بقلم عبدالفتاح عبدالسلام*
72 نوفمبر 2025
سردية “تهافت الهاربين”
الحلقة العاشرة
· الموت مع الجماعة عرس
كان يوما عاديا ككل الأيام التي قضيتها خلال ما يزيد عن الشهرين في القاهرة – و نحو ثلاثة أشهر من بداية الحرب – ما بين حي الهرم و مصر الجديدة ، مع ملاحظة أن المرحلة ” البوهيمية ” التي ظلت تحيطني و بعض الهاربين الذين التقيتهم قد أخذت تتهافت هي أيضا … فلا جديد تحت الشمس كما قيل يوما ، و الأمل بعودة الأمور إلي إيقاعها السابق قبل اندلاع القتال في العاصمة، أصبح ينحو منحى منحدرا و شبحيا …
لا زلت إلي الآن غير متأكد متي اتصلت بي زوجتي من العاصمىة الرياض – في أي يوم من أيام الأسبوع أو تاريخ ذلك اليوم ، و يبدو أنه سقط عمدا من أضابير الذاكرة . و لكني أظن الاتصال جري عصرا …
قالت دون مقدمات أن جارنا ، إبن خالها ، قد اتصل بها من بورسودان أو كسلا و أخبرها أن الدعم السريع قد دخل بيته … ثم بعد ذلك دخل بيتنا الملاصق لبيته … كيف دخلوا ؟؟؟ لقد غلّقنا الأبواب الخارجية بالمفاتيح و تممنا عليها و سلمنا المفاتيح لابن الجيران و الذي هو في الواقع من أقرباء زوجتي … طبعا لم أكن أتوقع أية إجابة منطقية لأسئلة مثل هذه …و في الواقع لم أسأل أحدا حتي الآن ….
الأمر الذي أدهشني فيما بعد كما علمت أن أبواب الشارع ظلت مشرعة ليوم أو يومين .. دون أن يقترب أحد … و في اليومين أو الثلاثة التالية تم سحب العربة من القراش بواسطة ونش …إذ
لا يمكن تشغيل العربة دون الكمبيوتر الذي أودعناه أيضا عند ابن الجيران … و علمنا فيما تلا من أيام أن العربة والأجهزة من تلاجة و بوتاجاز و لابتوبات و كاميرا و خلافه قد تم نهبها في اليومين الأولين من ” الفتح ! ” و من قبل الدعم السريع . أي كل ما غلا ثمنه و خف حمله .. إلي هنا الأمور مفهومة …
و لكن جاءت إشارة أخري بعد اسبوع أن ما يسمي بالشفشافة يقودهم أحد السماسرة ( أشار جيراننا إلي أن السماسرة هؤلاء وهم من مواطني العاصمة و ما حولها كانوا – ربما باتفاق مع الدعم السريع – يستأجرون أو يتفقون مع نسوة من بعض الأحياء الطرفية لنهب الأثاثات و الملابس و عدة نسوان البيوت الظاهرة و المخزنة ، و يأتي هؤلاء السماسرة بدفارات أو بكاسي تقف بعيدا ، و من ثم تحمل النسوة الشفشافات بقج الملابس و الحقائب المكدسة و الترابيز الصغيرة و الكراسي و المراتب و غيرها إلي حيث ينتظر السماسرة ، و بعد ذلك تتجه تلك الدفارات بحلول الظلام إلي ضواحي العاصمة و قراها المحيطة حيث تخزن في بعض البيوت … و قد يبدو من الطبيعي أن هذا جري لآلاف المنازل في العاصمة المثلثة …
اتصلت بي بعض قريبات زوجتي في القاهرة و ابتدرنني بالمواساة : “ربنا يعوضكم !” فرددت دون وعي :
· ” الموت مع الجماعة عرس ” …
تغيرت نظرتي للأمور بعد ذلك و قلت في نفسي و أنا اصطنع ضحكة بلا معني: ” ما بعد هذا اليوم المشئوم لن يكون كما قبله ! ” ، أو كما قال رئيس دولة عظمي قبل عشرين عاما و نيف : ” ما بعد 9\11لن يكون كما قبله !!” ….
أخذت استرجع الأيام التي سبقت الحرب ؛ تلك التطمينات من قبيل: ” الدعم السريع من تلافيف القوات المسلحة ” أو ” نحن و الدعم السريع علي قلب رجل واحد ” … يعني قلبين في جسد واحد أو نحو ذلك … و يا دار أو يا بيت ما دخلك شر …..
في ذلك اليوم العصيب و بعد حلول ليل القاهرة ، ربما قبل ساعة من انتصافه ، خرجت لأتنسم بعض الهواء ، و لأتمشي لعل المشي يذهب الضيق و الكرب … و تأملت العمارات و الشوارع المعتادة و المحلات المضيئة بعيون جديدة … هنا البقالة التي آخذ منها كارت شحن مكالمات الموبايل ، و هذه صيدلية الدواء لأصحابها القبط الرسميين جدا في التعامل ، و هناك صاحب البقالة الخمسيني او الستيني الذي يشكو لي عن الأحوال (أحواله هو المعيشية و لكن و لا مرة سألني عن ماذا جري لنا هناك !!؟؟) و هنا علي اليسار مطعم الفول و الطعمية …و قريبا من المنعطف يرتفع محل تصوير المستندات … و واصلت طريقي حتي ساحة ” كايرو مول ” الضاجة أبدا … و هناك تخيًرت نقطة علي الحائط القصير الذي يشبه دكة طويلة في مواجهة
الشارع المقطوع بحفريات المترو ، والذي ما يزال مزدحما بالعربات و المركبات السائرة و المتوقفة ، و عن يميني و شمالي جلس أناس بعضهم منفردين و بعضهم بأسرهم …. ورحت أسرح مرة و تارة أخرى أتمعن … في ما يبدو أنه فندق كبير مقابل ، لابد أن محمدا – نسيبي – قد يكون قد أمضي فيه آخر ليلة في حياته القصيرة نسبيا و منه إلي المستشفي فالمقابر في أطراف صحراء القاهرة الغربية …
و في تأملاتي تلك و أنا علي الدكة القصيرة المحيطة بحديقة كايرو مول صفعتني مترادفة ” السلب و النهب ” و اختها الحميمة “الغنيمة” … هكذا إذن … عدنا بقدرة قادر إلي العصور الوسيطة و ما قبلها … إلي أيام القبائل و العشائر المتناحرة و الغزوات و ما يفرضه الغالب علي المغلوب … إذن نحن مغلوبون و خطيئتنا الكبري أننا هربنا … و لكننا هربنا لأننا لم نجد من يحمينا !!.. الشرطة اختفت من أول يوم ! … و طارت الأخبار تتناقلها الألسنة بأن الجيش انسحب إلي حامياته و ترك الجميع في الهواء الطلق …
صحيح أن النهب لم يجري من أول يوم من الحرب و لكن فيما عقب ذلك من أسابيع و في مناطق محدودة في الخرتوم و بحري استهدفت الأحياء “الراقية” ؛ الصيدليات و بعض المستشفيات و المتاجر و المصانع . ولكن أمدرمان القديمة مابها ؟ ليس بها عمارات و لا فيلل بالمعني و لا صيدليات و لا متاجر و لا مصانع !! سمعنا بنهب سوق أمدرمان و متاجره و لكن البيوت في امدرمان القديمة ؟؟!! معني ذلك أن الوضع قد تغيّر و أن النهبوت و الغنيموت قد تمدد و أن من لم يجد فرصة أو سانحة لينهب في الخرتوم و بحري أتي ليجرب حظه في أمدرمان القديمة اليتيمة و بيوتها التي هرب سكانها …
وجدت نفسي استرجع مقطعا لشاعرة صومالية/بريطانية إسمها ” ورسان شري” ، رغم صغر سنها و حداثة تجربتها :
· لا أحد يتخلي عن بيته
إلا إذا كان البيت فك قرش مفترس …
عليك أن تفهم … عليك أن تفهم
………..
في السنوات الماضية عرفنا أن شيئا شبيها لذلك جري في ليبيا في 2011 و ما بعدها ، و ما عربات البوكو حرام التي جري تهريبها و ظهرت بأعداد مهولة في محلات السماسرة علي طول شوارع و ميادين العاصمة المثلثة و غيرها إلا خير مثال …
و لكن لم يكم النهب و علي مر العصور مجرد سرقة للأشياء و المقتنيات ، بل كان سرقة لوهم الأمان و الحياة الطبيعية …
و في بلاد السودان في التاريخ المدوّن القريب حدث النهب و السلب و مبدأ الغنيمة علي فترات في سنوات تحالف السلطنة الزرقاء و العبدلاب في قرونها الثلاثة ، مرورا بغزو اسماعيل باشا و صهره الدفتردار حتي دولة المهدي و خليفته …
و لكن التاريخ العجيب بسمومه المختلفة يخبرنا أنه و بعد سنة 1899 و مقدم الجنرال كتشنر علي رأس حملة إعادة ” فتح !” السودان و حتي 1956 أجبرت القبائل و العشائر علي الهدوء والإقلاع عن تقتيل بعضها و الاتجار في بعضها ….
غير أن النهب و السلب و ربما الغنيمة نفسها جرت في الخفاء بعيدا عن الأعين في جنوب البلاد و شعبه و لما يقرب من نصف قرن بعد الاستقلال – عدا سنوات معدودة بعد اتفاقية 1972 …
أما فيما أعقب انقلاب 89 التحفة فيكاد يكون معلوما للكثيرين ليس بفضل ظهور الفضائيات فحسب ، بل بالعداوات التي جر النظام نفسه إليها و شرعنته الجهادية غير المحسوبة لحربه في الجنوب و حشده للشباب صغار السن في تلك المعارك المأساوية التي انتهت بذهاب الجنوب و شعبه المكلوم ……..
و لكن ما جري في دارفور بعد 2003 كان محسوسا بدرجة أكبر … و الفضل يرجع لتطور وسائل الإعلام الحديثة لا سيما مقدم ميديا التواصل المجتمعي و غيرها من العوامل و من أهمها نشاط أبناء الضحايا في أوروبا و أميريكا تحديدا … و عزلة النظام رغم محاولات الإنكار … و التي انتهت بقدوم القوات الأممية و وصولا ل اتهام و مطاردة رأس النظام و معاونيه بالإبادة الجماعية و جرائم الحرب …
يبدو أن التاريخ لم ينصفنا كشعب أو شعوب في هذا الجزء من العالم ، و يبدو كذلك أننا طارئون علي مفهوم الدولة الحديثة ؛ بل علي مفهوم الحداثة و تعقيداتها و التي تسعي كل البشرية الناشئة و منذ أكثر من قرن من الزمان بايديها و أرجلها لاقتطافها – أي هذه الحداثة – و التمتع بخيراتها … ابتداء من جزر بابوا نيو غينيا شرقا حيث ناسها هم من الأوائل الذين يحتفلون بمقدم رأس السنة الجديدة كما علمتنا الفضائيات … و انتهاء بالسواحل الغربية للمكسيك …
ألم يقل شيخ التنوريين الأوروبيين “هيقيل” قبل قرنين أن التاريخ هو تجلي الروح المطلقة ! … و أن التاريخ العالمي هو تقدم وعي الحرية … و أنه يمضي في سيرورته المظفرة نحو غايته المحددة مسبقا !!؟؟ …
إذن ماذا حدث لنا ؟ و ماذا فعل هذا التاريخ المسموم بنا ؟… بل و لماذا يعيدنا سيرتنا الأولي ؟!!!. كأنه يؤكد مقولة ” تيودور أدورنو” ناقد هيقيل : التقدم أو التطور ليس عملية خطية أو حتمية !!؟؟ و التي نشرها في ستينات القرن العشرين ….
عدت من جولتي الليلية بعد منتصف الليل و راسي منهك و مشوش … و لم أنم إلا بعد الفجر بزمن طويل …
و استيقظت متأخرا و رأيت الاتصال ببعض من أعرفهم : و جاء في خاطري أيهاب أندراوس الهارب من بحري …
جاءني الصوت مرحّبا و مطمئنا و خاطبني باسمي ما يعني بأنه احتفظ برقمي و دوّنه في موبايله بحرص . لم أخبره بما جري لبيتنا … فالمصيبة واحدة وقد يكون ما جري له و لأسرته الممتدة أشد و أمرّ … تبادلنا الحديث لبضع دقائق مع وعود بالالتقاء للتعارف أكثر و لم أكن أدري أن ذلك كان الاتصال الأخير بيننا ….
· هل تعرفين ماركيز ؟
و عرجت قبل انتصاف النهار علي دكة الخضار و العيش ، و في الطريق كنت بلا وعي أتطلع إلي العربات و موديلاتها … الشئ الذي لم أكن أفعله من قبل .. كنت فيما يبدو أحاول استرجاع هيئة عربتنا المنهوبة !!.. و تخيلت نفسي استوقف إحداها و أخاطب السائقة أو السائق المصري المذهول :
- نفس موديل و لون عربيتك نهبوه مننا … هناك جنوبا قريب من ملتقي النيلين … علي بعد آلاف الكيلومترات من هنا يعني … هه !!!
و لكن ذلك كان وهما . و الحقيقة أنني أبلغت الخبر الفاجع للمعلم أحمد بائع الخضار و العيش .. كان يستمع إليّ و هو مشغول برص الأرغفة علي الطاولة الموضوعة في طرف الشارع ثم يمشي بخطي متسارعة لبسطة الخضار ليباشر زبونا … و يعود مرة أخرى ليستمع لقصتي دون حماس ظاهر … و دون أن يسألني عن أي تفصيل أو مكان …
فتذكرت مشهدا قديما حكته كاتبة مصرية في الصفحة الأخيرة لجريدة ” الوطن” الكويتية ” تحكي أنها في يوم من أيام القاهرة و في سوق الخضار القريب من بيتها صادفت إمراة جاءت مثلها تشتري خضارا و تبادلتا الكلام أثناء انتقائهما للخضر ، و بعد فراغهما من السوق تصادف أن كان طريقهما إلي بيوتهما واحدا فواصلتا الحديث و عند وصول الكاتبة إلي عمارتها دعت المرأة إلي الصعود لشرب الشاى أو القهوة … لكن تلك رفضت بشدة و مضت في طريقها بإصرار .. قالت الكاتبة أنها قبل دعوتها للمرأة كادت تسالها :
” هل تعرفين ماركيز ؟!! “
إذ كان ماركيز حينها و بعد فوزه بنوبل علي كل ألسنة العارفين … و فسرت الكاتبة رفض المرأة إلي أنها قد تكون انتبهت للتباين الواضح بين مظهريهما . تلك المرأة كما قالت الكاتبة كانت إمراة من غمار الناس و ربما كانت أمية و ربما انتبهت بغتة لزي الكاتبة الشيك و العصري .. و تلك كانت ترتدي ملابس قديمة أو بلدي كما يقولون و حذاء باليا نوعا و كذلك ربما انتبهت لشكل العمارة الحديثة التي تقطنها الست الكاتبة …
….. يتبع
*
fattah71@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم