أخبار أخرى
4 ديسمبر, 2008 وثائق 101 زيارة
هذه هي الحلقة الثالثة عشر من عشرين حلقة من وثائق وزارة الخارجية الاميركية عن سنوات اسماعيل الازهري، اول رئيس وزراء في السودان (1954-1956). بداية من اول انتخابات، واول برلمان.
منذ قبل استقلال السودان، بدأت السفارة الاميركية في الخرطوم ترسل تقارير عن التطورات الداخلية في السودان.
ومنذ قبل استقلال السودان، اهتمت بنشاطات الشيوعيين. كانت تلك سنوات الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي. وخاف الاميركيون من انتشار الشيوعية في الشرق الاوسط. وخاصة في مصر. ثم انتقالها الى السودان. ثم الى دول وسط وشرق افريقيا.
كانت البداية خمس حلقات عن الشيوعيين السودانيين (من سنة 1953): عن تأسيس حزبهم، وعن قادتهم، وعن نشاطاتهم. ومنذ ذلك الوقت، ظلت السفارة الاميركية تتابعهم.
هذه الحلقات عن سنوات الازهري (1954-1956): شخصيته. وشخصية محمد احمد محجوب، زعيم المعارضة. واعضاء اول وزارة. وازمة حزب الامة بسبب انتصار الازهري في الانتخابات. ودعوة بابعاد الحزب عن عائلة المهدي. وتردد الازهري بين الاتحاد مع مصر والاستقلال. والازهري والشيوعيون. والازهري والجنوبيون. والازهري والمصريون. والازهري والاخوان المسلمون.
بعد حلقات الازهري، ستأتي حلقات عن سنوات رئيس الوزراء عبد الله خليل (1956-1958). ثم سنوات الفريق ابراهيم عبود (1958-1964). ثم سنوات الديمقرطية الثانية (1964-1969). ثم سنوات المشير جعفر نميري (1969-1975، حيث تنتهي الوثائق التي كشف عنها).
هذه هي الحلقة الثالثة عشر عن سنوات الازهري. وهي عن صراعه الطويل مع ميرغني حمزة. وكما اوضحت وثائق سابقة، اعتقد ميرغني حمزة انه احق من الازهري برئاسة الحزب الوطني الاتحادي، وبرئاسة الوزارة. وكان هذا من اسباب اعطاء ميرغني حمزة ثلاث وزارات: المعارف، والزراعة، والري. وفي وقت لاحق، زادت المشاكل بينهما عندما ايد ميرغني حمزة استقلال السودان، وتردد الازهري. وكما توضح الوثائق التالية، خطط ميرغني حمزة لاسقاط الازهري، فاضطر الازهري لعزله:
حمزة يؤيد الاستقلال:
من: السفارة الاميركية، الخرطوم
الى: وزارة الخارجية، واشنطن
الموضوع: حمزة يريد الاستقلال
التاريخ: 30-11-1954
“بعد عودته من زيارة الى مصر، قال لي ميرغني حمزة، وزير المعارف والزراعة والري، ان اغلبية السودانيين صارت ترفض الاتحاد مع مصر، وتؤيد الاستقلال. وان الختمية، وهو واحد من قادتهم، وبرعاية السيد على الميرغني، سيطالبون بالاستقلال. لكنه قال لى ان ان هذا سر يجب الا اكشفه لاحد. وذلك لأنه وبقية الختمية في الحزب الوطني الاتحادي يريدون، اولا، اقناع جناح الاشقاء. حتى لا ينقسم الحزب.
وقال ميرغني حمزة ان الختمية لا يزالوا يريدون علاقة خاصة مع مصر، مثل تأسيس اتحاد، او ارتباط، بين دولتين مستقلتين.
وقال لي ميرغني حمزة سرا آخرا، طلب منى الا اكشفه لاحد. وهو ان السيد على الميرغني، بالرغم من انه لم يعلن انه يريد الاستقلال، بل ولم يقل له ذلك، لكنه، في اعماقه، يريده.
وحكي لي قصة عندما كان الميرغني يتعالج في مصر. زاره الصاغ صلاح سالم، عضو مجلس قيادة الثورة في مصر، ووزير شئون السودان. اشتكى صلاح سالم للميرغني من الدرديري محمد عثمان، مستشار الميرغني، وقال انه لم يستقبله استقبالا طيبا عندما كان صلاح سالم في الخرطوم.
غضب الميرغني، واستدعى الدرديري محمد عثمان في الحال من الخرطوم. ثم جمعه مع صلاح سالم. وطلب منهما ان يتصالحا اذا كانت المشكة شخصية. اما اذا كانت مشكلة سياسية، فان الميرغني لن يتدخل. لكن، بعد ساعة كاملة، لم يتفق الرجلان. وصار واضحا انهما يختلفان حول مستقبل السودان، وان الدرديري محمد عثمان لا يتحمس، او لم يعد يتحمس، لاتحاد مع مصر.
رأينا:
اذا كان كلام ميرغني حمزة لي صحيحا، يعتبر نقطة تحول هامة في تاريخ السودان:
اولا: يوضح ظهور اختلاف اساسي عن مصير السودان بين الختمية والمصريين.
ثانيا: يوضح ان الميرغني، على عكس ما يقال، ليس رجل دين فقط. لكنه، ايضا، يتدخل في السياسة. غير انه يتدخل بطريقة غير مباشرة. يستمع الى مستشاريه، ويلاحظ اين تقف الاغلبية، واذا لم يقدر على اقناعها، يؤيدها.
ثالثا: صار مستقبل السودان يعتمد على قرار من الميرغني.
رابعا: يحتمل ان يخطط ميرغني حمزة لاسقاط وزارة الازهري. وذلك بان يشكل تحالفا داخل البرلمان لكل النواب المؤيدين للاستقلال، من كل الاحزاب.
(تعليق: بعد شهر من افشاء ميرغني حمزة لهذا “السر” للسفير الاميركي، عزل الازهري ميرغني حمزة).
مقابلة ثانية:
من: السفير الاميركي، الخرطوم
الى: وزارة الخارجية، واشنطن
الموضوع: حمزة يؤكد الاستقلال
التاريخ: 8-11-1954
“مرة ثانية خلال اسبوع واحد، قابلت ميرغني حمزة. وهذه المرة قال لي، في قوة، وبدون لف ودوران، ان الختمية حسموا موقفهم، وانهم يريدون الاستقلال.
وكرر ما قاله لي في المقابلة الماضية بأن الموضوع لا يزال سرا، حتى يقنع الختمية جناح الاشقاء في الحزب الوطني الاتحادي، خوفا من انقسام الحزب.
وقال ميرغني حمزة انه يقدر على الحصول على اغلبية وسط نواب البرلمان لتشكيل وزارة بدلا عن وزارة الازهري. وذلك بالتحالف مع نواب حزب الامة، واغلبية النواب الجنوبيين، ونواب اتحاديين. لكنه قال انه لن يفعل ذلك للاسباب الآتية:
اولا: يحس بالولاء للحزب الوطني الاتحادي بجناحيه: الختمية والاشقاء.
ثانيا: سينقسم الحزب في وقت يمر فيه السودان بمرحلة حرجة.
ثانيا: لا يثق في حزب الامة.
لكن، نظر ميرغني حمزة لي نظرة مباشرة، وقال في صرامة واضحة: اذا فشلنا في اقناع الاشقاء بالاستقلال، سنقسم الحزب، وسأشكل وزارة تطلب الاستقلال.
وسألته عن موقف السيد على الميرغني. واجاب بتكرار ما قال لي في الاسبوع الماضي، وهو ان الميرغني يريد الاستقلال، لكنه لم يقل له ذلك. وسألته كيف عرف، والميرغني شخصية يصعب فهمها. واجاب بأنه يتذكر ان الميرغني حكى لصلاح سالم قصة عن اعتماد الابن على الاب. ثم يكبر الابن، ويريد الاستقلال. وقال لى ميرغني حمزة ان هذا يدل على ان الميرغني يريد الاستقلال … “
حمزة وعبد الناصر:
” … حكي لى ميرغني حمزة عن اجتماعه مع البكباشي جمال عبد الناصر ، رئيس الوزراء المصري، عندما زار مصر مؤخرا.
قال انه لم يخفي عن عبد الناصر تأييده للواء محمد نجيب، رئيس الجمهورية الذي عزله عبد الناصر. وان محمد نجيب لم يتحالف مع الاخوان المسلمين ضد عبد الناصر. وان السودانيين لا يؤيدون محمد نجيب كشخص فقط، ولكن لأنه لعب دورا كبيرا في اتفاقية تقرير المصير للسودان. ولأنه كان يريد من السودانيين ان يقرروا مصيرهم في حرية، سواء اتحاد مع مصر، او استقلال.
وقال ميرغني حمزة ان عبد الناصر لا يزال مصريا وطنيا، غير انه لا يعرف السودان والسودانيين. كما انه بدا يحكم مصر حكما عسكريا. حتى صار المصريون يخافون من الحديث مع بعضهم البعض خوفا من ان تعتقلهم الشرطة.
وقال: “ظهر رعب في مصر، واعتقد انه سيدمر مجلس قيادة الثورة هناك.”
وقال انه نظر الى عبد الناصر في عينيه، وقال له ان السودانيين يريدون الاستقلال. وان عبد الناصر ابدى عدم ارتياحه.
وقال ان رئيس الوزراء الازهري، ووزير الشئون الاجتماعية، يحى الفضلي، وكثير من قادة جناح الاشقاء في الحزب الوطني الاتحادي، استلموا، ولا يزالوا يستلمون، رشاوي من مصر.
وقال ان صلاح سالم يعاديه عداء حقيقيا لأنه لا يريد الاتحاد مع مصر. وينشر اشاعات حوله. وهناك اشاعات بأن ميرغني حمزة مصاب بالشذوذ الجنسي. لهذا فان موقفه حساس … “
(تعليق: لم يقدم السفير الاميركي ما يثبت هذا، وقال انها اشاعات).
فصل ميرغني حمزة:
من: السفير الاميركي، الخرطوم
الى: وزارة الخارجية، واشنطن
الموضوع: تعديل وزاري
التاريخ: 30-12-1954
“يوم 23 -12، اعلن رئيس الوزراء الازهري فصل ثلاثة وزراء: ميرغني حمزة، وزير المعارف والزراعة والري، وخلف الله خالد، وزير الدفاع، واحمد جيلي، وزير دولة. ويوم 25-12، اعلن تعيين الوزراء: مدثر البوشي للعدل، وابراهيم المحلاوي للمعادن، وخضر حمد للرى، وحسن عوض الله للزراعة، وداك داي للنقل الميكانيكي، وسانتينو دينق للمخازن.
حسب معلوماتنا الخاصة، حاول الازهري اقناع اللواء احمد محمد، قائد القوات العسكرية ليكون وزيرا للدفاع. لأنه ختمي، اذا وافق، كان سيعطى انطباعا بأن الازهري لم يعلن الحرب على الختمية عندما طرد الوزراء الختمية الثلاثة. وكان الازهري سيعين مكانه نائبه اللواء ابراهيم عبود، والذي يرتاح له الازهري والمصريون.
لهذا، كان الازهري يريد صيد عصفورين بحجر.
لكن، رفض اللواء احمد محمد منصب وزير الدفاع. وقال لنا مصدر خاص انه قال انه لا يحب السياسة. لكن المصدر الخاص يعتقد انه اشترط ان يعين برتبة “فريق”، وذلك لضمان معاش اكبر، وسمعة احسن … “
خطابات الفصل:
من: السفير الاميركي، الخرطوم
الى: وزارة الخارجية، واشنطن
الموضوع: كارثة وزارية
التاريخ: 31-12-1954
“قبل عشرة ايام من فصل ميرغني حمزة، تحدثت معه لفترة طويلة. وفي اليوم التالي، تحدثت مع الازهري لفترة طويلة، ايضا. وتأكد لي ان هناك اختلافا اساسيا بينهما حول مستقبل السودان: ميرغني حمزة يريد الاستقلال، والازهري يريد نوعا من الاتحاد مع مصر.
قضيت مع الازهري وقتا طويلا في بيته، حتى قرب منتصف الليل. وبعد ان تركته، علمت انه تسلم، في نفس الليلة، خطابا من ميرغني حمزة بأنه يريد ان يكون رئيسا للوزراء بالانابة عندما يسافر الازهري الى الفاشر في زيارة رسمية الى دارفور. وكان الازهري تعود على ان يعين مبارك زروق، وزير المواصلات، رئيسا للوزراء في غيابه. ولكن، لم يرد الازهري على خطاب ميرغني حمزة.
في اليوم التالي، بعد ان سافر الازهري، دعا مبارك زروق الى اجتماع لمجلس الوزراء. ووصل ميرغني حمزة غاضبا. ووضع يده على كتف زروق، وقال له: “انا اكبر منك في السن، واكثر منك خبرة. ولن اشترك في اجتماع لمجلس الوزراء حتى يعود الازهري.”
نعم، زروق اصغر سنا من حمزة كثيرا. وكان صبيا عندما كان حمزة اعلى موظف في الحكومة.
على اي حال، بعد ان عاد الازهري من دارفور، اصدر بيانا في الاذاعة عن عزل ميرغني حمزة، وخلف الله خالد، واحمد جلي.
وقالت لنا مصادر خاصة ان يحى الفضلي هو الذي كتب البيان الذي اذاعه الازهري. وانه استغل رفض ميرغني حمزة حضور اجتماعات مجلس الوزراء في غياب الازهري. وصار واضحا ان ميرغني حمزة، صاحب المزاج الحاد، وهو مشهور بذلك، وجد نفسه في موقف ضعيف.
وقالت لنا مصادر خاصة ان الازهري اتصل مع صلاح سالم، وسأله: ماذا يفعل مع ميرغني حمزة المتمرد؟ وقال له صلاح سالم: “لابد من الحسم.” واشار الى المشكلة بين رئيس الجمهورية محمد نجيب ورئيس الوزراء جمال عبد الناصر. وان عبد الناصر حسمها بعزل محمد نجيب. واوصى صلاح سالم بعزل ميرغني حمزة، وكل من يعارض الازهري … “
خطابات العزل:
” … قابلت عسكريا سودانيا كان سلم خطابات العزل الى الوزراء الثلاثة. وشرح لي ردود فعل كل واحد:
اولا: دخل على احمد جلي، وزير الدولة في مكتبه، وسلمه خطاب الازهري. وفتح الخطاب، وقرأوه، ولم يقل اي شئ.
ثانيا: ذهب بسيارة الى مكتب خلف الله خالد، وزير الدفاع، وسلمه خطاب الازهري. واضطرب خالد، وتلعثم، وارتجفت يداه، ووجد صعوبة في فتح الخطاب. وبعد ان قرأ الخطاب، قال كلمات غير مفهومة، وكان واضحا انه في حالة نفسية سيئة. واحس الضابط بالحرج، وترك المكتب.
ثالثا: ذهب بالسيارة الى مكتب ميرغني حمزة في وزارة المعارف. وعندما سلمه الخطاب، فتحه في هدوء، وقرأوه في تمعن. وابتسم، وقال: “هذا احسن شئ حدث لي.” وفي الحال، جمع اوراقا من ادراج مكتبه، ووضعها في حقيبته. وقال للضابط: “مع السلامة”، وخرج، وترك الضابط وحيدا في مكتبه … “
مممممممممممممممممممممممممممم
الحلقة الرابعة عشر: الازهري والبريطانيون
مممممممممممممممممممم
mohammadalisalih@yahoo.com <mailto:mohammadalisalih@yahoo.com>
بسم الله الرحمن الرحيم نقابة المحامين السودانيين لجنة التسيير ورشة عمل: الحوار حول الإطار الدستوري …
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم