نقد الخطاب الوحدوي (الجزء الأول)
كيف تحولت الوحدة إلى أداة لإنتاج التفكك؟
دكتور الوليد آدم مادبو
ليست أزمة السودان أنه فشل في الحفاظ على وحدته، بل إنه أخطأ، منذ وقت مبكر، في تعريف معنى الوحدة نفسها. فقد جرى، على امتداد عقود ما بعد الاستقلال، خلطٌ مقصود بين وحدة الوطن واحتكار السلطة، حتى أصبح الدفاع عن المركز يُقدَّم باعتباره دفاعاً عن السودان، وأصبح الاعتراض على امتيازات النخبة الحاكمة يُصوَّر تمرداً على الوطن نفسه. ومنذ تلك اللحظة، بدأ الخطاب الوحدوي يفقد معناه الأخلاقي ويتحول تدريجياً إلى أداة أيديولوجية تحرس بنية الهيمنة أكثر مما تحرس الدولة.
إن الخطابات السياسية لا تُقاس بما ترفعه من شعارات، وإنما بما تنتهي إليه من نتائج. فمن السهل أن يتحدث أي نظام عن السيادة والاستقلال والوحدة، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ عندما تتعرض هذه المفاهيم للاختبار. فإذا انتهى خطاب الوحدة إلى تمزيق المجتمع، وانتهى خطاب السيادة إلى استدعاء الوصاية الأجنبية، وانتهى خطاب الوطنية إلى تبرير الارتهان للخارج، فإن المشكلة لا تكون في التطبيق وحده، بل في البنية الفكرية التي أنتجت هذا الانقلاب في المعاني.
ولعل أخطر ما فعله الخطاب الوحدوي في السودان أنه احتكر تعريف الوطنية، ثم أعفى نفسه من مقتضياتها. فقد أصبحت الوطنية واجباً يُفرض على الأطراف وحدها، أما المركز فكان يبيح لنفسه كل شيء: احتكار السلطة، واحتكار الثروة، واحتكار تعريف الدولة، ثم الاستقواء بالخارج كلما اهتزت موازين القوة في الداخل. وهكذا تحولت الوطنية من عقدٍ أخلاقي متبادل بين المواطنين إلى وسيلة لإخضاعهم، وتحولت الوحدة من شراكة سياسية إلى ذريعة لتأبيد امتيازات نخبة بعينها.
ومن هنا تبدأ المفارقة التي يغفل عنها كثيرون. فليس صحيحاً أن النخب الشمالية استخدمت مصر اضطراراً في السنوات الأخيرة، وإنما الصحيح أنها بنت جانباً مهماً من معادلة حكمها على العلاقة الخاصة بالقاهرة منذ السنوات الأولى للاستقلال. كانت مصر، في نظر تلك النخب، أكثر من دولة مجاورة؛ كانت خزاناً للشرعية، وسنداً أمنياً، وظهيراً سياسياً، وسقفاً أيديولوجياً تُرفع تحته شعارات التكامل النيلي والوحدة العربية كلما ارتفعت أصوات الهامش مطالبةً بإعادة توزيع السلطة والثروة.
ولم يكن هذا التوظيف بلا ثمن. فالسياسة لا تعرف الصداقات الدائمة، وإنما تعرف المصالح الدائمة. وكل قوة إقليمية تتعامل مع جوارها بمنطق مصالحها هي، لا بمنطق العواطف التي ينسجها الآخرون حولها. وبينما كانت النخبة في الخرطوم تتوهم أنها تستخدم الورقة المصرية لتعزيز موقعها الداخلي، كانت القاهرة تقرأ المشهد من منظور مختلف تماماً: السودان ليس مجرد جار، بل فضاء استراتيجي متصل بأمنها المائي والغذائي والجيوسياسي. وما اعتبرته الخرطوم شراكة، كانت القاهرة تراه مجالاً طبيعياً للنفوذ متى ما توافرت الظروف المناسبة.
ولسنوات طويلة، أخفت قوة الدولة السودانية هذا التناقض. لكن الدولة التي تُبنى على احتكار السلطة لا تلبث أن تستهلك نفسها. وكلما اتسعت الهوة بين المركز والأقاليم، وكلما تراكمت الحروب، وكلما استُنزفت المجتمعات التي كانت تدفع كلفة الدفاع عن الدولة دون أن تنال نصيبها من الدولة، أخذت البنية التي قامت عليها تلك المعادلة تتآكل من الداخل. ولم يكن انهيارها المفاجئ إلا النتيجة الطبيعية لتاريخ طويل من إدارة الأزمات بدل حلها.
في هذه اللحظة تحديداً، يظهر البرهان. غير أن الخطأ التحليلي الأكبر هو التعامل معه باعتباره بداية الأزمة. فالبرهان ليس إلا الحلقة الأخيرة في سلسلة بدأت قبله بعقود. إنه التعبير الأكثر وضوحاً عن منطقٍ سياسي ظل يعتقد أن الشرعية يمكن استيرادها من الخارج عندما تتآكل في الداخل. لكنه جاء في زمن اختلفت فيه موازين القوى؛ فلم تعد مصر بحاجة إلى شريك قوي في الخرطوم، بل أصبحت أمام سلطة ضعيفة، وجيشٍ يستنزف نفسه في حرب داخلية، ونخبة سياسية فقدت معظم رصيدها الوطني. وهنا انقلبت العلاقة القديمة من تعاون غير متكافئ إلى ارتهان يكاد يكون كاملاً.
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها. فالخطاب الذي ظل يتهم خصومه بالسعي إلى تقسيم السودان، انتهى هو نفسه إلى إنتاج الشروط الموضوعية لتآكل السيادة في شمال البلاد. فمن يستدعي الخارج ليضمن بقاءه في السلطة، لا يملك بعد ذلك أن يحتكر الحديث عن الاستقلال. ومن يعجز عن حماية حدود دولته، لا يملك أن يوزع صكوك الوطنية على الآخرين. إن أخطر أشكال الخيانة ليست أن تُسلَّم الأرض للغريب، بل أن يُعاد تعريف الوطنية بحيث يصبح تسليم الأرض فعلاً وطنياً، ويصبح الاعتراض عليه خيانة.
وهكذا لم يعد السؤال الحقيقي: من يرفع شعار الوحدة؟ بل: أي وحدة يقصد؟ أهي وحدة المواطنين الأحرار المتساوين، أم وحدة المجال الذي يُدار من مركز يحتكر السلطة ويستعين بالخارج كلما اهتزت قبضته؟
ذلك هو السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، وهو أيضاً المدخل الضروري لفهم التحولات الجيوسياسية التي يشهدها السودان، والتحولات التي تجعل من إعادة التفكير في مفهوم الوحدة نفسه ضرورةً فكرية قبل أن تكون خياراً سياسياً.
auwaab@gmail.com
