كتب الأستاذ الجامعي د.محمد عبد الحميد
من قياس إجابة الطالب إلى قياس قدرته على مواجهة الواقع
خلال سنوات الحرب التي مر بها السودان، واجهت الجامعات اختبارا حقيقياً لقدرتها على التكيف والبقاء. فقد تجاوز التحدي مجرد استمرار العملية التعليمية إلى البحث عن وسائل تضمن استمرار الرسالة الأكاديمية في ظروف استثنائية عطلت كثيرا من أنماط العمل التقليدية.
وفي هذا السياق، ظهر التحول الرقمي، ومنه الاعتماد على الامتحانات الإلكترونية القائمة على الاختبارات متعددة الخيارات (MCQs)، كأحد الحلول العملية التي ساعدت المؤسسات التعليمية على مواصلة عملها.
ولا شك أن هذا التحول حقق مكاسب مهمة… فقد أتاح إجراء الامتحانات في ظروف بالغة التعقيد، وقلل الزمن والجهد المرتبطين بعمليات التصحيح، وحقق قدرا من السرعة والانتظام في إعلان النتائج.
كان المشهد في ظاهره انتصاراً واضحا للتقنية.
ولكن خلف هذا النجاح التقني يظل سؤال أعمق حضورا.. وهو هل تكفي كفاءة الأداة في إنجاز عملية الامتحان لتكشف كل ما يحتاج إلى معرفته عن الطالب؟
هنا يظهر الفرق بين التعليم كعملية تنظيمية، والتعليم كمشروع لبناء الإنسان.
فالجامعة تتجاوز مهمة نقل المعرفة واختبار استرجاعها إلى بناء عقل قادر على التحليل والنقد والتفسير واتخاذ القرار، وعلى تحويل المعرفة من معلومات محفوظة إلى قدرة عملية.
ويصبح هذا السؤال أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بالتخصصات التي تتعامل مع الواقع الإنساني المركب، مثل دراسات الكوارث.
فهذا التخصص لا يتعامل مع الكارثة كحدث تقني منفصل، وإنما يدرسها باعتبارها ظاهرة تتقاطع فيها مستويات متعددة… الطبيعي بالاجتماعي، والاقتصادي بالسياسي، والإنساني بالأخلاقي.
فالمتخصص في دراسات الكوارث يتحرك في مساحة تتداخل فيها المبادئ الإنسانية مع المصالح السياسية، والقيم الأخلاقية مع ضغوط الواقع، والحاجات البشرية مع الأجندات المتنافسة.
فهو في الواقع يتعامل مع بشر يحملون تاريخا وتجارب ومخاوف وتطلعات. ولهذا فإن العمل في هذا المجال يحتاج إلى عقل قادر على قراءة التعقيد، وفهم السياق، وبناء البدائل، واتخاذ القرار في بيئة تتسم بعدم اليقين.
في مثل هذه الحالات لا تكفي معرفة تعريف الهشاشة أو مفهوم القدرة على الصمود، وإنما يصبح السؤال المهني أكثر تعقيدا.. ما التدخل الأكثر ملاءمة؟ ما البدائل الممكنة؟ كيف تُرتب الأولويات؟ وكيف يمكن الدفاع عن قرار معين عندما تكون جميع الخيارات ناقصة؟
وهنا تظهر المسافة بين امتلاك المعرفة وامتلاك القدرة.
وفي هذا السياق قد وصلتني رسالة صوتية من أحد الخريجين تكشف جانبا مهما من هذه الفجوة. فقد عبّر عن شعوره بأنه لا يمتلك الكفاءة الكافية لأداء المهام عندما يدخل بيئة العمل. لم تكن المسألة مرتبطة بحصوله على الشهادة، وإنما بالشعور بوجود مسافة بين ما تعلمه داخل الجامعة وما يواجهه عندما ينتقل إلى الواقع المهني.
وهنا يصبح السؤال موجها إلى نظام التعليم نفسه… هل تكشف أدوات التقويم المتبعة بالفعل عن جاهزية الطالب لما ينتظره بعد التخرج؟
ولا يقتصر هذا السؤال على دراسات الكوارث وحدها. فالكثير من العلوم، وخاصة التطبيقية منها، تضع الإنسان أمام واقع لا يقدم حلولا جاهزة.
فخريج الطب بنفس المستوى يتعامل مع إنسان له ظروف نفسية واجتماعية وأخلاقية تجعل القرار الطبي أكثر تعقيدا من تطبيق قاعدة محفوظة.
وكذلك خريجو الفيزياء أو الكيمياء أو الأحياء الدقيقة لا يكتفون بمعرفة القوانين والنظريات، وإنما يحتاجون إلى القدرة على تفسير الظواهر، وبناء الفرضيات، واكتشاف العلاقات الجديدة.
وحتى مجالات مثل اللسانيات والآداب والإدارة، رغم اختلاف طبيعتها، تتطلب عقلا قادرا على التحليل وفهم الإنسان والثقافة والمؤسسات كظواهر مركبة.
إن القاسم المشترك بين هذه المجالات جميعا أن المعرفة لا تنتهي عند امتلاك الإجابة، وإنما تبدأ عند القدرة على استخدامها في مواجهة سؤال جديد.
وجدير بالقول ان الاختبارات متعددة الخيارات (MCQs) لم تظهر في الأصل كتصور كامل لمعنى التعلم، فقد جاءت في الأصل كاستجابة لحاجة عملية فرضتها طبيعة التعليم الحديث، حيث ظهرت أعداد متزايدة من الطلاب، و تزايدت حاجة المؤسسات التعليمية إلى وسيلة أكثر سرعة وانتظاماً وموضوعية في التصحيح.
وقد قدمت هذه الأداة حلولا مهمة لمشكلة حقيقية. فهي تساعد على قياس جانب من المعرفة، وتقلل من تفاوت التقدير بين المصححين، وتوفر وسيلة عملية للتعامل مع أعداد كبيرة من المتعلمين.
لكن السؤال يبدأ عندما تتجاوز الأداة حدود وظيفتها الطبيعية، وعندما تصبح الطريقة الأسهل في القياس معيارا لما ينبغي أن نعتبره تعلما.
فكل أداة قياس تحمل معها تصورا ضمنيا حول نوع المعرفة التي تمنحها الأولوية.
فعندما يعتمد التقويم بدرجة كبيرة على اختيار إجابة صحيحة من بين مجموعة خيارات، فإنه يقيس قدرات مهمة مثل تذكر المعلومات، واستدعائها، والتمييز بين البدائل.
وهذه قدرات ضرورية في بناء التعلم، لكنها تمثل مستوى من مستويات التفكير، وتحتاج إلى أن تكتمل بمستويات أخرى أكثر عمقا.
وخلال التأمل في طبيعة هذا النمط من التقويم، يمكن التمييز بين عمليتين عقليتين تتكرران كثيرا في تجربة التعلم، أطلقُ عليهما مصطلحي… (الاستظهار والاستحضار).
فالاستظهار هو قدرة الطالب على حفظ المعرفة وتخزينها، أما الاستحضار فهو قدرته على استدعاء هذه المعرفة عندما يُطلب منه ذلك.
وهاتان العمليتان تمثلان مرحلة ضرورية في التعلم، لأن العقل يحتاج إلى رصيد معرفي يبني عليه.
غير أن التعليم الذي يقف عند هاتين المرحلتين قد ينجح في تخريج طلاب يمتلكون مخزونا معرفيا، لكنه يحتاج إلى خطوات أخرى حتى يبني عقولا قادرة على التحليل والنقد وإنتاج المعرفة.
فهناك مرحلة ثالثة أكثر عمقا، هي مرحلة ما أسميه(تشغيل المعرفة) حيث تتحول المعلومات المخزنة والمستعادة إلى قدرة على تفسير الظواهر، وبناء الحجج، وصياغة الأسئلة الجديدة، والوصول إلى استنتاجات لم تكن جاهزة مسبقا.
فالعالِم لا يضيف جديدا لأنه استطاع استرجاع معلومة محفوظة، وإنما لأنه أعاد النظر في المقدمات، واختبر الافتراضات، وبنى تصورات جديدة، وربط بين ظواهر لم تكن تبدو مرتبطة.
والباحث لا يكتفي بأن يعرف ما قاله الآخرون، وإنما يتساءل هل ما قيل ما زال صالحا؟ هل توجد زوايا أخرى للنظر؟ هل يمكن بناء تفسير أكثر قدرة على فهم الواقع؟
ولهذا فإن الخطر يظهر عندما تتحول عمليتا (الاستظهار والاستحضار) إلى نهاية الرحلة التعليمية بدل أن تكونا محطة انطلاقها.
إن المعرفة التي لا تتحول إلى قدرة على التفكير قد تصبح مع مرور الزمن معرفة جامدة. وبعد سنوات قليلة قد يجد الإنسان أن كثيرا مما حفظه تغير أو أصبح تاريخا وعتيقا، بينما تبقى لديه قيمة ما تعلمه من طرق التفكير والتحليل.
وهنا تظهر إحدى أهم وظائف التعليم..
أن ينتقل الإنسان من امتلاك المعلومات إلى امتلاك القدرة على التعامل معها.
فالطالب الذي يتخرج وهو يعرف كيف يسأل، وكيف يحلل، وكيف يبني حجة، وكيف يراجع افتراضاته، يمتلك قدرة على التعلم المستمر حتى بعد تغير المعارف والنظريات. وهو بهذا مشروع (عالِم)… أما الطالب الذي اعتاد البحث عن الإجابة الجاهزة، فقد يجد نفسه أمام عالم مهني لا يقدم له قائمة خيارات. وهو يظل مجرد خريج حامل درجة.
وهنا تجدر العودة لطبيعة العمل في دراسات الكوارث، حيث لا تأتي الأزمات في صورة أسئلة محددة لها إجابة نموذجية. فالقرار الإنساني بطبيعته معقد ويحتاج في أوقات الكوارث إلى موازنة بين اعتبارات متعارضة، وإلى قراءة للسياق، وإلى قدرة على التعامل مع نقص المعلومات وعدم اليقين.
ولهذا فإن تقويم الطالب في هذا المجال يحتاج إلى أن يسأل عن أكثر من قدرته على (استظهار واستحضار) المفاهيم، يحتاج إلى اختبار قدرته على استخدامها. كيف يحلل حالة واقعية؟ كيف يدافع عن خيار معين؟ كيف يوازن بين البدائل؟ كيف يقترح حلولا مبتكرة عندما لا تكون الحلول الجاهزة كافية.
ففي الطب، لا تكفي معرفة قائمة الأمراض، لأن الطبيب يواجه إنسانًا وحالة وسياقاً.
وفي العلوم الطبيعية، لا تكفي معرفة القوانين والنظريات، لأن التقدم العلمي يقوم على صياغة الأسئلة الجديدة واختبار الفرضيات.
وفي الإدارة والعلوم الإنسانية، لا تكفي معرفة النماذج والنظريات، لأن الواقع غالبا أكثر تعقيدا من أن يخضع لقالب واحد.
ومن هنا تظهر محدودية أي نظام تقويم يعتمد على مقياس واحد مهما بلغت دقته.
فكل مقياس يكشف جانبا من الحقيقة، لكنه يترك جوانب أخرى خارج نطاق الرؤية.
وقد عبّر عن هذه الفكرة ما يعرف بقانون غودهارت.. عندما يتحول المقياس إلى هدف، يتوقف عن كونه مقياسا جيدا.
فعندما يصبح النجاح في الامتحان هو الغاية الأساسية، قد يتعلم الطالب كيف يتعامل مع متطلبات الامتحان أكثر مما يتعلم كيف يتعامل مع المعرفة نفسها.
وعندما يصبح رفع الدرجات هو المؤشر الأهم، قد ينصرف الاهتمام إلى تحسين الرقم بدل تحسين القدرة التي يفترض أن يعكسها الرقم.
وهنا تظهر مفارقة التعليم الحديث..
قد نمتلك أدوات أكثر سرعة ودقة في القياس، لكننا نحتاج في الوقت نفسه إلى حكمة أكبر في فهم حدود ما تقيسه هذه الأدوات.
فالدقة في القياس جزء من الحقيقة لا تعني الإحاطة بالحقيقة كلها.
ولهذا فإن تطوير التقويم الجامعي يبدأ من سؤال أعمق… كيف نجعل التقويم أكثر قدرة على الكشف عن الإنسان الذي نريد بناءه؟
فالجامعة التي تعد خريجا لمواجهة عالم معقد تحتاج إلى منظومة تقويم متعددة الأدوات.. تقيس المعرفة، وتختبر القدرة على التحليل، وتكشف مهارة التواصل والتعبير عن الذات، وتقدر على رؤية التفكير خلف الإجابة.
لأن الحياة المهنية لا تسأل الإنسان دائما عن الإجابة التي يعرفها، وإنما عن قدرته على التفكير عندما لا تكون الإجابة واضحة.
وربما هنا يكمن السؤال الحقيقي خلف كل نقاش حول القياس.. هل استوردنا أدوات القياس فقط، أم استوردنا معها فلسفة معينة عن معنى المعرفة والنجاح والكفاءة؟
فالقياس ضرورة، لكنه يحتاج إلى وعي بحدوده. والتعليم يحتاج إلى امتحانات، لكنه يحتاج أيضا إلى مساحات يظهر فيها العقل وهو يعمل.
ولعل أكثر ما تكشفه التجربة الأكاديمية في المجالات المرتبطة بالإنسان والأزمات أن المعرفة لا تظهر قيمتها عندما نستعيدها، وإنما عندما نحتاج إليها في لحظة لا تمنحنا إجابات جاهزة.
ولهذا، فإن إصلاح التقويم يتطلب تطعيمها بأدوات نوعية تعيد الاعتبار للعقل المفكر، كالامتحانات القائمة على السيناريوهات الواقعية، والمناقشات الشفوية القصيرة (عن بُعد أو حضورياً)، وملفات الإنجاز المصغرة التي تتيح للطالب أن يُظهر كيف يفكّر، لا ماذا يحفظ. وهذه الأدوات، رغم بساطتها، قادرة على سد الفجوة بين الاستظهار وتشغيل المعرفة، شرط أن نمتلك الجرأة على إعادة توزيع أوزان التقييم، ومنح مساحة للتفكير لا تقلّ أهمية عن مساحة التذكّر. تظلّ الأسئلة مفتوحة: هل جامعاتنا مستعدة لهذه الجرأة؟ وهل نحن – كأساتذة – قادرون على تصميم اختبارات تكشف عن الإنسان قبل الدرجة؟ لأن الإنسان أوسع من رقم، والمعرفة أعمق من إجابة، والتعليم الحقيقي يبدأ عندما يصبح العقل قادراً على إنتاج المعنى، لا مجرد استرجاعه.
د. محمد عبد الحميد
prof.mohamed.ahameed@gmail.com
