د. محمد عثمان جاءو
dr.jao.albawadi@gmail.com
يبدو أن الحرب في السودان لم تَعُد مجرد صراع على إعادة تشكيل بنية نظام الحكم، بل تحولت، في مسارها الراهن، إلى أداة لإعادة إنتاج اختلالات الدولة القديمة، وتعميق جُرح أقاليم الهامش واستنزافها باسم الثورة والتغيير.
فما يجري اليوم في دارفور وكردفان لا يمكن فهمه بوصفه نتيجة طبيعية لمعركة نضالية تحررية من الاستعمار الداخلي، بل يبدو، مخططاً سياسياً–عسكرياً نخبوياً محلياً، تُدار خيوطه بعقلية النخبة المركزية، ترى في الأطراف ساحات هاملة، وشعوب بلا قيمة، يمكن استباحتها بلا حرج، وفي دم أبنائها وقوداً رخيصاً ومباحاً لمعركة لا يُراد لها أن تصل إلى قلب الدولة ومراكز القرار الحقيقية في العاصمة.
خلال الفترة الأخيرة، أصبحت الصورة أوضح من أن تُخفى بالشعارات أو بالمبررات مهما بدت وجاهتها. فما يحدث على الأرض لا يمكن تفسيره باعتباره فوضى حرب حتمي، او طبيعي، بل يشير إلى نهج مخطط يعمل بعقلية دولة 56 ويحقق اهدافها، هذه المرة من قوى يُفترض أنها جاءت لتفكيك الدولة النخبوية القديمة. نهج يعمل على توطين المعارك داخل دارفور وكردفان، وتحويل صراع الحقوق والتحرر إلى استنزاف داخلي، يقتتل فيه الضعفاء من أبناء الاقاليم الغربية بعضهم بعضاً، بين طرفي الصراع، بينما تبقى النخبة الإقليمية الجديدة والنخبة المركزية القديمة، طرفي الأزمة، بعيدة عن كُلفة الحرب، تراقب المشهد بسخرية من مواقع آمنة.
في الاثناء، يجري شغل الرأي العام من حين لآخر، بسرديات الهجوم المرتقب لقوات الدعم السريع على أم درمان، كُلما كثُر التملمُل من المواطنين مع الاحداث. سرديات سايكولوجية يُروَّج لها بكثافة لامتصاص الغضب الشعبي، وتَعلّق بها كثيرون من أبناء الهامش، فصَدَّقها العسكرين والمدنيين معاً، ثم اتضح للناس لاحقاً أنها أقرب إلى وهم سياسي منها إلى خطة عسكرية جادة. فالوقائع لا تشير إلى نِيَّة حقيقية لقوات الدعم السريع لدخول أم درمان، ولا حتى إلى تحرك جاد نحو السيطرة على مدينة الأُبيّض، ناهيك عن العاصمة نفسها.
وهنا يبرز سؤال بسيط: إذا لم تكن وجهة العمليات العسكرية هي الخرطوم مركز دولة النخبة القديمة، فلماذا يُدفع بهذا العدد الكبير من أبناء الهامش المقاتلين إلى معارك استنزاف داخل اقاليمهم؟ ما الذي يبرر، عسكرياً أو سياسياً، فتح جبهات في جنوب كردفان في هذا التوقيت، بدلاً من توجيه الجهد العسكري نحو قطع خطوط الإمداد في شرق كردفان والنيل الابيض، أو نقل المعركة إلى مناطق التأثير الحاسم في امدرمان ؟
الإجابة، للأسف، لا تبدو عسكرية بقدر ما هي سياسية. فمعارك جنوب كردفان ليس لها تأثير كبير في تغيير ميزان الحرب، ولا تفتح أفقاً استراتيجيا للنصر على جيش دولة 56، لكن أُريد لها ان تُبقي النار مشتعلة في كردفان، وتُبقي المقاتلين منشغلين بها، وتمنعهم من أي تفكير جاد في تغيير اتجاه الصراع نحو مراكز النفوذ الحقيقية في العاصمة وغيرها.
إن مجريات الأحداث وما أفرزته من نتائج مشهودة الان دفعت كثيراً من المراقبين، ومن مثقفي أبناء الإقليمين، إلى الاعتقاد، أو على الأقل إلى الشك، في أن نقل ساحة الحرب إلى الأقاليم الغربية لم يكن فعلاً بريئاً، بل ربما جرى في إطار تفاهمات سرية غير معلنة، لا يُراد لها أن تُكشف للرأي العام.
وقد كان يُروّج في السابق إن الفاشر تمثل العقبة أمام التقدم نحو العاصمة. ولكن سقطت هذه الرواية مع الزمن، وانكشف زيفها، ولم يتغير شيء بعد الاستيلاء على الفاشر. فبدلاً من العاصمة، وُجِّهت قوات محدودة العدد والعتاد نحو تخوم كادقلي والدلنج، لا بهدف الحسم، بل لإدامة الاشتباكات، واستنزاف الرجال والموارد، وإطالة أمد الحرب داخل الإقليم، وصرف النظر عن الأُبيّض وامدرمان.
ويزداد المشهد سوءاً في ظل الغياب شبه الكامل لقيادة عسكرية مركزية تتولى إدارة العمليات في حكومة التأسيس. فلا توجد وزارة دفاع، ولا هيئة عمليات مُعلنة، ولا هيكل قيادي واضح يربط القادة الميدانيين بقيادة هيئة اركان العمليات، كما تفتقر التحركات العسكرية إلى خطط مدروسة يتبعها قادة الميدان.
وفي ظل هذا الفراغ القيادي، انحصر معظم دور المجموعات العسكرية في شمال كردفان وغيرها من محاور في صدّ هجمات الجيش والقوات المشتركة بدافع الدفاع عن النفس، وهو ما جعلها تتحمّل خسائر بشرية ومادية كبيرة نتيجة ضعف الجاهزية والتسليح. وفي بعض الأحيان، يلجأ عدد من القادة الميدانيين إلى تنفيذ عمليات هجومية محدودة بقرارات فردية، في غياب توجيه مركزي أو تخطيط عملياتي شامل، لذلك نجد أن انتصاراتهم لا تصمد طويلاً لغياب الخطة المركزية.
بعد اختفاء اللواء عثمان عمليات، قائد هيئة العمليات سابقاً، عن المشهد في ظروف ما زالت تثير أسئلة كثيرة، ومن ثم الانسحاب الشامل من الخرطوم، بات من الصعب معرفة من يخطط، ومن يقرر، ومن يتحمل المسؤولية.
وحين تخوض دولة حرباً بلا قيادة عسكرية معروفة، وبلا هيكل عسكري واضح، يصبح من حق المواطن ان يسأل: هل نحن أمام دولة بحق وحقيقة، أم أمام كيان لم يرقى لمستوى الدولة، مهما حمل من شعارات سياسية؟
وسط هذا كله، تبرز مسؤولية أخلاقية لا يمكن السكوت عليها. الجنود الذين يقاتلون في الخطوط الأمامية ليسوا فقط أرقاماً في تعداد الجنود. هم بشر مثلكم، لهم أُسر وابناء، ولهم أحلام وحقوق، يقاتلون معكم بحثاً عن مستقبل واعد وحياة كريمة. كثيرون منهم يقاتلون في ظروف قاسية، ويقدمون تضحيات حقيقية بارواحهم واجسادهم، ومن حقهم أن يُقادوا نحو معارك لها معنى، لا إلى استنزاف بلا هدف حقيقي واضح.
وسط كل هذا، يبقى السؤال الأصعب:
بماذا يشعر المواطن البسيط في دارفور أو كردفان، وهو يرى الحرب سُحِبت في بطريقة غامضة من المركز، وبقرار وتخطيط قادة من أبناءه، لِتُدار فوق أرضه، وتُخاض بأجساد أبنائه، دون هدف واضح أو نهاية قريبة؟ … كيف يمكن إقناع هذا المواطن بأن تضحياته تصب في مصلحته والمعارك لا تقترب من مركز الدولة القديمة، بل تتوغل في عمق اقليمه وقراه فتزيد من عمق أوجاعه ومعاناته؟
وكيف يمكن اقناعه ان المعارك التي سُحبت من العاصمة و “تموضعت” في كردفان ودارفور يمكن أن تًسقِط له دولة 56 في الخرطوم؟!!
حين تتكرر المعاناة، وتغيب الخطة، وتكون النتائج مجهولة، يتسلل إلى النفس إحساس قاسي: أن الشقاء اصبح قَدَراً مفُروضاً على الهامش، فلا يأتيه من النخب المركزية حصراً، بل بات اليوم يتكرر، بصورة أكثر إيلاماً وقسوةً، بسبب عقليات انتهازية وخطط فاشلة تُدار على أيدي قيادات سياسية وعسكرية عديمي الرؤية والخبرة من أبناء الإقليم أنفسهم؛ الذين كان يُنتظر منهم إنهاء المعاناة والمآسي عن اهلهم لا تعميقها.
وما لم يضعه قادةُ حكومةِ التأسيس في حسبانهم أن الاستمرار في حصر الحرب داخل إقليمي كردفان ودارفور سيمنح الصراع، بحكم الجغرافيا وهوية المقاتلين، بُعداً جهوياً خطيراً، يتطور ليصبح خصماً على جوهر القضية نفسها. كما يفتح هذا المسار الباب أمام مخاطر اعظم، في مقدمتها تفريغ الإقليمين من أعداد كبيرة من السكان بفعل التفلتات الأمنية وانعدام الأمان الذي عجزت السلطات عن كبحه. وسيجد المواطن نفسه مضطراً للفرار إلى دول الجوار طلباً للأمن، أو إلى مناطق سيطرة الجيش بحثاً عن الخدمات والتعليم، لتصبح نتيجة هذا النزوح، شكلاً من أشكال الاستفتاء الشعبي على فشل السلطة القائمة، وتعبيراً صامتاً عن رفضه لها.
كما أن هذا التحوّل في مسار جغرافية الحرب قد يقود إلى تملمُل وانفجارات داخلية من أبناء الإقليم أنفسهم، وقد يدفع بعض القوى الداعمة من أبناء الأقاليم الأخرى إلى سحب دعمها إذا شعرت بأن المشروع يفتقر إلى الجدية في نقل المعركة إلى العاصمة، ولا يستهدف استعادة الدولة وتغيير النظام هناك، بل يكتفي بالسيطرة على الإقليم الغربي وحده. بل إن هذا السلوك، عن قصدٍ أو من دونه، قد يوحي بوجود نزعات انفصالية لدى بعض قادة التأسيس، وهي فكرة لا يدعمها السواد الأعظم من أبناء غرب السودان. فالانفصال درسٌ ينبغي الاتعاظ به من تجربة جنوب السودان، بكل ما حملته من إخفاقات لدولة حبيسة عجزت عن إدارة مواردها واقتصادها وقراراتها السيادية، وما تعرّضت له لاحقاً من ابتزاز من دولة السودان.
إذا كان الهدف من الصراع فعلاً هو تفكيك دولة 56، فإن الطريق يبدأ بمراجعة جادة للمسار العسكري الحالي للحرب، وتنظيف حقيقي لأذرع دولة 56 داخل الهياكل العسكرية والسياسية لحكومة وجيش التأسيسي، وبناء هيكل قيادي عسكري واضح، وعقيدة عسكرية تعرف أين تقاتل، ولماذا، ومتى تتقدم، ومتى تتراجع.
وعليه، فإن استمرار هذا المسار، الذي يُبقي المعركة محصورة في الأطراف ويُبعدها عن مركز الدولة، لا يمكن اعتباره خطأً تكتيكياً بريئاً، بل خطة سياسية كاملة الدلالة. خطة تُفضي، بقصد أو بدونه، إلى استنزاف الأقاليم وتدميرها وإعادة إنتاج الدولة النخبوية نفسها التي ثار الناس ضدها، مع تغيير الوجوه فقط. فنحن لا تهمنا نوايا القادة، بل نتائج أفعالهم، لأن التاريخ لا يُحاسب على النيات، بل على ما تُخلِّفه الافعال من واقع.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم