محمد عبد المنعم صالح
لا أجد أي حرج في أن أقول أنني عشت في ظل عائلة مضطربة جدا علي جميع المستويات ..
أدركت هذا منذ ذمن بعيد . سرقت طفولتي بين والد موغل في التيه ، ووالدة داخلي بلا ملامح ولا ذاكرة ولا إي رصيد من الأمومة ..
بقية الأسرة كانو عبارة عن ذمن كريه من دفتر سنين للعاهات في أقصاها ، يتقاطع فيها الحسد والحقد والتسلط ، التدجين، ازدواجية ، والادعاء و..و..
فلم أملك غير أن أبرمج عقلي منذ الطفولة على “وضع النجاة”.. قبحهم جعل الخوف يتمدد بداخلي لكني كنت دائما أتفادى الصراخ .. ظللت أرضي الجميع على حساب نفسي ، وأن أعيش في حذر دائم وكأني أسير في حقل ألغام..
الكارثة أنني عندما كبرت ، إكتشفت أنني إعتدت علي هذه الرائحة المسمومة..
فأجد نفسي تلقائياً حتي خارج سور الأسرة التي لم أشعر تجاهها يوما بالإنتماء لا من قريب أو بعيد ، أختار أشخاصاً سامين، أدخل علاقات تستنزفني ، وأظل أحارب يومياً لمجرد أن أخرج بأقل الخسائر.. فأسمي هذا “تجربة ” ، بينما هي في الحقيقة استنزاف بطيء كان لعمري ..
أكبر خديعة هي أنني عندما كنت أقنع نفسي بأن طاقتي ستغيرهم، أو أن تحملي لأذاهم بطولة!..
الا أن أدركت .. أن النجاة منهم إبتداءا من الأسرة وخارجها ليس خياراً ثانوياً، بل هي خُطتي الوحيدة الان لأبقى حياً..
وعي الحقيقي بالآخر في تقديري بدأ عندما أدركت أنني لست مكلفاً بترميم من يكسرني .. وأنني لست سلة مهملات لتفريغ أحقادهم وعقدهم..
وأعتقد أن حياتي الحقيقية بدأت عندما إتخذت هذا القرار الجريء أن أنجو منهم..وألتقط أنفاسي لأحيا معافا ..
أن أضع حداً، وأقوم بقطع الحبال المسمومة، وان أنسحب من كل مساحة تهين كرامتي أو تسرق سلامي الداخلي، وأن أبني مساحتي النظيفة مع من يحبوني ..
الأسرة التي أزهر فيها، لا التي أجف فيها وأذبل كما حدث لي في حياتي السابقة منذ الطفولة ..
و أن أكرس دائماً في داخلي أن ترك من يؤذينا ليس قسوة .. علي وجه الخصوص من تربطنا بهم علاقة دم دميمة ، بل هو أول عمل بطولي نقوم به في حق أنفسنا ..
ها أنا الان بعد ٤٦ عاما أقف كالنخلة وأواجه نفسي بكل شجاعة متساءلا :
إلى متى سأظل أحترق لأضيء لمن يحرقني ! ؟
وها أنا أختار أن أنجو بنفسي وأولد من جديد علي هذه الحياة ؟..
