الريح عبد القادر
لم يُنزل الله جل وعلا كتابه العظيم ليكون كتاباً في الجغرافيا السياسية تبحث فيه الشعوب المختلفة عن حدودها القُطريّة، ولا كتاباً في الأنسابٍ تفتش فيه القوميات عن مبررات تثبت تفوقها العرقي؛ بل أنزله كتاب هداية ورشاد، ونوراً يزكّي به النفوس، ويهديها به إلى التي هي أقوم. وتكمن الخطورة حين يحاول بعض الناس تحويل هذا النص المقدس، بعمقه وإعجازه، إلى مسرح للتفسير الإسقاطي (أو التأويل النفعي)؛ حيث يأتي الباحث إلى كتاب الله، لا ليطلب الهدى والرشاد لنفسه ولغيره، بل ليحقق رغبة مسبقة في الاستعلاء، أو عقدة تفوقٍ حضاري، فيشرع في ليِّ أعناق النصوص، واقتطاع الآيات من سياقها، لتخدم مآربه السياسية أو الشوفينية.
وليس هذا الميل إلى إسقاط الرغبات النفسية والقومية على النص القرآني وليدَ اليوم، بل هو داء قديم تجدّد عبر العصور بوجوه مختلفة. فقد قاد الهوى بعض العرب قديماً إلى تفسير قوله تعالى: (لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) على أنه تمجيد قومي وعرقي للعرب، في غفلة تامة عن الحق المنبثق من روح الدين؛ فالـ “ذكر” في الآية الكريمة ليس السمعة أو الشرف العرقي بمعناهما الجاهلي، بل هو التذكرة، والموعظة، ونيل الشرف في الآخرة من خلال الالتزام بالمنهج الإلهي والعمل الصالح. فهو “ذكرٌ” متاح للبشر كافةً، ولا تفاضل بينهم إلا بالتقوى، والتقوى سرٌّ في القلوب لا يطلع عليه إلا علام الغيوب.
واليوم، يتكرر المشهد ذاته بصورة مقلوبة في فضاء المساجلات الثقافية والسياسية المعاصرة، حيث يخرج علينا من يطوّع النص القرآني فينسب الأنبياء لبلد دون بلد، في مسعى لاحتكار التاريخ الرسالي لخدمة نعرات الفخر الوطني، والانغماس بغير هدى في مهاترات إعلامية مهلكة. ولعل أبرز تجليات هذا الطرح هو ما يمكن أن نطلق عليه نظرية “سودنة فرعون وموسى”، ومحاولة جعل بلاد النوبة أو كوش المسرح الحصري للأحداث التوراتية والقرآنية. ورغم أن تلك النظريات لا تصمد أمام التحليل اللغوي والقرآني، فإن ذلك ليس هو الأمر الأهم، بل ما يجب التشديد عليه هو خطل وخطر فتح كتاب الله، لا لغرض اكتساب الرشاد، بل للتفاخر القومي.
قامت تلك النظرية على حجة مركزية ظن أصحابها أنها القول الفصل، وهي الاستدلال بقول فرعون في سورة الزخرف: (وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ). وزعم أصحاب هذا التأويل غير المتبصر أن مصر التاريخية لا تملك سوى مجرى نهري واحد (نهر النيل)، في حين أن السودان يتميز بتعدد الأنهار والروافد (النيل الأزرق، النيل الأبيض، عطبرة، الدندر، الرهد)، وبناءً على هذا القياس الجغرافي المعاصر قرروا أن فرعون موسى كان حاكماً في جغرافيا السودان!
بيد أن هذا الاستدلال يتهافت ويسقط أمام التحليل اللغوي للقرآن الكريم؛ فالنهر في اللسان العربي وفي الاستعمال القرآني لا يقتصر إطلاقا على الأنهار الجغرافية العملاقة والمستقلة، بل ينطبق أيضاً حتى على القنوات المائية الصغيرة وجداول الري المحدودة داخل البستان الواحد. وتعنى مادة “ن/هـ/ر” فيما تعنيه في باب “نَهَرَ الْمَاءُ”: جَرَى فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ لِنَفْسِهِ مَجْرىً، و”نَهَرَ الأَرْضَ”، أي حَفَرَهَا، وأَجْرَى فِيهَا مَجْرىً. فهذا هو المدلول اللغوي الأساسي لكلمة “نهر”. ويبرز الدليل القاطع على خطل ذلك الزعم في قصة صاحب الجنتين في سورة الكهف، حيث يقول الله تعالى في وصف بستان يملكه شخص واحد: (وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا)؛ فهل كان داخل ذلك البستان الخاص نهر بحجم النيل أو الفرات؟ بالطبع لا، وإنما هو جدول ماء أو قناة ري شُقت لتسقي الزرع.
وبناء عليه، حينما كان فرعون يتباهى بـ “الأنهار التي تجري من تحته”، لم يكن يتأمل خريطة جغرافية لروافدَ تفصل بينها الفيافي والصحاري الشاسعة لمسافات تبلغ مئات الكيلومترات (كما هو الحال في جغرافيا السودان الحالية)، بل كان يتحدث بلسان الملك المترَف الواقف في بهو قصره المنيف وهو يتأمل الحدائق الغناء والجداول الرقراقة أمام ناظريه. وعلى الرغم من أننا لا يعنينا مطلقاً أن ننسب فرعون إلى هذا البلد أو ذاك، فإن المعروف تاريخياً وجغرافياً أن دلتا النيل كانت تضم فروعاً طبيعية متعددة، فضلاً عن شبكة واسعة من القنوات والترع، وهي تتداخل مع قنوات الري الصناعية الكثيرة التي تتخلل قصور الملوك وبساتينهم وتجري “من تحتهم” بالمعنى الحرفي والمجازي.
ومما يؤسف له أننا شاهدنا، وما زلنا نشاهد، علماء ووزراء ووجهاء يؤلفون كتباً ويجرون الأبحاث عن أنبياء من السودان، ليس للاقتداء بهم، بل للتفاخر بهم، وإثبات أن السودان “أرض أنبياء”.
ولا ريب في أنّ إقحام كتاب الله في صراعات التفاخر الحضاري بين الأمم والبلدان لا يخدم أحداً، بل يسيء للنص القرآني ويصرف القلوب والعقول عن المقصد الأسمى من ذكر قصص الأنبياء. لقد تعمّد القرآن الكريم عدم تحديد الكثير من المواقع الجغرافية تحديداً دقيقاً، فلم يقدم لنا إحداثيات “مجمع البحرين” ولا موقع “اليم”. ولو كان تحديد تلك المواقع جزءاً من الهداية التي أُنزل القرآن من أجلها، لبينها الله بياناً لا يدع مجالاً للنزاع، كما بيَّن أحكام الصلاة والزكاة والمواريث، وإنما سكت عنها لأن المقصود هو العبرة لا الإحداثيات. والعِبرة من هذه القصص أن تكشف لنا طبيعة الطغيان، في كل زمان ومكان، وأن تعطينا صورة حية لصراع المستضعفين ضد المستكبرين، وكيف يغلب جندُ الله وحزبه الطاغوتَ وأولياءه.
إن حضارات الأمم وتاريخها -بما في ذلك الحضارات الكوشية والنوبية العظيمة في السودان بأهراماتها وآثارها الشامخة- هي حقائق تاريخية ومادية معترف بها، وهي إرث للبشرية جمعاء، ولا يعود الفضل فيها لأحد من البشر الموجودين الآن، سواء في السودان أو خارجه، وهي تُثبت بالبحث العلمي والأثري الرصين، ولا تحتاج أبداً إلى تحميل آيات كتاب الله ما لا تحتمل، أو تدنيس القرآن الكريم باتخاذه سوقاً للمساجلات والتفاضل العرقي والقومي.
﴿تلك أمة قد خلتْ لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عمّا كانوا يعملون﴾.
فلندع الحفريات، والنقوش، والوثائق، والدراسات اللغوية والأنثروبولوجية تثبت لنا ما يفيدنا من معلومات عن تلك الحضارات.
أما القرآن الكريم، فلم ينزل ليمنح شعباً شهادةَ تفوقٍ على شعبٍ آخر، وإنما نزل ليبين لشعوب العالم أجمع أنّ أصلها واحد، وأن عليها أن تتعارف، بأنبل وأوسع معنى للتعارف.
فإنْ جعلنا أعظم ما في أيدينا، وهو كتاب الله، أداةً للشعوبية والشوفينية نكون قد صرفناه عن أعظم مقاصده، وحولناه من كتاب للهداية والرشد إلى أداةٍ للتفاخر والتنابز والتناحر.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ.﴾ صدق الله العظيم.
elrayahabdelgadir@gmail.com
