظار معجزةٍ تلمُّ شتات هذا الانشغال”

اصلاةٌ في محراب الغياب … سأبقى ذلك الغريب الذي يحملُ في عقله خارطةً لوجهكِ وفي قلبه جرحاً لا يندمل بغير لقياكِ سأظلُّ منشغلاً بهواكِ حتى يصير الحزنُ رداءً والشجنُ لغةً والانتظارُ قدراً لا مفرَّ منه فأنتِ لستِ مجرد عابرة سبيل بل أنتِ “الزولة” التي أعادت صياغة أحزاني وجعلت من انشغالي بها هويةً ووطناً.

رمادٌ في مهبّ الغياب …
وفي ختام هذا التيه أدركُ يقيناً أنني لم أنشغل بهواكِ يا “زولة” لأحيا بل انشغلتُ به لأتعلم كيف يموت المرءُ واقراً وهو على قيد الأنفاس لقد غدوتِ الخريف الذي يسلب عقلي أوراقه الخضراء والليل الذي يسرق من قلبي آخر قناديل الطمأنينة.

يا وجعاً استوطن المسام إنّ هذا الانشغال ليس إلا انتحاراً بطيئاً؛ فعقلي الذي كان ميزاني صار اليوم ساحةً لهواجسك وقلبي الذي كان وطني صار منفاكِ الموحش سأظلُّ هكذا معلقاً في برزخ الانتظار أحملُ جرحي “السوداني” العتيق وأقتات على مرارةِ “ليت” وعلقمِ “لو” بينما يمرّ العمر بي مسرعاً وأنا عالقٌ في ملامحك

لا العقلُ يحررني منكِ بـنسيان ولا القلبُ يريحني بموتٍ رحيم
هي الفجيعةُ كبرى… أن أكون ممتلئاً بكِ إلى حدّ الفيضان ومفرغاً مني إلى حدّ العدم.

binsalihandpartners@gmail.com

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

عيدٌ في مهبّ الغياب إلى “أم أولادي” وصغاري الضائعين في المدى

محمد صالح محمديطلّ العيدُ كغريبٍ لا أعرفه يطرق باب قلبي المثقل بالأسئلة التي لا جواب …