لا أعرف كلمة عاطفة وافت تعريف البلاغة (القول بمقتضى الحال) مثل كلمة الرئيس البشير: “كيف وأيدينا ملطخة بالدماء” الأخيرة. فشهرنا هذا هو يوليو وطابق رمضان. وكلها، هجريها وأفرنجيها، شهور مقاتل شنعاء. وقيلت كلمة الرئيس في حشد من دارفور التي اعترف بأنهم فرطوا في سماحتها وأعرافها. وكان يلقى ربه وقتها المرحوم يسن عمر الإمام الإسلامي القح الذي سقم مشروعه الأصل فقال”: أخجل أن احدث الناس عن الإسلام في المسجد بسبب الظلم والفساد الذي آراه”. ثم شهرنا هذا هو الفضيل شهر التوبة والغفران.
للرئيس إطلالات تكرر فيها هضم النفس. إعتذر مراراً عن بؤس ما نلقاه من نظامه في معاشنا. وطلب أن نصفح عنه قبل أيام وألا نشكوه يوم الحق هناك يوم واقفين في بابو. ولا أعتقد أنه غير صادق في زجره لنفسه. أو بعبارة أخرى: فصدقه من عدمه ليس موضوعنا. فالعلة الكبرى أنه لم يسهر على مراجعاته لتتنزل في نظم مؤسسية بالدولة. وسيكذبه الناس مهما كانت صدقيته ما لم يروا منه همة واضحة لجعل زجر النفس سياسة في دولة في ذمته.
صار نزيف الدم عندنا صناعة لم يتنزه عنها أحد. وإذا أردت أن تقف على وحشيتنا فأقرأ في سودانيزأونلاين مجادعات بعنوان “مذبحة الحزب الشيوعي، 19 يوليو 1971، لكي لا ننسى” بمبادرة إسلامي هو بدر الدين إسحاق محمد. ولم تنم عبارته في ذكر ضحايا الشيوعيين، بعد نحو نصف قرن من رحيلهم، عن ذوق أو إسلام. ويبدو مع ذلك أنه مستفز بتمنع الشيوعيين عن تحمل وزرهم عن ضحايا بيت الضيافة. وتبادل بدر الدين والشيوعيون خد وهات. فإذا المسألة بينهما ليست عن بشاعة سفك الدماء في الماضي والحاضر من أي طرف كان بل حول أينا سفك دماً أكثر من الآخر.
استنكرت دائماً على الشيوعيين سوء أدبهم مع شهدائهم. يبرئون أنفسهم من الدم بالمرة ويشتمون “شهداء” الآخرين فيردون عليهم الصاع صاعين. ولم ينجحوا بعد في جعل قتلاهم شهداء للوطن مستحقين لمثوى أخير بعد طول تشرد في القبور المجهولة. وهو مصير طائفة كبيرة من رموز السياسة أيضاً. وتستغرب للشيوعيين يعرضون بشهدائهم هكذا وقد قرر مؤتمرهم الخامس موالاة البحث عن قبور قتلاهم. وهو بحث يسوقهم لابد إلى تحالف وطني عريض لرد ضحايا عنف الدولة إلى أهلهم. ولكن لا يذكر منهم هذا الواجب الجميل إلا تاج السر عثمان في مقالته المعهودة كلما جاء 19 يوليو.
أردت من هذا القول أنه لا الحكومة ولا المعارضة تواثقت كل على حدة، لو شئت، على خطة سياسية مؤسسية للكف عن تلطيخ اليد بالدم. فلم أقرأ للعدالة الانتقالية، على كثرة ما تداولنا المفهوم، مشروعاً لمؤسسة لتكريم ضحايا عنف الدولة بقبر ظاهر يزار. وفي الدعوة لمثل هذه المؤسسة تنشئة لنا في آدمية تحللنا منها وأسرفنا.
سيروح هضم الرئيس للنفس أدراج الرياح مهما خلصت نيته ما لم يصير سياسة للدولة متجسدة في مؤسسة ترعي، ضمن مشروع لحقن الدم، استرداد الجثامين المغيبة. فكلنا في كرب روحي عظيم ونخشى أن نلقى ربنا بعاهة الإلحاد بحق الروح المؤمنة. وهي التي قال الرئيس إن الله نهى عن قتلها (والتبشيع بها) حتى أنه ليقبل بزوال الكعبة ولا يقبل بزوالها. ومن أقسى أنواع الكرب النفسي لأمثالي في خريف العمر ما قرأته في وداع رفيقنا النقابي محجوب أحمد العمدة. لقد رحل عنا ولكن ليس قبل أن يسمى ولديه واحد باسم عبد الخالق صريحاً والآخر باسم راشد كناية.
مات وفي نفسه شيء من أستاذنا مجهول القبر.
Ibrahim, Abdullahi A. [IbrahimA@missouri.edu]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم