محمد هاشم محمد الحسن
يقدم مقال د. أماني الطويل قراءة مهمة للحرب في السودان، ويشرح كيف لم تعد الأزمة مجرد صراع داخلي، بل أصبحت مرتبطة بتوازنات إقليمية ودولية، خاصة مع تصاعد المواجهة مع إيران. هذه زاوية مفيدة لفهم ما يحدث، لأنها تضع السودان داخل سياق أوسع من مجرد صراع بين أطراف داخلية.
لكن رغم قوة هذا التحليل، يبدو أن المقال يمنح العامل الإيراني وزنًا كبيرًا في تفسير الصراع، بينما تشير الوقائع إلى أن مركز الأزمة لا يزال يتشكل داخل السودان نفسه، في توازنات القوة بين الجيش، والدعم السريع، والشبكات المرتبطة بهما.
فالحرب السودانية لم تتحول بالكامل إلى صراع إقليمي، بل ما زالت تُحسم بشكل أساسي داخل موازين القوى المحلية، وهو ما يجعل أي قراءة تختزلها في عامل خارجي واحد عرضة لتجاهل عناصر أكثر تأثيرًا على الأرض.
كما أن هذه التوازنات لا تنفصل عن عوامل داخلية أكثر تعقيدًا، تشمل اقتصاد الحرب، والبنية الاجتماعية والقبلية، وتركيبة الدولة نفسها، وهي عناصر تلعب دورًا مباشرًا في تحديد مسار الصراع واستمراريته.
كما أن هناك مفارقة أكثر وضوحًا في طبيعة الدور الإقليمي نفسه، إذ إن القوى التي تطرح نفسها كداعمة للاستقرار تساهم، بشكل غير مباشر، في إعادة إنتاج نفس شروط الصراع. فالدول الفاعلة في الملف السوداني لا تتحرك وفق رؤية موحدة، بل ضمن مصالح متباينة تتقاطع أحيانًا وتتصادم أحيانًا أخرى.
فالسعودية تنظر إلى السودان من زاوية أمن البحر الأحمر، وضرورة منع أي تمدد إقليمي قد يهدد هذا المجال الحيوي، وهو ما يجعلها تميل إلى دعم استقرار الدولة، حتى وإن جاء عبر مؤسسات تقليدية.
أما مصر، فتتعامل مع السودان باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، خاصة في ما يتعلق بملف سد النهضة، وهو ما يدفعها إلى دعم الجيش بوصفه الفاعل الأكثر قدرة على ضمان استقرار يمكن التفاهم معه. كما تميل إلى تفضيل نموذج الدولة المستقرة على حساب التحولات السياسية غير المضمونة.
لكن هذا الدعم لا يعيد إنتاج الاستقرار بقدر ما يعيد إنتاج موازين القوة نفسها، إذ يؤدي عمليًا إلى تعزيز نفوذ التيارات الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية، وهو ما يجعل أي استقرار قائم على دعم الجيش استقرارًا هشًا، يعيد تدوير نفس القوى بدلًا من تفكيكها.
في المقابل، تسعى الإمارات إلى توسيع نفوذها في السودان ضمن رؤية أوسع للتحرك في أفريقيا، مع تركيز واضح على المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، إلى جانب موقفها الرافض لتمدد الإسلام السياسي، وهو ما يفسر دعمها لبعض الفاعلين الذين يمكن أن يحققوا هذا التوازن.
وفي هذا السياق، يبدو أن ما يمنح أطراف الصراع القدرة على الاستمرار لا يرتبط بعوامل أيديولوجية عابرة للحدود بقدر ما يرتبط بدرجة الاستقطاب الإقليمي نفسه، الذي يوفر مصادر دعم وتمويل متعددة. فالتنافس بين القوى الإقليمية لا يصنع الصراع من الأساس، لكنه يغذيه ويطيل أمده، ويمنح الفاعلين المحليين القدرة على الاستمرار، وهو ما يحول النزاع من أزمة داخلية قابلة للاحتواء إلى صراع ممتد يصعب حسمه.
هذه التباينات في مواقف الفاعلين الإقليميين تعكس أن السودان لا يتحرك داخل محور واحد مرتبط بإيران، بل ضمن شبكة أوسع من التنافس الإقليمي، وهو ما يجعل اختزال الصراع في بعد واحد قراءة غير مكتملة.
كما أن الربط المباشر بين الإسلاميين في السودان وإيران يبدو مبالغًا فيه، إذا ما أُخذ في الاعتبار الطابع البراغماتي لهذه التيارات، والتي أظهرت تاريخيًا قدرة على إعادة التموضع وفق توازنات الداخل والخارج معًا.
فقد شهدت العلاقة مع إيران تحالفًا وثيقًا في فترات سابقة، قبل أن يتم قطعها بشكل كامل في عام 2016 ضمن إعادة تموضع إقليمي نحو المحور العربي، وهو ما يعكس أن هذه التيارات لا تتحرك كامتداد ثابت لمحور خارجي، بقدر ما تتكيف مع موازين القوة والمصلحة.
من جهة أخرى، يمثل البحر الأحمر عاملًا استراتيجيًا مهمًا، لكن أهميته لا تقتصر على احتواء إيران، بل ترتبط بتنافس متعدد الأطراف، وهو ما يجعل السودان جزءًا من شبكة مصالح معقدة، وليس مجرد ساحة لصراع ثنائي.
أما على مستوى التسوية السياسية، فإن التركيز على استبعاد بعض الفاعلين أو إعادة دمجهم بشكل جزئي قد لا يؤدي إلى استقرار مستدام، لأن جوهر الأزمة يرتبط بكيفية إعادة توزيع السلطة داخل الدولة. وإذا لم تتم معالجة هذه المسألة بشكل شامل، فإن أي اتفاق سيظل هشًا وقابلًا للانهيار.
في هذا السياق، تبدو القوى المدنية هي الحلقة الأضعف، ليس فقط بسبب إضعافها الداخلي المتعمد، بل أيضًا نتيجة تهميشها ضمن ترتيبات إقليمية تميل إلى تفضيل الاستقرار السريع على حساب التحول السياسي العميق.
في النهاية، يمكن القول إن الخطر الحقيقي في السودان لا يتمثل في تحوله إلى امتداد مباشر لصراع إقليمي مع إيران، بقدر ما يتمثل في استمرار نفس بنية السلطة داخل الدولة. فإذا لم تتغير هذه البنية، فإن أي استقرار سيكون مؤقتًا، والصراع سيظل قابلًا للتجدد.
وعليه، فإن السؤال الأهم لم يعد فقط كيف تؤثر الحرب على إيران على السودان، بل كيف يتم استخدام هذا العامل لتفسير صراع أكثر تعقيدًا، تدور مفاعيله الأساسية داخل السودان نفسه، لا خارجه.
herin20232023@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم