تأمُلات
كمال الهِدَي
أحسست بوجع مهول حين وقعت عيناي على خبر يقول: ” الشخصية التي تم تعديل النظام الأساسي لها هو الملياردير محمد نور أبو القاسم (جدو)، رئيس شركة بترو جيلي.
وبنظرةٍ إلى صورته بدا لي الفتى يافعاً جداً، وفي مثل هذه الحالات لابد أن يتساءل أي صاحب عقل: كيف سمحت له سنين عمره القليلة أن يصير مليارديراً، سيما أننا لم نسمع به كسليل إحدى العائلات المعروفة بالثراء والعمل التجاري في سوداننا المكلوم.
لكن الغالبية لا تطرح مثل هذه الأسئلة الصعبة، ولهذا وصلنا إلى مرحلةٍ يجري فيها تغيير النظام الأساسي في نادي الخريجين الأوائل من أجل عيون من يملك المال، ولو كان يافعاً، طفيلياً، لصاً، أو حتى قاتلاً، فكل ذلك لا يهم.
وما زاد وجعي على الحال التي وصل إليها نادينا العريق، الذي كنا نباهي به الأمم، أن البعض بصموا سريعاً على خطوة تغيير النظام الأساسي من أجل عيون “جدو” ، الذي لن يكون الأخير في لعبة تحويل الهلال لمطيةٍ وسلمٍ للصعود وتحقيق النجومية.
المؤسف حقيقةً أن كثيراً من المشجعين بسيطي التفكير، الذين توجههم مجموعة محدودة من صحفيين أرزقية استمرؤوا التكسب من موائد إداريي الغفلة في هذا الزمان الأغبر، لا يدركون أن الطفيليين الذين سيطروا على نادينا العظيم مؤخراً يستفيدون منه أكثر مما يفيدونه.
صحيح أنهم يدفعون رواتب مغرية للاعبين، ويتعاقدون مع محترفين أجانب بمبالغ طائلة، لكنهم في مقابل ذلك يحصلون على صفقات تدر عليهم أرباحاً مليارية، وتُفتح أمامهم أبواب لا تُحصى ولا تعد لمجرد أن الواحد منهم صار إدارياً في هذا النادي الكبير. ولهذا تجد الواحد منهم سخياً تجاه عدد من حملة الأقلام الرخيصة، الذين لا مانع عندهم من أن يتحول الهلال إلى ملكية خاصة طالما أن حساباتهم تُغزر كل يوم.
ويبقى السؤال الأهم: ماذا حقق الهلال خارجياً في مقابل الأموال الطائلة التي أُنفقت على المحترفين الأجانب، والمدربين، والمعسكرات الخارجية، و “النقطة” التي ظل يقدمها العليقي لكل من يسجل هدفاً؟!
بالطبع كانت المحصلة صفراً، وهو ما ذكرته في هذه الزاوية مراراً، وقلت بصريح العبارة أن الأموال المشبوهة لن تجلب للهلال بطولة خارجية، حتى ولو تعاقد هؤلاء مع ميسي ورونالدو والآن نضيف إليهما يامال.
لا شك في أن المال مهم جداً لأي نادٍ لكرة القدم، لكنه ليس أهم من فرض المؤسسية والنظام والانضباط، وتوفر المعرفة والقيم والأخلاق.
. وبمقارنة بسيطة بين أعظم ناديين في العالم، برشلونة وريال مدريد، ومع الفارق الكبير بين حالهما وحالنا، والتأكيد على أن أموال ريال مدريد ليست مشبوهة ولا يموله طفيليون، إلا أن مؤسسية برشلونة ومحافظته على قيمه وتقاليده، واعتماده على مدرسته الرائدة “لاماسيا”، مكنته من التغلب على كثير من مشاكله المالية المعقدة في السنوات الأخيرة.
لكن لأن لدينا أقلاماً رخيصة، كما أسلفت، ومجموعة متكسبين، راجت فكرة أن أنديتنا تحتاج للمال فقط لكي تكبر خارجياً وتحقق البطولات. والمؤسف أن كثيراً من السذج والبسطاء صدقوا ما ينشره المكتسبون، وأصبح هؤلاء البسطاء يروجون لهذه الفكرة المُضللة فيما بينهم، بل وتشكلت وسط المشجعين أنفسهم مجموعات تتكسب من وراء اسم الهلال ومن علاقاتهم بإداريي الغفلة.
لهذا كان من الطبيعي أن نصل مرحلة تغيير النظام الأساسي من أجل ثريٍ جديد.
وما يفوت علي الكثير من زرق الجباه أن “جدو” جزء من نفس دائرة السوباط والعليقي وشلة الصحفيين الذين يطبلون لهما.
وهنا لابد أن نطرح السؤال: لماذا أصروا على إدخاله معهما، حتى ولو كلف ذلك تغيير النظام الأساسي؟ الإجابة بالنسبة لي لا تحتاج إلى عناء التفكير، فبعد أن تذوق الإداريون الحاليون (حلاوة) أن يكونوا علي رأس نادٍ بحجم الهلال واستفادوا من التسهيلات، وتمرغوا في الخير الوفير الذي يتيحه هذا الاسم الكبير، ارتأوا أن يكون لبقية أصدقائهم نصيباً من ذلك، وأنتم يا جماهير النادي آخر من يعلم بما يجري في الخفاء.
سبق أن كتبت مراراً، وأعيدها هنا: كلما تنازلنا عن شيء سيقودنا ذلك للتنازل عن ما هو أكبر منه. ولن يتوقف العبث عند تعديل النظام الأساسي من أجل “جدو”، بل سيستمر هذا العبث طالما أن الأهلة اختاروا أن يغيبوا عقولهم ويسمحوا للارزقية بتسويق أي فكرة مهما كانت سيئة.
فغيروا ما بأنفسكم يا أهلة، وعودوا إلى رشدكم يعود إليكم ناديكم العريق.
kamalalhidai@hotmail.com
