هل تعود لجنة إزالة التمكين لتقلب الطاولة على الفلول؟

م. هيثم عثمان إبراهيم

اليوم السابع عشر من مارس 2026 الساعة الواحدة ظهراً (بتوقيت الثورة كما يحلو للديسمبريين)، أصدرت لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو واسترداد الأموال العامة بياناً صحفياً أعلنت فيه رسمياً استئناف أعمالها، مؤكدة عقد العزم على استكمال معركة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 بكافة واجهاته السياسية (الاخوان المسلمون ، المؤتمر الوطني، الحركة الإسلامية) وميليشياته العسكرية وعلى رأسها ميليشيا البراء بن مالك، مستندةً إلى “إرادة الشعب السوداني التي لا تلين ولا تنكسر” .
غير أن عودة اللجنة اليوم لا تُقاس بمعايير لحظة تأسيسها في عام 2019، حين كانت ترفل في ثوب الشرعية الثورية وتعمل تحت مظلة حكومة انتقالية معترف بها دولياً وداخلياً. فالسياق الراهن قد تغير جذرياً. الفاعلون تبدّلوا، والبيئة الأمنية أصبحت كابوسية، والسيادة الوطنية مجزأة بين طرفي نزاع مسلح. وبينما تلمع في الأفق فرص خارجية جديدة – أبرزها التصنيف الأمريكي لجماعات إسلامية في السودان كمنظمات إرهابية – تواجه اللجنة داخلياً تحديات ترقى إلى مستوى “المعيقات البنيوية” التي قد تعيد تشكيل مصيرها وفعاليتها.
هذا المقال يستعرض الإشكاليات المحيطة بعودة اللجنة، موازناً بين الصعوبات الجمة على الأرض، والفرص الاستراتيجية التي قد تمنحها حياة جديدة، معتمداً على المزج بين الرؤى الواردة في القراءات السابقة للمشهد، ومقدماً تركيباً شاملاً يحلل التحولات من عام 2019 حتى مارس 2026.
أولاً: المعوقات الداخلية
لا تعمل اللجنة في جو معافى، بل في بيئة معادية تجعل من استمراريتها تحدياً وجودياً. يمكن تفصيل هذه المعوقات في النقاط التالية:

  1. خصومة سياسية وأمنية مباشرة مع سلطة الأمر الواقع
    تواجه اللجنة حالياً عداءً معلناً من قبل قيادة الجيش السوداني، التي تعتبر نفسها الحامي الشرعي لسيادة الدولة. تجلّت هذه الخصومة في إجراءات عملية قاسية:
  • ملاحقات جنائية: فتح بلاغات ضد أعضاء اللجنة بتهم تتعلق بالمساس بأمن الدولة أو تجاوز الصلاحيات.
  • تجريد من الحقوق: منع أعضاء اللجنة من تجديد وثائقهم الثبوتية (جوازات السفر، البطاقات الشخصية)، مما يجمد حركتهم القانونية.
  • منع العودة: تصريحات رسمية تمنع عودتهم إلى البلاد، تحولهم إلى “منفيين قسرياً”، مما يفقدهم القدرة على المباشرة الميدانية لأعمالهم.
    هذا الوضع يخلق مفارقة خطيرة: لجنة تسعى لتفكيك شبكات تسيطر على الدولة، تعمل هي نفسها من خارج الدولة، وفي مواجهة أجهزتها الأمنية. عضو اللجنة الأستاذ وجدي صالح اعتبر أن قرار تجميد اللجنة الذي أعقب انقلاب أكتوبر 2021 “ليست له مشروعية ولا يساوي الحبر الذي كتب به”، مؤكداً أن اللجنة “ظلت تمثل روح ثورة ديسمبر في مواجهة النظام السابق” في تصريح له على راديو دبنقا.
  1. اغتراب القيادة وشيطنة الصورة الذهنية
    وجود كافة قيادات اللجنة المدنية خارج السودان يخلق فجوة شرعية مع الشارع. وتواجه هذه القيادات حملة إعلامية وسياسية شرسة تهدف إلى:
  • ربطهم بأطراف النزاع: تتهمهم سرديات موالية للجيش بالارتباط الخفي بـ”الدعم السريع” (أو العكس)، لتبرير استبعادهم.
  • اتهامات بالعمالة: يتم تصويرهم كأدوات لدول إقليمية أو دولية تسعى لتفكيك النسيج السوداني.
  • نظرية التقسيم: يُروج لهم كجزء من “مشروع تقسيم السودان”، مما يمس بوحدتهم الوطنية في نظر قطاعات عريضة من الشعب.
    البيان الصادر اليوم حاول التصدي لهذه الاتهامات بشكل غير مباشر، حيث تساءل وجدي صالح في لقائه على دبنقا ايضاً: “ما علاقة الدعم السريع بعودة عمل اللجنة؟”، مؤكداً أن “موقفنا واضح، ولن تصرفنا هذه القضايا عن القيام بمهمتنا” . لكن هذا النفي لا يكفي لتحييد تأثير حملات التشويه على الشارع السوداني المرهق بالحرب، والمستهدف بخطاب استقطابي يومي.
  1. الاستقطاب السياسي الحاد وعسكرة الفضاء العام
    البيئة السياسية في السودان لم تعد تتحمل العمل المدني المحايد. الحرب حولت المشهد إلى ثنائية (معنا أو ضدنا)، مما يعني:
  • خطاب جهوي: طغيان الهويات الفرعية على الهوية الوطنية، مما يجعل أي محاسبة تُنظر إليها على أنها استهداف لجهة معينة.
  • عسكرة القرار: غياب الفضاء المدني الآمن للنقاش، حيث يصبح الاختلاف السياسي جريمة أمنية.
  • صعود خطاب الكراهية: استغلال الحرب لتغذية سرديات الثأر والانتقام، مما يضع أي عمل مدني تحت مجهر الاتهامات.
    في هذا المناخ، يصبح عمل لجنة إزالة التمكين عرضة للتسييس الفوري، ويُفسر أي إجراء تتخذه على أنه انحياز في الحرب الدائرة، بدلاً من كونه إجراءً قانونياً.
  1. انقسام داخلي وإشكالية التكوين الأصلي
    لم تعد اللجنة جسداً موحداً كما كانت في 2019. فبعض الأعضاء الذين ينتمون للمكون العسكري، مثل الفريق ياسر العطا، أصبحوا اليوم في خندق معادٍ للقوى المدنية التي تقود المبادرة الحالية لاستئناف العمل. تقرير سابق لموقع مدنية نيوز وثّق كيف أن تصريحات العضو صلاح مناع حول إطلاق سراح رجل الأعمال التركي أوكتاي وحرم الرئيس المخلوع وداد بابكر – بناءً على توجيهات من البرهان وحميدتي – أدت إلى استقالة رئيس اللجنة آنذاك الفريق ياسر العطا.
    هذا الانقسام يخلق إشكالاً جوهرياً في:
  • الشرعية التمثيلية: من يملك الحق في التحدث باسم اللجنة؟ البيان الصادر اليوم يحمل توقيع “إعلام اللجنة” ويذكر أن اللجنة تعقد اجتماعاتها برئاسة محمد الفكي سليمان، لكنه لا يوضح موقف الأعضاء الآخرين من هذه العودة.
  • المصداقية: هل القرارات المستقبلية ستعكس إجماعاً أم أجندة فصيل معين؟
    هذا الشرخ الداخلي يضعف الموقف التفاوضي للجنة أمام أي جهة دولية أو محلية.
  1. إعادة تمكين النظام السابق تحت غطاء الحرب
    ربما يكون التحدي الأكبر هو الواقع الميداني على الأرض. منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، وتصاعداً بعد حرب أبريل 2023، شهدت الدولة عملية “إعادة تمكين” منهجية:
  • عودة الكوادر: إعادة تعيين عناصر من النظام السابق في مفاصل الخدمة المدنية والأمنية.
  • فك التجميد: عودة ممتلكات وأرصدة كانت قد جمدت سابقاً إلى أيدي أصحابها أو ورثتهم السياسيين. تقرير لسودان تربيون في سبتمبر 2022 وثّق إعادة السلطات تسجيل 22 منظمة طوعية كانت اللجنة قد حلتّها وصادرت أموالها، بناءً على توصية لجنة الاستئنافات التي ترأستها عضو مجلس السيادة السابقة رجاء نيكولا .
  • الغطاء الشعبي: استفادة فلول النظام من غطاء “المقاومة الشعبية” أو الدعم اللوجستي لأحد أطراف الحرب لتمرير نفوذهم.
  • تمدد النفوذ: سيطرة فعلية لعناصر النظام السابق على مؤسسات الدولة في مناطق سيطرة الجيش.
    العضو السابق في اللجنة عروة الصادق وصف هذه المنظمات في تصريحات سابقة 2020م بأنها “واجهات خفية للمؤتمر الوطني والحركة الإسلامية”، مؤكداً أن “كثيراً منها لديها محاضر تحقيق توجب المساءلة القانونية”. وتوقع أن يتم “فك حظر المزيد من المنظمات، ومن بينها ما ورد في تقارير دولية لها ارتباطات بالتنظيمات الإرهابية وتمويل الإرهاب”.
    هذا الواقع يجعل مهمة اللجنة أشبه بمحاولة تجفيف محيط بينما تصب الأنهار فيه باستمرار.
  1. انهيار مؤسسات العدالة وسيادة القانون
    لا يمكن للجنة أن تعمل دون ذراع تنفيذي قضائي. اليوم، لا توجد:
  • شرطة مهنية: قادرة على تنفيذ مذكرات ضبط أو حماية شهود.
  • نيابة مستقلة: تملك الإرادة والقدرة على ملاحقة ملفات الفساد الكبرى.
  • قضاء نزيه: يضمن المحاكمة العادلة بعيداً عن التأثيرات العسكرية.
    بل ان هذه الأجهزة بالكامل تخضع لسلطة الامر الواقع ببورتسودان علاوة على ذلك، القرارات الإدارية التي اتخذتها قيادة الجيش بعد الانقلاب رغم الجدل حول شرعيتها (مثل تجميد عمل اللجنة ومراجعة قراراتها) خلقت “ضبابية قانونية”، حيث أصبح وضع قرارات اللجنة القديمة محل شك، مما يفتح الباب لطعون قانونية لا نهاية لها ضد أي محاولة لاستئناف العمل.
    ثانياً: الفرص الخارجية
    رغم قتامة المشهد الداخلي، تبرز متغيرات إقليمية ودولية قد تمنح اللجنة أدوات ضغط لم تكن متاحة سابقاً، وتحولها من جهة محلية معطلة إلى فاعل دولي مؤثر.
  1. التحولات الجيوسياسية والموقف من الإسلام السياسي
    تشهد المنطقة تحولاً في الموقف الدولي من جماعات الإسلام السياسي، نتيجة للحرب الحالية بين محور (الولايات المتحدة وإسرائيل) ومحور (إيران ووكلائها). السودان، بحكم تاريخه مع الحركة الإسلامية، يقع في قلب هذا الاهتمام.
  • الانعكاس على السودان: تُعتبر الحركة الإسلامية في السودان جزءاً من هذا الملف الإقليمي الشائك. أي تعاون دولي لتفكيك شبكاتها يصب في مصلحة الأمن الإقليمي للدول الغربية والعربية المعتدلة، مما يمنح اللجنة غطاءً سياسياً جديداً.
  1. التصنيف الأمريكي الأخير: ورقة ضغط استراتيجية
    يُعد تصنيف الإدارة الأمريكية لجماعات إسلامية في السودان (بما في ذلك الحركة الإسلامية وكتائب البراء بن مالك) كـ”منظمة إرهابية أجنبية” (FTO) أداة قانونية هائلة. هذا التصنيف يفتح أمام اللجنة آفاقاً جديدة:
  • تعاون استخباراتي ومالي: إمكانية مشاركة الملفات مع وزارة الخزانة الأمريكية (OFAC) لتتبع الأموال.
  • تجميد الأصول الخارجية: القدرة على طلب تجميد أصول مرتبطة بالنظام السابق في البنوك الأوروبية والأمريكية والإفريقية.
  • خنق الواجهات: تضييق الخناق على الشركات الوهمية والواجهات الاقتصادية والإعلامية التي تمول الشبكات القديمة.
    البيان الصادر اليوم رحّب صراحة بـ”تعاون الأسرة الإقليمية والدولية التي تشارك الشعب السوداني رغبته في إنهاء الحرب والتخلص من بنية الاستبداد والإرهاب واسترداد كل أمواله المنهوبة” . عضو اللجنة وجدي صالح أكد أن اللجنة ستعمل على “ملاحقة الأموال المنهوبة في الخارج بموجب القانون الدولي والوطني، والعمل مع المؤسسات المشابهة للجنة إزالة التمكين”.
    هذه الآلية تعوض اللجنة جزئياً عن غياب الذراع التنفيذي المحلي، باستبدالها بـ “عقوبات ذكية” تضرب الجيب المالي للشبكات المستهدفة.
  1. استمرار الملاحقة الدولية لبعض القيادات (ملف المحكمة الجنائية)
    لا تزال ملفات المحكمة الجنائية الدولية (ICC) مفتوحة، ولا تزال بعض قيادات النظام السابق مطلوبة للعدالة الدولية. هذا يخلق:
  • ضغطاً قانونياً مستمراً: يمنع هؤلاء القيادات من السفر أو التعامل المصرفي الرسمي.
  • ربط الفساد بالجرائم: فرصة للجنة لتوثيق الانتهاكات وربطها بملفات الفساد المالي، حيث يُعتبر تمويل الميليشيات أو الحرب جريمة دولية، مما يوسع دائرة المساءلة لتشمل الجوانب المالية للتمكين.
  1. دعم إقليمي ودولي متحول
    بالإضافة إلى الموقف الأمريكي، هناك مؤشرات على تحول في مواقف بعض القوى الإقليمية (كالخليج العربي والاتحاد الأوروبي) تجاه ضرورة تفكيك شبكات الإسلام السياسي في السودان كشرط لأي استقرار مستقبلي. هذا قد يترجم إلى دعم مالي أو فني أو سياسي للجنة أو لأجندتها.
    ثالثاً: لماذا تعود اللجنة الآن؟
    لم يكن إعلان استئناف العمل عشوائياً، بل هو استجابة لمتغيرات الميدان. العودة جاءت بمبادرة من القوى المدنية الرافضة للحرب والانقلاب، وتستند إلى منطق استباقي:
  2. الاعتماد على “الرأسمال الوثائقي”
    تمتلك اللجنة إرثاً وثائقياً فريداً جمعته خلال الفترة الانتقالية (2019-2021)، يشمل:
  • قواعد بيانات للشركات والواجهات الاقتصادية.
  • خرائط للشبكات الإعلامية الممولة من أموال عامة.
  • ملفات استخباراتية وقضائية تم تجميعها قبل الانقلاب.
  • قوائم بالأسماء والواجهات والكيانات المرتبطة بالنظام السابق.
    الخطر الحقيقي يكمن في ضياع هذه الملفات أو تلفها في ظل ظروف الحرب، لذا فإن الاستئناف يهدف إلى “حفظ الذاكرة المؤسسية” قبل فوات الأوان، وتحويلها إلى أداة ضغط.
  1. التحول من “أداة تنفيذ” إلى “أداة ضغط دولي”
    إدراكاً منها لاستحالة العمل الميداني حالياً، تسعى اللجنة إلى تغيير طبيعة عملها:
  • مشاركة الملفات مع الإدارة الأمريكية: لتفعيل العقوبات بناءً على التصنيف الجديد.
  • استهداف شبكات التمويل: التركيز على تجفيف منابع الأموال التي تغذي الحرب أو تعيد إنتاج النظام القديم.
  • التجميد الخارجي: التركيز على الأصول خارج السودان حيث يمتد ذراع القانون الدولي.
  • بناء تحالفات دولية: مع مؤسسات ومنظمات مشابهة في العالم تعمل في مجال استرداد الأموال ومكافحة الفساد.
    بهذا المعنى، تتحول اللجنة من جهة رقابية محلية إلى “مركز ضغط دولي” يمد المجتمع الدولي بالمعلومات اللازمة للعقوبات، ويحافظ على قضية تفكيك التمكين حية في المحافل الدولية.
  1. رسالة سياسية للداخل
    عودة اللجنة تمثل رسالة تحدٍ لسلطة الأمر الواقع في بورتسودان، وللتيار الذي يعيد تمكين النظام السابق. هي إعلان أن قوى ثورة ديسمبر ما زالت متمسكة بمشروعها، رغم الحرب والانقلاب. البيان خاطب “جماهير الشعب” و”قوى ثورة ديسمبر” بشكل مباشر، داعياً إياهم إلى “التكاتف لإنجاز مهمة تفكيك النظام الإرهابي” .
    رابعاً: بين توثيق الماضي ومواجهة المستقبل – استراتيجية مزدوجة
    تقف اللجنة اليوم أمام مفترق طرق استراتيجي يتطلب توازناً دقيقاً بين وظيفتين متداخلتين:
  2. وظيفة توثيق الماضي (العدالة الأرشيفية)
  • حفظ الملفات: ضمان عدم تلف الأدلة التي قد تكون حاسمة في محاكمات مستقبلية، سواء وطنية أو دولية.
  • منع ضياع الأدلة: توثيق شهادات الشهود قبل تشتتهم أو صمتهم، في ظل ظروف الحرب والخوف.
  • بناء قاعدة معلومات: إعداد ملف شامل للعدالة الانتقالية يكون جاهزاً بمجرد انتهاء الحرب، ليشكل أساساً لأي مسار محاسبة.
  • منع التزوير: حماية التاريخ من محاولات إعادة كتابته أو تزوير الحقائق من قبل فلول النظام.
  1. وظيفة مواجهة المستقبل (الهندسة المؤسسية)
  • التعاون الدولي: العمل مع الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لتجفيف مصادر تمويل شبكات التمكين.
  • دعم مسار الانتقال: تقديم تصورات لكيفية منع عودة النظام في أي تسوية سياسية مستقبلية، وتصميم آليات حوكمة تمنع اختراق الدولة.
  • حماية المؤسسات: محاولة حماية ما تبقى من هيكل الدولة من الاختراق الكامل، عبر كشف محاولات التسلل.
  • معركة السردية: مواجهة الخطاب الإعلامي لفلول النظام، وكشف أكاذيبهم وتضليلهم. البيان الصادر اليوم أكد أن اللجنة ستعمل على “مواجهة المنابر الإعلامية التي يستخدمها التنظيم الإرهابي والتصدي لخطاب التضليل الإجرامي المنظم”.
  1. شروط النجاح
    لكن فعالية هذا الدور مرهونة بعدة عوامل حاسمة:
  • استعادة ثقة الشارع: عبر خطاب وطني جامع يبتعد عن الثأر الحزبي، ويؤكد أن الهدف هو بناء دولة القانون لا تصفية الحسابات.
  • تجاوز الشيطنة: بإثبات أن هدفها هو “الدولة” وليس “الأفراد”، عبر عمل شفاف وشراكات واسعة.
  • العمل من الخارج بشرعية: عبر تحالفات واسعة مع النقابات والمقاومة الشعبية والقوى المدنية الداخلية لتعويض الغياب الجغرافي.
  • الاستفادة من التحولات الدولية: بذكاء دبلوماسي يربط مصلحة السودان بالاستقرار الإقليمي، ويقدم اللجنة كشريك موثوق للمجتمع الدولي في مكافحة الإرهاب والفساد.
  • توحيد الصف: محاولة رأب الصدع الداخلي وضم كل الأطراف المؤمنة بمهمة اللجنة، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية.
    خلاصة: اللجنة بين الممكن والمطلوب
    إن “لجنة إزالة التمكين” في مارس 2026 ليست هي لجنة 2019 المنتصرة، ولا لجنة 2020 النشطة. إنها تعمل في بيئة استثنائية توصف بأنها:
  • بلا دولة: لغياب السيادة الموحدة وتجزئة الجغرافيا السياسية.
  • بلا أدوات تنفيذ: لانهيار الجهاز القضائي والأمني وغياب الإرادة السياسية الداعمة.
  • بلا غطاء سياسي جامع: لانقسام المشهد المدني والعسكري، وتشرذم القوى السياسية.
  • وسط سيطرة فعلية للنظام السابق: الذي أعاد بناء شبكاته أثناء الحرب مستفيداً من الفراغ والاستقطاب.
    ومع ذلك، تبقى وجودها – رغم كل التحديات – يمثل:
  • ضرورة وطنية: لأن بقاء شبكات التمكين يعني استمرار أسباب الحرب والفساد، وإعادة إنتاج الأزمات.
  • ركيزة للعدالة الانتقالية: فلا سلام دائم بدون عدالة ومحاسبة، ولا مصالحة حقيقية بدون كشف الحقيقة.
  • أداة لحماية الذاكرة: لمنع تزوير التاريخ أو نسيان الجرائم، والحفاظ على حقوق الضحايا.
  • وسيلة للضغط الدولي: لجعل كلفة استمرار التمكين باهظة على قادته، وتحويلهم إلى منبوذين دولياً.
    قدرتها التنفيذية المباشرة محدودة جداً في الوقت الراهن، بل قد تكون معدومة داخل السودان. لكن قدرتها على “التوثيق الدقيق”، و”بناء الملفات القوية”، و”التعاون الاستخباراتي والمالي الدولي” قد تكون حاسمة في تشكيل مستقبل السودان بعد الحرب.
    البيان الختامي للجنة اليوم كان واضحاً في ربط الحرب باستمرار التمكين: “إن ما تشهده بلادنا من حرب ودمار تؤكد بأنه لا يمكن تحقيق الأمن والسلام والاستقرار والديمقراطية إلا بإكمال مهمة تفكيك ذلك النظام الإرهابي بكل مؤسساته وواجهاته” .
    فالانتقال الديمقراطي الحقيقي لا يبدأ من صناديق الاقتراع فحسب، بل يبدأ من تفكيك بنية الاستبداد العميقة التي تنتج الأزمات بشكل متكرر. واللجنة – بكل ما لها من نقص وما عليها من انتقادات – تبقى جزءاً جوهرياً من معركة السودان الطويلة مع ماضيه، ومن أجل مستقبله أيضاً.
    السؤال المفتوح الذي يبقى بعد بيان اللجنة اليوم: هل تستطيع اللجنة، بقياداتها الموجودة في الخارج، وبدون غطاء تنفيذي داخل السودان، أن تحول هذا الإعلان إلى أفعال ملموسة على الأرض؟ الإجابة مرهونة بقدرتها على استعادة ثقة الشارع، وتجاوز حملات الشيطنة، والاستفادة الذكية من التحولات الدولية، وبناء جسور تعاون مع كل القوى التي تضع تفكيك نظام الثلاثين من يونيو أولوية وطنية. في النهاية، معركة إزالة التمكين هي معركة السودان مع ذاته، ومع إرث ثلاثة عقود من الاستبداد والفساد. وهي معركة لن تنتهي بإعلان أو بيان، ولكنها قد تخسر إلى الأبد إذا ضاعت الوثائق، أو صمت الشهود، أو انشغلت الأمة بحرب الحاضر عن جراح الماضي.

haytham.compre@gmail.com

عن هيثم عثمان إبراهيم

هيثم عثمان إبراهيم

شاهد أيضاً

من الألم إلى الفعل .. في مسؤولية الفرد السوداني تجاه وطنه المجروح

م. هيثم عثمان إبراهيم مقدمة: حين يصبح السؤال شخصياًفي خضم الانهيار الذي نعيشه، وفي قلب …