نصيحة للمهدي من خصم منصف .. بقلم: إسماعيل إدريس نواي

أما العداوة فنعم … فنحن أعداء على الرغم من أني لم ألتق المهدي ولو مرة واحدة في عمري … ولا أعرفه أو يعرفني معرفة شخصية!!
ولكنها خصومة وعداوة سياسية … فأنا والمهدي وحزبه لكما قال الشاعر:-
وأحمل في ليلى لقوم ضغينه .. وتحمل في ليلى عليّ الضغائن!!
والبينة والدليل على ذلك أنني كنت محظوراً عليّ السفر خارج السودان طيلة فترة حكم المهدي … ولم يرفع عني الحظر إلا نظام الانقاذ الحالي … عندما حقق في أسباب الحظر … وخلص إلى أن الحظر يرجع لأسباب حزبية تخص المهدي وحزبه… وليست لها أي علاقة بالأمن الوطني السوداني!!
وفي أواخر الثمانينات إبان حكم المهدي وأنا في العاصمة الخرطوم نويت السفر إلى قريتنا في ضواحي مدينة الأبيض عاصمة إقليم كردفان فجاءني المرحوم حمزة حمدان عضو مجلس إدارة فريق المريخ .. والموظف المعروف وقتها بشركة الحبوب الزيتية … فسألني صحيح أنك عازم السفر إلى كردفان … فأجبته:- أي نعم … فقال لي إياك إذا ذهبت أن تغاذر مدينة الأبيض ولو ميلاً واحداً … وكشف لي أن قيادة حزب الأمة وهو الحزب الحاكم وقتها – اتخذت قراراً بتصفيتي جسدياً إذا خرجت ميلاً واحداً من مدينة الأبيض!!
وكشف لي حمدان أنه ضابط في جهاز أمن النظام … وأضاف: أنه لو لم نكن أخوة وزملاء الصغر – حيث كنا زملاء في المدرسة المتوسطة – والتي امتدت إلى عهد الرجولة ولم يعكر صفوها شيء … لم يكن ليكشف لي عن هذا السر … ووعدت – بدوري – حمدان – بأن لا أفشو سره أبداً … والآن وقد قضى حمدان نحبه أنا اكشف هذا السر … في هذا السياق!!
وهناك دلائل كثيرة على عداوة المهدي وحزبه لي لا يتسع المجال لذكرها هنا … ولست أنا وحدي هدف هذه العداوة بل كل مثقف من خلفية أنصاريه … ولا يدين لحزب الأمة بالولاء يعادي ويحارب!!
فكل من لا يحتطب في حبل المهدي وحزبه من المثقفين الشرفاء فهو عدو لهذا البيت الذي أخذ على نفسه وعلى حزبه أن يرعى الأمية والجهل والتخلف لأنها تخدم مصالحه الضيقة .. لا مصالح الوطن ولا الإنسانية، حيث طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة!
أما نصيحتي للمهدي فهي: أن ينسحب فوراً من المبارزة السياسية وبصورة مشرفة – فنتيجة المبارزة يبدو وبصورة مؤكدة ليست في صالحه … أقصد أن يعتزل المهدي السياسة – فهذا هو التوقيت المناسب – لا بسبب عمره … ولكن بسبب أن الزمن قد تغير وهو لم يتغير!! بل ظل جامداً في تقليديته وطبقيته وإمامته وتعويضاته المادية التي لا تنتهي!!
معيّ هنا في جيبوتي أخ سوداني حاصل على درجة الدكتوراه وفي منتصف الخمسينات من عمره … مولع بالسياسة ومتابع لها ويعمل بالمنظمات الدولية .. وعندما خرج المهدي من السودان ووقع مع الحركات المسلحة السودانية “إعلان باريس” … كان هذا الأخ فرحاً مستبشراً بانضمام المهدي للمعارضة!!
ولكن عندما رأي المهدي في التلفاز وهو يوقع “نداء السودان” علق على صورة المهدي بأن قال:- مال هذا الرجل غير موفق في ملابسه إذ يبدو ملبسه ركيكاً .. ويبدو هو مرتبكاً؟؟
فضحكت … ولا عجب فأنا عدو!! وقلت لهذا الأخ … “من كان ركيكاً مرتبكاً في المضمون لابد أن يظهر ركيكاً في الشكل!!
وتمام نصيحتي للسيد الإمام هي أنه يمر بمرحلة مشابهه لتلك المرحلة التي مرّ بها عمه “الإمام الهادي” إذ لم يستطع الإمام الهادي أن يواكب تطور السياسة السودانية … وظل مصراً على البقاء في المسرح … إلى أن كسره وجرفه تيار التاريخ!!!
فجعفر نميري لم يقتل الإمام الهادي … ولا الضابط الذي أطلق النار عليه … فكلاهما – نميري وهذا الضابط – كانا أداة صماء في يد التاريخ .. إذا لم يلعبا هذا الدور في تصفية الإمام الهادي كان غيرهما سيفعل ذلك والسعيد من وعظ بغيرهّ!!
واختم تمام نصيحتي للمهدي بأن يغادر مصر … لا ليعود إلى السودان … فالعودة إلى السودان هي رأي النساء … وصال المهدي وأخواتها!!!
ولكن الرأي السديد هي أن يغادر المهدي مصر إلى إحدى المملكتين الهاشميتين الأردن أو المغرب … ويستقر هناك شريفاً بين الإشراف وملكاً متقاعداً بين الملوك!!
فالقاهرة ليست له بدار منفى ولا ملجأ … فالقاهرة هي صديقة الاتحاديين والمراغنة والناصريين وهلمجراا!!
لعل ما يشغل بال الإمام هو أنه لم يجد خليفة له من آل بيته يعهد إليه بالدور السياسي … هذا صحيح … ولكن لا يخفى على ذكاء الإمام أن زمن الوراثة السياسية قد ولىّ في السودان إلى غير رجعة … وإن الزعيم هو الذي يصنع نفسه بنفسه

وهيا أيها الشباب بأقلامكم الذكية وقرائحكم الوقادة شيعوا “الإمام” إلى “منفاه” الأخير بفيض من الأدب السياسي الرصين … عله يقتنع فيذهب طواعية إلى منفاه … فقد طال بقاءه في الساحة السياسية السودانية حتى مله الناس … وقديماً قال الحارث بن حلزه اليشكري في مطلع معلقته الخالدة:-
آذنتنا ببينها أسماء … رب ثاو يمل منه الثواء!!

naway2014@gmail.com
//////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً