زهير عثمان
هل قرأنا محمود محمد طه فعلاً؟
من قراءة المفكر إلى إعادة إنتاج الأحكام عنه
قبل أن أبدأ هذه السلسلة، أجدني مديناً بالإشارة إلى جهد أستاذي الدكتور عبد الله الفكي البشير، ذلك الجهد البحثي الكبير الذي بذله في تتبع سيرة محمود محمد طه ومشروعه الفكري، وجمع الوثائق والنصوص والشهادات والدراسات التي اتصلت بحياته وأفكاره ومواقفه, ولست أخفي تثميني للقيمة الفكرية لهذا العمل وإعجابي به، بل أقول بوضوح إنني مبهور بحجمه وبالمثابرة التي تقف وراءه، وبالرغبة في إعادة محمود محمد طه إلى مجال البحث والنقاش بعد عقود تحولت فيها سيرته، في جانب كبير منها، إلى مادة للصراع السياسي والديني , لقد جعل الفكي البشير من محمود محمد طه موضوعاً واسعاً للبحث والتوثيق، ولم يتعامل معه بوصفه مجرد شخصية تاريخية انتهى دورها بانتهائها المأساوي، بل حاول أن يعيد فتح الملفات المحيطة بمشروعه الفكري وبالسياقات التي أحاطت به , وهذا وحده جهد يستحق التقدير والحوار , لكن الإعجاب بجهد الباحث لا يعني التسليم بكل نتائجه , وهنا تحديداً يبدأ هذا المشروع
أنا لا أريد أن أكتب دفاعاً جديداً عن محمود محمد طه، كما لا أريد أن أفتح محكمة جديدة لإدانته. فما يعنيني، قبل ذلك كله، سؤال أكثر تعقيداً_, وهل قرأنا محمود محمد طه فعلاً؟ , أم أننا، في كثير من الأحيان، قرأنا ما قيل عنه؟ , المفكر الذي صار أكبر من نصوصه
محمود محمد طه ليس شخصية عادية في التاريخ السوداني الحديث , ولقد كان مهندساً، وسياسياً، ومفكراً، ومؤسساً للحزب الجمهوري، ثم تطور مشروعه الفكري إلى ما عُرف بالفكرة الجمهورية، التي جعلت العلاقة بين القرآن والتشريع والحرية والمساواة وتطور المجتمع محوراً أساسياً في مشروعها , ومن أبرز مفاهيمه التمييز بين ما سماه الرسالة الأولى والرسالة الثانية من الإسلام , لكن هذا التمييز لم يظهر في فراغ فكري. فقد جاء ضمن إشكالية أكبر شغلت الفكر الإسلامي الحديث- كيف يمكن التوفيق بين النص والواقع؟ وبين النصوص المكية والمدنية؟ وبين الأصول والفروع؟ وبين الثابت والمتغير؟ وبين الخطاب الديني وتطور المجتمع؟
وقد نجد في كتابات عدد من رواد الإصلاح الإسلامي الحديث أسئلة تقترب، من زوايا مختلفة، من هذه الإشكالات، من محمد عبده ورشيد رضا إلى محمد إقبال وغيره. غير أن أهمية محمود محمد طه تكمن، من بين أمور أخرى، في أنه دفع هذه الأسئلة إلى صياغة أكثر جذرية، خصوصاً في فهمه لمفهوم النسخ، وفي محاولته إعادة ترتيب العلاقة بين النص والتشريع والتطور التاريخي, وهنا تبدأ أهمية المشروع
فإذا كان النسخ عند الفقه التقليدي يعني، في بعض صوره، رفع حكم شرعي بحكم آخر، فإن محمود حاول أن يمنحه وظيفة مختلفة داخل تصوره للتطور، بحيث يصبح الانتقال بين مستويات التشريع مرتبطاً بمرحلة تطور الإنسان والمجتمع , قد نختلف معه في هذا التصور , وقد نرفض أساسه الديني أو التأويلي و لكن رفضه شيء، وعدم فهم بنيته شيء آخر. , هذا وحده كان كافياً لجعل مشروعه موضع خلاف شديد
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول شخصية المفكر إلى ملف اتهام أو ملف تمجيد، ثم يصبح النص نفسه مجرد شاهد تستخدمه الأطراف لإثبات موقف سبق أن اتخذته , هنا نغادر مجال القراءة إلى مجال آخر- إعادة إنتاج الموقف , فمن يريد إثبات أن محمود محمد طه كان صاحب مشروع ديني متقدم، سيبحث عن نصوص الحرية والمساواة والديمقراطية و ومن يريد إثبات أنه خرج عن المألوف الديني، سيبحث عن نصوص الرسالة الثانية والنسخ وعلاقة الشريعة بالقرآن المكي والمدني , ومن يريد تحويله إلى شخصية سياسية، سيقرأ مواقفه من الاستعمار والديمقراطية والاشتراكية والحكم العسكري و ومن يريد تحويله إلى رمز صوفي أو أخلاقي، سيذهب إلى جوانب أخرى من تجربته , وكل واحد من هؤلاء قد يجد في نصوص محمود ما يؤيد قراءته , لكن السؤال الحقيقي ليس – هل نستطيع أن نجد في محمود ما يؤيد موقفنا؟ , بل – هل نستطيع أن نعيد بناء مشروعه كما هو، ثم نختلف معه بعد ذلك؟ و وهذا فرق هائل, ين قراءة النص وقراءة صاحب النصهناك خطأ منهجي شائع في دراسة المفكرين المختلف عليهم- أن يبدأ الباحث بالحكم، ثم يعود إلى النص بحثاً عن الأدلة , أما القراءة النقدية فتفترض العكس , نبدأ بالنص.و ثم بالسياق , ثم بالمفاهيم , ثم بالعلاقات بين الأفكار , ثم بالمصادر التي استند إليها المفكر , ثم بالتطور التاريخي لفكره و وبعد ذلك فقط يصبح من المشروع أن نسأل -هل نجحت النظرية؟ , هل تناقضت مع نفسها؟ هل كانت جديدة؟ , هل استندت إلى تأويل يمكن الدفاع عنه؟ , هل كانت قادرة على تفسير الواقع؟ , وهل كانت نتائجها السياسية والاجتماعية منسجمة مع مقدماتها النظرية؟
وهناك سؤال آخر لا يقل أهمية -أي محمود نقرأ؟ , هل نقرأه بوصفه مفكراً في الدين؟ أم مفكراً سياسياً؟ أم مجدداً أخلاقياً؟ أم صاحب مشروع اجتماعي؟ أم كل ذلك في بناء فكري واحد؟
لكل مدخل ميزانه النقدي ومن هنا أري , وما قد يبدو متناقضاً في قراءة سياسية قد يكون مفهوماً داخل بنية دينية أو أخلاقية أوسع، والعكس صحيح , ولهذا يمكن أن تكون المقارنة بين مشروع محمود وبعض تيارات الفكر الحديث مفيدة، سواء في فلسفة الدين أو الفكر السياسي أو النقد الاجتماعي، لا بهدف إثبات أنه ينتمي إلى مدرسة بعينها، وإنما لاكتشاف موقعه الحقيقي داخل خريطة الأفكار. , محمود ليس مفكراً يسهل وضعه في خانة واحدة , وكل محاولة لتصنيفه سريعاً بوصفه ليبرالياً أو اشتراكياً أو صوفياً أو إصلاحياً قد تكشف جانباً منه، لكنها لا تكفي وحدها لفهم مشروعه
هذه أسئلة نقدية
أما أن نقول إن المفكر «عبقري»، أو «زنديق»، أو «مستنير»، أو «رجعي»، أو «اشتراكي»، أو «ليبرالي»، ثم نبحث لاحقاً عما يؤيد هذه الصفات، فذلك ليس نقداً بالمعنى الدقيق _إنه تصنيف -والتصنيف قد يكون مفيداً في البداية، لكنه يصبح خطراً عندما يحل محل القراءة هنا
محمود محمد طه لا يُختصر في الرسالة الثانية , من أكثر المفارقات التي تواجه قارئ محمود محمد طه أن أكثر أفكاره شهرة ليست بالضرورة كل مشروعه , لقد أصبحت عبارة «الرسالة الثانية من الإسلام» مفتاحاً واسع الانتشار لفهم مشروعه، وهي بالفعل من أهم مرتكزاته الفكرية والتشريعية, لكن تحويل المشروع كله إلى هذه العبارة وحدها قد ينتج قراءة مبتورة , فمحمود لم يكن يكتب في التشريع فقط , كان يكتب في الحرية و وفي الديمقراطية , في العلاقة بين الفرد والجماعة , وفي المرأة و وفي الدولة. , في و الاشتراكية و في التربية و وفي الأخلاق , وفي علاقة الدين بالتاريخ , وفي مستقبل البشرية , وفي طبيعة التطور الإنساني
كما أن النظر إلى كتبه الأشهر وحدها قد يحجب جوانب أخرى من تجربته السياسية والفكرية التي ظهرت في مقالاته ومحاضراته ورسائله ومواقفه العامة.
وهذه النصوص الأقل حضوراً في التداول يمكن أن تساعدنا في رؤية محمود لا بوصفه صاحب نظرية مجردة فحسب، وإنما بوصفه إنساناً خاض صراعات سياسية واجتماعية وفكرية يومية , وهنا يصبح البحث أكثر إثارة , فنحن لا نبحث فقط عن «الفكرة الجمهورية»، وإنما عن العلاقة بين النظرية والممارسة , كيف تحولت الأفكار إلى مواقف؟ – وكيف أثرت التجربة السياسية في تطور النظرية؟
وهل ظل محمود ثابتاً على أفكاره الأولى، أم أن مشروعه شهد تحولات داخلية؟ . هذه أسئلة لا تجيب عنها قراءة كتاب واحد.
المشكلة ليست في الاختلاف معه
ليس مطلوباً من القارئ أن يتفق مع محمود محمد طه , بل إن القراءة الجادة تبدأ أحياناً من الاختلاف و يمكن أن ترفض مفهومه للرسالة الثانية , ويمكن أن تعترض على تأويله للقرآن , ويمكن أن تختلف مع تصوره للتشريع , ويمكن أن ترى أن مشروعه لم يقدم حلاً مقنعاً للتناقض بين النص والتاريخ , ويمكن حتى أن ترى أن بعض أفكاره تحمل تناقضات داخلية , كل ذلك مشروع ,لكن هناك فرق بين أن تقول- أختلف مع محمود محمد طه ل , ومن هنا تكتسب قيمة النقد الداخلي أهمية خاصة, فحين يختلف مفكر مع محمود في قضية التجديد أو التشريع أو تفسير النص، فإن قيمة هذا الاختلاف لا تكمن في شدة الهجوم، وإنما في قدرته على الدخول إلى بنية الفكرة نفسها.النقد الأقوى ليس بالضرورة ذلك الذي يرفع صوته أكثر , إنه الذي يعرف أين يضع سؤاله
حين تتحول السيرة إلى بديل عن الفكر
ثمة مشكلة أخرى لا تقل أهمية , في السودان، كثيراً ما نقرأ المفكر من خلال سيرته السياسية أو نهايته , محمود محمد طه اعتُقل وحوكم وأُعدم في يناير 1985 في عهد جعفر نميري، بعد محاكمة ارتبطت باتهامه بالردة، وأصبحت نهايته جزءاً مركزياً من الطريقة التي يُستقبل بها اسمه حتى اليوم و لكن مأساة النهاية لا تثبت صحة النظرية , كما أن بقاء النظرية مثاراً للجدل لا يثبت بطلانها , هذه نقطة أساسية
فإعدام المفكر لا يجعل أفكاره صحيحة تلقائياً, والاضطهاد الذي تعرض له لا يحوله إلى معصوم و وفي المقابل، فإن رفض أفكاره دينياً أو سياسياً لا يمنح خصومه الحق في اختزال حياته الفكرية كلها في الاتهامات التي وجهت إليه , كما ينبغي الفصل بين البعد الحقوقي لقضيته والبعد الفكري لمشروعه , فطريقة محاكمته وإعدامه أثارت، ولا تزال تثير، أسئلة عميقة حول العدالة وحرية الفكر وحدود سلطة الدولة في التعامل مع المختلفين – لكن هذه القضية، على أهميتها، لا ينبغي أن تصبح بديلاً عن دراسة أفكاره – الفكرة لا تُقاس بمصير صاحبها , وهذه قاعدة ينبغي أن نتعلمها جيداً في ثقافتنا السودانية و ماذا يعني أن نقرأ مفكراً؟ , أن نقرأ مفكراً يعني أن نحاول، قدر الإمكان، أن نسمح له بأن يتحدث بلغته هو قبل أن نضعه داخل لغتنا نحن. , قرأ الكتاب الذي كتبه، لا الملخص الذي كتب عنه , نقرأ الطبعة وسياقها وتاريخها , نقارن بين كتاباته في مراحل مختلفة , نبحث عن المفاهيم التي تتكرر , نلاحظ المفاهيم التي تغيرت ونفرق بين ما قاله في بداياته وما قاله لاحقاً , ونبحث عن المصادر التي تأثر بها , ثم نقارن ذلك كله بالقراءات التي ظهرت عنه و وهنا تبرز قضية الأصالة والتأثر والانتحال، وهي من أكثر القضايا حساسية في قراءة محمود محمد طه , فالقول بوجود تشابه بين فكرتين لا يكفي وحده لإثبات السرقة الفكرية , كما أن وجود تأثير فكري لا يعني بالضرورة انتحالاً , الفكر الإنساني لا يعيش في جزر معزولة , المفكرون يتبادلون الأفكار، ويقرأون بعضهم بعضاً، ويعيدون صياغة الأسئلة القديمة في سياقات جديدة , ومن جمال الفكر أن الفكرة قد تنتقل من سياق إلى آخر فتكتسب معنى مختلفاً , لذلك لا ينبغي أن يكون سؤالنا- وهل أخذ محمود الفكرة من غيره؟ فحسب,بل -كيف -تعامل مع المصادر التي قرأها؟ -ماذا أخذ؟-وماذا أضاف؟ -وماذا غيّر؟- , وهل كان التشابه في الألفاظ أم في البناء النظري؟ هذه أسئلة أكثر عدلاً وأكثر علمية , وإذا أردنا الحديث عن الانتحال أو السرقة الفكرية، فعلينا أن ننتقل من الانطباع إلى المقارنة النصية الدقيقة , فالاتهام هنا ليس حكماً أخلاقياً بسيطاً، وإنما ادعاء يحتاج إلى دليل , وعندها فقط يمكن أن نبدأ النقد. , هنا تبرز قيمة الجهد الذي بذله الدكتور عبد الله الفكي البشير في توسيع المادة المتاحة حول محمود محمد طه؛ فالعمل الذي يجمع النصوص والوثائق ويعيد فتح الأسئلة التاريخية يتيح لنا أن ننتقل من محمود بوصفه (رمزاً) إلى محمود بوصفه -موضوعاً للبحث, لكن البحث الحقيقي فالأيقونة لا تُناقش
وكذلك أخطر ما يمكن أن يحدث له أن يتحول إلى شيطان فكري , فالشيطان أيضاً لا يُقرأ , وفي الحالتين يموت النص , وهذا ما ينبغي أن نتجنبه في التعامل مع محمود محمد طه و لا نحتاج إلى محمود مقدس , ولا نحتاج إلى محمود مدان سلفاً , نحتاج إلى محمود الذي يمكن قراءته , إن كان عظيماً، فلتظهر عظمته من خلال نصوصه, وإن كان مخطئاً، فلنثبت خطأه من خلال نصوصه , وإن كان مشروعه يحمل عناصر تقدمية إلى جانب عناصر إشكالية، فلنقل ذلك , وإن كان قدم البراعة والتجديد, لمهم ألا نقرر النتيجة قبل أن نبدأ القراءة ولماذا الآن؟ , قد يسأل القارئ- لماذا نعود إلى محمود محمد طه الآن؟ , والإجابة أن السودان الذي خرج من الحرب ليس هو السودان الذي كان فيه محمود , لكن أسئلته لم تختف , بل ربما عادت بصورة أكثر إلحاحاً , كيف نبني دولة تقوم على المواطنة؟
كيف نفهم العلاقة بين الدين والدولة؟
كيف نحمي الحرية الفردية؟
كيف نوفق بين التراث ومتطلبات العصر؟
كيف نعيد تعريف العدالة والمساواة؟
وكيف يمكن للدين أن يكون مصدراً للقيم دون أن يتحول إلى أداة لإقصاء الآخرين؟
وكيف يمكن بناء مشروع وطني جامع بعد الحرب، دون أن يتحول الماضي إلى عبء جديد على المستقبل؟
هذه ليست أسئلة تاريخية ,إنها أسئلة السودان الراهن , ولهذا فإن إعادة قراءة محمود محمد طه ليست مجرد استعادة لشخصية من الماضي , إنها محاولة لفحص واحدة من التجارب السودانية التي حاولت، في وقت مبكر، أن تقدم إجابات عن علاقة الإسلام بالحداثة والحرية والتشريع , قد نختلف مع تلك الإجابات , لكننا لا نستطيع أن نختلف معها بجدية قبل أن نقرأها , و السؤال الذي سنحمله معنا
من هنا تبدأ هذه السلسلة, لن نسأل فقط , ماذا قال محمود محمد طه؟ و بل سنسأل , كيف قاله؟- ومن أين جاء به؟ – ما مفهومه للإنسان؟ -كيف فهم التاريخ؟-كيف قرأ القرآن؟-كيف بنى العلاقة بين الحرية والتشريع؟-هل كان مشروعه ليبرالياً؟-هل كان و اشتراكياً؟هل جمع بين عناصر من الاثنين؟وما علاقته بالفكر الإسلامي الحديث؟وهل يمكن وضعه في سياق عالمي أوسع، أم أن مشروعه سوداني خالص؟ وثم سنصل إلى الأسئلة الأكثر حساسية-هل كان هناك تأثير فكري متبادل بين محمود محمد طه وبعض التيارات والمفكرين العالميين؟
أين تنتهي المقارنة وتبدأ دعوى التأثر؟
ومتى يصبح التشابه بين فكرتين دليلاً على الاقتباس، ومتى يكون مجرد تشابه في الإجابة عن مشكلة إنسانية مشتركة؟
وهل نستطيع أن نميز بين التأثر المشروع والانتحال؟
وهل نستطيع أن نقرأ محموداً بوصفه مفكراً، لا بوصفه رمزاً لمعسكر فكري أو ديني؟
وهل نستطيع، في النهاية، أن نختلف معه دون أن نظلمه؟
هذه هي الأسئلة التي سنحملها معنا في المقالات القادمة , فهناك فرق مهني وأخلاقي كبير بين إثبات التشابه و*إثبات الانتحال , الأول يمكن أن يبدأ بمقارنة النصوص , أما الثاني فيحتاج إلى قرائن أقوى بكثير , وهناك فرق كذلك بين نقد الفكرة و إدانة صاحبها ,وبين الاختلاف معه وإعادة إنتاج صورة صنعها خصومه أو أنصاره , ولعل السؤال الأصعب ليس: هل كان محمود محمد طه على حق؟ .بل- هل نحن قادرون أصلاً على قراءته من دون أن نقرر مسبقاً أنه على حق أو على باطل؟ ,ربما تكون هذه هي المسألة التي تستحق أن نبدأ منها , فالمفكر لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره قديساً ولا باعتباره متهماً , يُقرأ باعتباره إنساناً حاول أن يفكر , وقد يخطئ , وقد يصيب , وقد يتناقض , قد يسبق عصره في فكرة، ويتأخر عنه في أخرى , لكن حقه الأول علينا، قبل الاتفاق والاختلاف، أن نقرأه , وهذا يقودنا إلى السؤال الذي ستدور حوله المقالات القادمة- هل قرأنا محمود محمد طه فعلاً، أم أننا ما زلنا نقرأ محمود الذي صنعه خصومه وأنصاره؟
