بقلم: لوال كوال لوال
أثار القرار المنسوب إلى الفريق أول محمد حمدان دقلو، والقاضي بتعيين رئيس مشارك للجنة الإشرافية المشتركة لمنطقة أبيي، العديد من التساؤلات القانونية والسياسية التي تتجاوز مسألة التعيين في حد ذاتها. فالقضية ليست مرتبطة باسم الشخص الذي تم تعيينه، وإنما بالجهة التي أصدرت القرار، ومدى انسجام ذلك مع الاتفاقيات التي تنظم إدارة منطقة أبيي. لقد جاءت قضية أبيي ضمن اتفاقية السلام الشامل لعام 2005 باعتبارها قضية ذات طبيعة خاصة، ثم عززت اتفاقية الترتيبات المؤقتة للإدارة والأمن في أبيي الموقعة في أديس أبابا عام 2011 الآليات المشتركة لإدارة المنطقة، حيث نصت على إنشاء لجنة إشرافية مشتركة تضم ممثلين عن جمهورية السودان وجمهورية جنوب السودان، على أن تعمل بالتوافق وبإشراف الاتحاد الأفريقي وبدعم من بعثة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة في أبيي (يونيسفا). ومن هذا المنطلق، فإن أي تعيين يتعلق باللجنة الإشرافية يجب أن يصدر عن السلطات التي تتمتع بالصفة القانونية والدستورية المعترف بها في إطار الاتفاقيات الدولية، لأن اللجنة ليست مؤسسة داخلية تخص أحد الطرفين، وإنما هي آلية مشتركة نشأت بموجب اتفاق دولي بين دولتين، وتحظى بمتابعة مباشرة من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة. وإذا كانت الحكومة التي أصدرت قرار التعيين لا تحظى باعتراف دولي بوصفها الحكومة الرسمية للسودان، فإن ذلك يطرح إشكاليات عملية وقانونية عديدة. هل سيعترف الاتحاد الأفريقي بهذا التعيين؟ وهل ستتعامل يونيسفا مع الممثل الجديد باعتباره الرئيس المشارك للجنة؟ وهل ستقبل حكومة جنوب السودان العمل معه في إطار اللجنة المشتركة؟ هذه الأسئلة لا يمكن تجاهلها، لأنها تمس جوهر تنفيذ اتفاقية 2011. الأمر الأكثر إثارة للانتباه هو أن هذا القرار قد يخلق حالة من ازدواجية التمثيل السوداني في قضية أبيي. فإذا كانت هناك حكومة أخرى تمارس مهام الدولة وتمثل السودان في المحافل الدولية، فإن وجود تعيينين مختلفين للمنصب نفسه قد يؤدي إلى وجود جهتين تدعيان تمثيل السودان داخل اللجنة الإشرافية. ومثل هذا الوضع لن يساعد على دفع عملية السلام، بل قد يزيد من حالة الجمود التي تعاني منها القضية منذ سنوات. إن أزمة أبيي لم تكن يوماً أزمة نقص في القرارات أو اللجان، وإنما أزمة غياب الإرادة السياسية لتنفيذ الاتفاقيات الموقعة. فمنذ توقيع بروتوكول أبيي عام 2004، ثم اتفاقية السلام الشامل عام 2005، مروراً باتفاق خارطة الطريق لعام 2008، وحكم محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي عام 2009، ثم اتفاقية الترتيبات المؤقتة لعام 2011، ظل التنفيذ هو الحلقة الأضعف. ولم يكن سبب تعثر القضية غياب الأشخاص، وإنما غياب الالتزام السياسي بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه. ولذلك فإن أي خطوة أحادية قد تُفسر على أنها محاولة لفرض واقع سياسي جديد، بدلاً من الالتزام بالآليات المشتركة، لن تسهم في تقريب وجهات النظر بين الطرفين، بل قد تمنح القضية مزيداً من التعقيد في وقت تحتاج فيه إلى إجراءات تبني الثقة وتعيد إحياء عملية السلام. ولا ينبغي أن تتحول أبيي إلى ساحة لتنافس الحكومات أو ميدان لإثبات الشرعية السياسية. فأهالي المنطقة ينتظرون منذ أكثر من عقدين حلاً ينهي حالة الفراغ الإداري ويضمن الأمن والاستقرار ويحفظ الحقوق وفقاً للاتفاقيات الموقعة، لا مزيداً من القرارات التي قد تثير نزاعات جديدة حول من يملك حق التمثيل. ويبقى السؤال المشروع: هل يمثل هذا القرار خطوة نحو تنفيذ اتفاقية أبيي، أم أنه يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى ملف هو أصلاً من أكثر ملفات السودان وجنوب السودان تعقيداً؟ إن الإجابة لن تكون في البيانات والقرارات، وإنما في مدى قدرة الأطراف على احترام الاتفاقيات الدولية والعمل من خلالها، لأن السلام لا يصنعه تعدد القرارات، بل يصنعه الالتزام بما تم الاتفاق عليه.
lualdengchol72@gmail.com
