وداعاً .. نصفي الآخر (2) .. بقلم: د.زهير عامر محمد

د.زهير عامر محمد المملكة المتحدة ٢٠١٥
شتاء قارس يخيم علي أجواء قريتي الوادعة، ليل مظلم بهيم يجرجر أثوابه ويذهب بعيدا، صباح باكر بلون الطل يبدأ بالإشراق. الحاج أحمد يستيقظ باكرا من نومه علي صوت الأذان يأتي بعيدا من مسجد القرية العتيق، صوت الشيخ علي، دافي وفيه خشوع وتقي، فيه مسحة صوفية، يأتيهم عشية وضحي.الحاج أحمد يهمهم ويتمتم بكلمات الشكر والحمد،البرد القارص يصله في ضلوعه و أطراف اصابعه، وجزء من قدميه، يرتجف من شدة البرد، يشعر بسعادة رغم البرد اللاذع، يمني نفسه بمحصول قمح وفير هذا العام، يتحسس أعواد الكبريت حتي يقد هذا المصباح القديم، تتضح ملامح غرفته العتيقة التي تتوسط داره.يضع ثوب من القطن المصري الأبيض الأصيل علي جسده ويخرج من غرفته،ومازال حامدا و شاكرا لله علي نعمة صحة وعافية ينعم بها رغم ضيق الحال وعسر الحال، والذي يأمل له يسرا، وينشد له فرجا قريبا. 
يخرج من باب غرفته حاملا مصباحه علي يمينه وابريقه النحاسي علي يساره.يتجه إلى منتصف داره حيث توجد هذه المضخة الحديدية للماء. يضخ منها بعض الماء البارد أولا ويكرر الأمر قليلا حتي يأتيه ماء دافي من اغوار بعيده ، بعدها يملأ الحاج أحمد ابريقه ويخرج الي الفناء الرحيب ليقضي حاجته، يعود بعدها ليجلس علي مصلاته التي صنعتها الحاجة آمنة من سعف النخيل عند موسم الحصاد الماضي. يتوضا بهذا الماء الدافئ ويهم باللحاق بصلاة الفجر عند المسجد العتيق كما إعتاد لسنوات وسنوات. تستيقظ الحاجة امنة وتحيه بكل ود ولطف و أمان، أمان عاشه معها، امن فيه من تقلبات أزمان و أيام عصيبة، كانت هي قارب نجاة صغير أوصله لشواطي امنة.وتستيقظ نور حبيبة قلب الحاج احمد.قمر يخرج من بين طيات السحاب، شمس كسوله ترسل إشعاعها الدافي لفجر بارد خيم علي سماء البلدة الوادعة.تقبل جبين والدها وفيه قطرات من ماء وضوء طاهر فرغ منه الآن.ويسرع الحاج أحمد الخطوات للحاق بصلاة الفجر.
المسجد العتيق ليس كسابق عهده، البلدة هجرها أبنائها، ضاقت بهم الحال، فشدوا رحالهم وحقائبهم شرقا وغربا، علي أمل أن يعودوا يوما ما، أمل الرجوع الي أحضان البلدة يوما ما، المصلين علي عدد اصابع اليد الواحدة المسجد تشققت جدرانه حزنا علي الراحلين،خيوط العنكبوت علي الجدران،الطلاء القديم يتساقط علي زوايا وأركان ومداخل المسجد والذي تفوح في جنباته رائحة بخور حجازي عطر جلبه الشيخ علي، إمام المسجد عند زيارته لمدينة الرسول (ص) العام الماضي.تقام الصلاة وكل في خشوع وخضوع، وعند نهايتها يستودع كل منهم الآخر علهم يلتقون في صلاة اخري.
الحاج أحمد يغادر المسجد ومازال هو علي حاله يهمهم ويردد كلمات الحمد والشكر، يطفئ مصباحه الفضي فقد بدا الصباح الباكر الباهر يتممد بثوبه الأبيض، يتأمل مصباحه ويبتسم فقد أصبحت كل أجزائه مزانة بقطع لحام فضي داكن اللون، حمله مرات عده لعبد المحمود الحلبي، ويبتسم مرة اخري، فهو لايدري حقيقة لقب هذا الرجل، هل لأنه هاجر من بلاد الشام وأستقر به المقام في هذه الربوع الشمالية، أم أنه من جنوب أسوان كما يقول،وطاب له الحال وتزوج وأنجب وبقي بين أهل البلدة سنين عددا، كما طاب الحال للحاج بلال اكول، ابن الجنوب،الذي حضر بالقطار من اويل وعاش علي ضفاف النيل الخالد،و التقي ميري بنت يآي الفاتنة علي مقربة من شلالات النيل وتزوجها وأنجبت له الأبن اﻷبنوسي الساحر مايكل…ونواصل
*قصة قصيرة من خيال الكاتب، الاسماء والشخصيات واﻷمكنة غير واقعية، اذا حدث اي تطابق فتلك محض صدفة.
zuheiramir@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً