بقلم: لوال كوال لوال
في حياة الأفراد كما في حياة الأمم، هناك ما يُسمّى بـ منطقة الراحة؛ تلك البقعة التي نلوذ بها خوفاً من المجهول، ونُسوّغ لأنفسنا البقاء فيها باعتبارها أرضاً آمنة. غير أن هذه “الراحة” كثيراً ما تكون خديعة كبرى؛ إذ تمنحنا شعوراً مؤقتاً بالأمان، بينما الحقيقة أن ما حولنا محاط بالأزمات والفشل. وفي السياسة، تتحول هذه المنطقة من ملاذ إلى فخٍّ قاتل، إذ تُنتج شعوباً ونخباً تفضّل الوهم على الحقيقة، والاستقرار المزيّف على التغيير الحقيقي. الاستقرار الموهوم الذي تصنعه الأنظمة السياسية ليس حلاً، بل مجرد هدنة قصيرة مع الأزمة. نظام يرفع شعار “الأمن مقابل الحرية” أو “الوحدة مقابل الصمت” لا يفعل سوى أن يبيع للشعب سلعة زائفة، ويقدّمها كإنجاز عظيم. وهنا يولد أخطر الأكاذيب: أن الصمت أأمن من الكلام، وأن القبول بالواقع أقل كلفة من تغييره. غير أن هذا الوهم لا يصمد طويلاً. فالإنسان الذي يقايض كرامته ببعض الفتات، سرعان ما يكتشف أن الجوع لا يُشبع بالوعود، وأن الحرية لا تعوَّض بحراسة مشددة. ومع مرور الوقت، يصبح هذا “الاستقرار” أشبه ببيتٍ من ورق؛ يبدو متماسكاً من بعيد، لكنه ينهار عند أول هبة ريح. وكلما طالت الإقامة فيه، كلما صار السقوط أكثر عنفاً وأشد وجعاً. إن الشعوب المرهَقة من الحروب والأزمات الاقتصادية تُدفع دفعاً إلى هذه المنطقة. فالمواطن البسيط الذي أثقلته سنوات الدم والخراب، قد يقنع نفسه بأن أي محاولة للتغيير ستفتح أبواب الجحيم، فيتشبّث بالوضع الراهن—even وإن كان مجرد فتات—على أمل أن يحفظ له شيئاً من السكينة. لكن ما يغيب عنه أن هذا الصمت لا يمنع الانهيار، بل يؤجّله فقط. وليس التاريخ بعيداً عنّا ليعطينا الدرس. كم من أنظمة حكمت عقوداً بقبضة من حديد، وبدت وكأنها صلبة لا تُقهر، ثم انهارت فجأة تحت أقدام شعوبها؟ كم من قلاع سياسية بُنيت على الخوف والدعاية لا على العدل والحرية، فسقطت في ليلة واحدة؟ كأنها لم تكن إلا أطيافاً، مثل سراب يلهث وراءه الظمآن، فلا يجد شيئاً. إن الاستقرار الحقيقي ليس هدية من طاغية، ولا ثمرة مساومة على الحقوق، بل هو ثمرة العدالة والمساءلة وحرية الكلمة. فلا أمن بلا حرية، ولا وحدة بلا عدل، ولا سلام بلا مساءلة. وما لم ندرك هذه الحقيقة، سنظل أسرى أوهامٍ نسمّيها استقراراً، بينما هي في الحقيقة مجرد هدنة مؤقتة مع الانهيار القادم. فالوعي السياسي يبدأ حين نجرؤ على مواجهة المرآة: أن نسأل أنفسنا بصراحة، هل نحن نعيش في استقرار أم في وهمه؟ هل ما نملكه حقاً حياة كريمة، أم أننا نكتفي بفتات ونسمّيه أماناً؟ اللحظة التي نعترف فيها بأن الراحة السياسية ليست سوى هرطقة، هي اللحظة التي نخطو فيها الخطوة الأولى نحو التغيير. إن الأوطان لا تُبنى على وهم الراحة، بل على شجاعة المغامرة في سبيل الحق. وكل شعب يقبل أن يعيش في منطقة الخوف والصمت، إنما يورّث أبناءه قيداً أثقل من أغلال الحديد. إن رسالتنا، نحن أبناء هذا الجيل، ألا نستسلم لوهم الاستقرار المزيّف، وألا نرضى أن تُباع كرامتنا في سوق الشعارات الرخيصة. فالاستقرار الذي لا يقوم على الحرية ليس استقراراً، والوحدة التي لا تقوم على العدل ليست وحدة، والأمن الذي يُشترى بالقمع ليس أمناً. فلنخرج من منطقة الراحة، قبل أن تتحول إلى مقبرة للأحلام. لنكسر هذا الجدار الزائف، ونعلن أن الشعوب خُلقت لتنهض لا لتنام، ولتواجه لا لتستسلم، ولتبني مستقبلها بأيديها لا بأوهامٍ تُلقى إليها. فالحرية لا تُعطى بل تُنتزع، والعدالة لا تُؤجَّل بل تُقام، والكرامة لا تُساوَم بل تُحفظ. وهذه هي رسالتنا، وهذا هو الطريق؛ أن نفضح هرطقة الراحة السياسية، وأن نفتح أبواب التغيير مهما كلف الأمر، لأن الشعوب التي تختار الحقيقة على الوهم هي وحدها التي تكتب فجرها بيديها.
lualdengchol72@gmail.com
لوال كوال لوال
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم