هَلْ يَحِقُّ لِأَفْرِيقِيٍّ أَسْوَدَ أَنْ يَرْكَبَ اسْمًا عَرَبِيًّا قَدِيمًا؟

سُؤالٌ يَطْرَحُ نَفْسَهُ بِسُخْرِيَّةٍ تَمْزِجُ بَيْنَ التَّحَدِّي وَالِاحْتِقَارِ الذَّاتِيِّ: أَتَسْتَحِقُّ أَنْ تَتَسَمَّى بِـ”سِرَاجِ الإِبَاءِ” وَأَنْتَ مِنْ أُمَّةٍ لُعِنَتْ بِأَسْمَائِهَا حَتَّى صَارَتْ تُسَمَّى “قَارَّةً سُودَاءَ”؟ أَمْ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ مِيرَاثٌ لِغُزَاةٍ جَاءُوا بِالقُرُونِ الوُسْطَى لِيَسْرِقُوا التَّارِيخَ
وَيَصُبُّوهُ فِي قَوَالِبِهِمْ؟

لَنْ أَكْذِبَ: هُنَاكَ مَسْخَرَةٌ فِي أَنْ تَحْمِلَ اسْمًا يُشْبِهُ شِعَارَ إِمَارَةٍ عَرَبِيَّةٍ مِنْ قَرْنِكَ السَّادِسِ، بَيْنَمَا تُنْكِرُ عَلَيْكَ الحُكُومَاتُ حَتَّى اسْمَكَ الأَصْلِيَّ. لَكِنَّنِي أَذْكُرُكَ: لَمْ يَكُنْ أَسْلَافُكَ العَظَمَاءُ يَخْشَوْنَ تَدَاخُلَ الثَّقَافَاتِ، فَالزِّينَجُ أَسَّسُوا مَدِينَتَهُمْ بِأَسْمَاءٍ عَرَبِيَّةٍ
وَالسُّودَانُ تَزَاوَجَتْ فِيهِ لُغَاتُ البَانْتُ وَالعَرَبِ، حَتَّى صَارَتْ “عَرَبِيَّةُ جُوبَا” لَهْجَةً تَفْخَرُ بِهَا.

إِذًا، لِمَاذَا تَخَافُ أَنْ تَرْكَبَ اسْمًا عَرَبِيًّا؟ أَلَيْسَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ التَّارِيخَ لَيْسَ سِجْنًا، بَلْ خَيَارًا؟ نَعَمْ، يُمْكِنُكَ أَنْ تُسَمِّيَ نَفْسَكَ “سِرَاجًا”، وَلَكِنْ عَلَى شَرْطٍ وَاحِدٍ: أَلَّا تَنْسَى أَنَّ “سِرَاجَكَ” هَذَا لَمْ يُنِيرْ قَارَّتَكَ حِينَ أُضْرِمَتْ فِيهَا النِّيرَانُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ العَرَبَ أَنْفُسَهُمْ تَخَلَّوْا عَنْ هَذِهِ الأَسْمَاءِ، وَصَارُوا يُسَمُّونَ أَبْنَاءَهُمْ “تَالِنتْ” وَ”إِينْفْلُونْسَرْ”؟

فَالسُّخْرِيَّةُ الحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ فِي الِاسْمِ، بَلْ فِي أَنْ تَظَلَّ مُتَشَبِّثًا بِرَمْزِيَّةٍ مَيِّتَةٍ، بَيْنَمَا تَرْفُضُ أَنْ تَبْنِيَ مَعْنًى جَدِيدًا لِهَوِيَّتِكَ. أَيُّهَا السَّاخِرُ-

إِنْ كُنْتَ تَحْمِلُ اسْمًا عَرَبِيًّا، فَلْتَجْعَلْهُ جِسْرًا لِتَحْقِيقِ انْتِصَارٍ أَفْرِيقِيٍّ، لَا قِنَاعًا لِهَزِيمَةٍ.

وَإِنْ كُنْتَ تَسْخَرُ مِنَ التَّسْمِيَةِ، فَاسْخَرْ أَوَّلًا مِنْ عَالَمٍ جَعَلَ الأَسْمَاءَ سِلْعَةً أَقْوَى مِنَ الهَوِيَّاتِ.

خُذْهَا حِكْمَةً مِنْ عَبْقَرِيٍّ مَجْهُولٍ – “لَا تَلُومُوا المَرْءَ إِذَا اخْتَارَ اسْمًا يُنَاقِضُ جِذْرَهُ،
لَومُوا العَالَمَ الَّذِي جَعَلَ الجِذْرَ يُشْبِهُ قَبْرًا”.
* “فِي نَهْرِ العَقْلِ الَّذِي يَنْحُتُ جِبَالَ الجُنُونِ، تَبْحَرُ قَوَارِبُ الحُرِّيَةِ حَامِلَةً بُوصَلَةً مَكْسُورَةً… تُسَائِلُ الأَمْوَاجُ: أَتَرَى كُلَّ مَنْ أَطْلَقُوا الأَشْرِعَةَ أَضَاعُوا البُوصَلَةَ؟”

zuhair.osman@aol.com

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

فرنسا في مرآة الإسلام- كيف تصنع “العلمانية الصلبة” قلقاً أخلاقياً؟

قلق فرنسا من “إخوان الظل”: عندما يصبح النبلُ جريمةً(تحليل جذور الإسلاموفوبيا الجديدة في أوروبا) المقدمة- …

اترك تعليقاً