طاهر عمر
taheromer86@yahoo.com
مفارقة عجيبة تظهر من الوهلة الأولى لقراءة أفكار الإقتصادي السوداني ابراهيم البدوي في مقالاته الأخيرة في سودانايل. و بالمناسبة تمثل نموذج يمكنك أن تقف فيه على خلل المنهج في مقارباته للكساد الفكري و ركونه و لفه مع الدوائر الخبيثة المغلقة و محكمة الإغلاق و عجزه عن كسرها و الشب عن طوقها و هذه الدوائر الخبيثة لخصها السودانيون بمعنى الدائرة الشريرة إنقلاب و ثورة ثم إنقلاب و الدوائر الخبيثة هي مستلفة من حقل الأدبيات الإقتصادية و لم يوظفها المثقف السوداني التقليدي توظيف جيد في فهمه لعجزه الفكري و ركونه الى عقل الحيرة و الإستحالة العاجز عن مواجهة التحدي أي تحدي سياسي أو إقتصادي و إجتماعي و التغلب عليه كما يقول هشام شرابي.
و عقل الحيرة و الإستحالة عند النخب العربية التقليدية في نظر هشام شرابي هو نتاج سيطرة و هيمنة الأبوية المستحدثة و فكرها الذي يكرس لعبودية الفكر المسيطر على الساحة. الفرق بين جهود هشام شرابي الفكرية و بين فكر ابراهيم البدوي أن هشام شرابي بفكره قدم فكر جدير بكسر هذه الحلقة الخبيثة و حددها أنها هي الأبوية و الأبوية المستحدثة و كيف تجعل النخب غير قادرة على مفارقة كل فكر ينطلق من المطلق و يحارب الفكر الناتج من مفهوم النسبي و العقلاني. هشام شرابي كان مدرك أن فكر الأبوية و الأبوية المستحدثة بقايا فكر قديم يمتد لأكثر من ألفين عام إلا أن المجتمعات الأوروبية قد تجاوزته بمفهوم القطيعة مع التراث الذي لا يسمح بحرية الفرد.
لذلك كانت أفكار هشام شرابي تنادي بأن إنعتاق العالم العربي واحد من شروطه حرية المراءة قولا و فعلا من هيمنة الأب و هيمنة المجتمع على الفرد و المراءة و لا يتم تحرر المراءة و تحرر الفرد بغير مغادرة هيمنة فكر الأبوية و الأبوية المستحدثة في ظواهرها في قضايا الفكر.
و هشام شرابي يقدم توضيح لسيطرة فكرة الأبوية و الأبوية المستحدثة و هي خنوع النخب إبتداءا من البيت الى الأب و خارج البيت خنوع الأب نفسه للمسجد و خنوع الطالب للمعلم الذي يعلب دور الأب في البيت الى أن تنتهي لخنوع النخب الى قيادة الحزب سواء كانت في الأحزاب الشيوعية بنسخها المتكلسة أو الأحزاب القومية العربية المنكفئة أو الأحزاب الإسلامية الهاربة الى ماضي ذهبي لن يعود و هكذا تتفاعل الأنساق الثقافية المضمرة.
و هذه الأبوية المستحدثة مثلا تظهر في أن تفكر بدلا عنك اللجنة المركزية للحزب الشيوعي و أو تكون خانع للمرشد كما في حالة الكيزان أو تابع للإمام كما في حالة أتباع حزب الأمة و الختم. و أكبر حاضنة لفكر الأبوية و الأبوية المستحدثة هو خطاب الفكر الديني التقليدي و هو أس و أساس هيمنة الأبوية و الأبوية المستحدثة.
لذلك نجد أن أغلب النخب السودانية يمكن خداعهم من قبل الكيزان و أكبر خديعة للنخب السودانية هي تصديقهم الى أن بعض الكيزان قد إنتقدوا مشروع الحركة الإسلامية السودانية. و عندما حدث إنقلاب البرهان فإذا بعبد الوهاب الأفندي يظهر ككوز كامل الدسم.
و هنا تظهر سيطرة الأبوية و الأبوية المستحدثة على فكر عبد الوهاب الأفندي و على من صدقوا أنه قد غادر حيز خنوعه لهيمنة الأبوية المستحدثة و ظنه بأن الفكر الإسلامي عبره يمكن العبور للحداثة و عالمها الذي قد تحرر من جلالة السلطة و قداسة المقدس.
الآن بعد بيان الرباعية و مناداته بإبعاد الحركة الإسلامية السودانية و طرفي الحرب و هما الجيش الكيزاني و صنيعته الدعم السريع من أي عمل سياسي في السودان في مستقبل عودة التحول الديمقراطي. و هذا تم بإجتماع الرباعية و هي مصر و امارات و السعودية و أمريكا في غياب السياسي السوداني دلالة قوية جدا بأن النخب السودانية لوحدها ما زالت عاجزة عن حل مشاكلها لوحدها دون مساعدة المجتمع الدولي.
و هذا العجز الباين للنخب السودانية قد جعل السياسي السوداني في موقف الغائب الحاضر في بيان الرباعية دلالة على سيطرة العجز على النخب السودانية لمواجهة التحدي و التغلب عليه. و هذا هو العجز الذي تحدث عنه هشام شرابي و هو نتاج سطوة الأبوية و الأبوية المستحدثة و هو في الغالب يغبّش وضوح الرؤية و يبعد زمن نضوج الهدف و يصعّب سهولة بداية مسيرة الإنعتاق كما يقول هشام شرابي.
و لذلك أوردناه في عنوان المقال لنوضح به سيطرة عقل الحيرة و الإستحالة على النخب السودانية التي إنقسمت الى أثنين في تأيدها للجيش الكيزاني و أخرى في تأيدها للدعم السريع صنيعة الكيزان و هنا يظهر عجز النخب السودانية و كيف تبحث عن من سيطر على أفقها و كله هو بحث في لا وعيها عن صورة الأب المسيطر في اللا شعور.
لذلك نجد منهم من وجده في الجيش الكيزاني مثل محمد جلال هاشم و عبد الله علي ابراهيم و منهم من وجده في سيطرة الجنجويد كالدكتور النور حمد و هنا تتضح صورة الهيمنة لفكرة الأبوية و الأبوية المستحدثة و توضح لنا كيف إنقسمت النخب السودانية في تأييدها لجيش الكيزان و أخرى مع صنيعته الدعم السريع و الإثنيين جيش الكيزان و الدعم السريع قد رفضهما بيان الرباعية بأن يكون لهما دور في مستقبل السودان السياسي.
و أظن هذا هو سبب عدم دعوة النخب السودانية لحضور بيان الرباعية لأنهم لم يسعفهم وعيهم لرؤية خطورة الجيش الكيزاني و صنيعته الدعم السريع على مستقبل السياسة في السودان بل إنقسموا بينهما و الجيش و الدعم السريع أبعدهما بيان الرباعية و لك أن تتعجب لموقف النخب السودانية التي لم تعرف سبيل لفكرة القتل الرمزي للأب المسيطر عبر فكرة الأبوية و الأبوية المستحدثة بل جعلتهم لا يستحوا أن يتفرقوا بين الجيش و صنيعته الدعم السريع و هما سبب قيام حرب عبثية لا مصلحة للشعب فيها بل أن هذه الحرب العبثية نفسها نتيجة قبولهم بالشراكة مع العسكر في وثيقة دستورية قدمها قانوني تقليدي سوداني أفقه أفق فكرة محدودة بسبب فكرة الأبوية و الأبوية المستحدثة.
هشام شرابي كعالم إجتماع و فيلسوف في مراقبته للمجتمع العربي التقليدي و كيفية تحريره من سطوة الأبوية المستحدثة قارن بينه و بين المجتمع الأوروبي بل كانت كل جهوده الفكرية في دراسة فكر النهضة الأوروبية بل أهتم بتطوّر الفكر الاوروبي إبتدءا من عام 1870 و ما لحقة من تغيرات و تحولات هائلة في المفاهيم و كان من تلاميذه الرئيس الأمريكي السابق بيل كلنتون و قد وصف أستاذه هشام شرابي بأنه مثقف ألمعي.
و من هنا يمكننا القول أن القارئ لجهود هشام شرابي الفكرية يجد فيها وضوح رؤيته و إدراكه لنهاية الليبرالية التقليدية و بداية الليبرالية الحديثة و كذلك متى إنتهت فلسفة التاريخ التقليدية و متى إبتداءت فلسفة التاريخ الحديثة.
لذلك يمكننا القول أن حقل مشروع هشام شرابي الفكري يمتد في حقول السياسة و علم الإجتماع و الفلسفة. و عندما اختار أدواته لتفكيك المجتمع العربي التقليدي تسلح بعلم النفس و الفلسفة و علم الإجتماع و إستدعى ماركس و لكن أي ماركس؟ لم يترك هشام شرابي ماركس طليقا بل وضعه في الأغلال و لم أجد من وضع ماركس في الأغلال إلا عند فلاسفة فرنسا في إستحضارهم لماركس أمثال عمانويل تود و مارسيل غوشية.
و هنا تتضح قدرة هشام شرابي و مقارباته لتفكيك المجتمع العربي التقليدي الرازح في الأبوية المستحدثة التي منعت أتباع الماركسية في العالم العربي من وضع ماركس في الأغلال بل ساروا خلفه و هو طليقا و هذا هو حال أتباع النسخة المتكلسة من الشيوعية السودانية.
هشام شرابي أدرك أن ماركسية ماركس لم تنتبه الى مشاكل مجتمع ما بعد الثورة الصناعية و التحولات الهائلة في مفهوم الدولة و قيم الجمهورية و دوره في إنزال العدالة الإجتماعية في مجتمع اختار شعار الحرية و المساواة و الأخاء فبعد الثورة الصناعية لم يعد هناك صراع طبقي كما يتوهم ماركس بل ستتسلسل إختناقات إقتصادية دورية تستطيع الرأسمالية الخروج منها عبر نمط الإنتاج الرأسمالي الذي يقوده السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني في مجتمع كل فرد من أفراده عقلاني و أخلاقي بمعادلاته السلوكية يسعى للتوازن الإقتصادي و التوازن الإجتماعي.
و هنا تتضح فكرة هشام شرابي لتفكيك حالة المجتمع العربي التقليدي الذي لم يفهم فكرة مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية و فاتت على نخبه كما فاتت من قبل على ماركس معادلة الحرية و العدالة نتاج شعار الحرية و المساواة و الأخاء و يسوقه نحو فكرة المسؤولية الإجتماعية نحو الفرد.
لذلك أتى هشام شرابي بماركس في الأغلال لكي يعرف كيف حاول ماركس بماركسيته التي لا تصلح إلا في المجتمع القديم أي مجتمع ما قبل الثورة الفرنسية و مجتمع ما قبل الثورة الصناعية حيث يسود الصراع الطبقي أما مجتمع ما بعد الثورة الصناعية فلا تسوقه إلا معادلة الحرية و العدالة.
لذلك كان هشام شرابي من الداعيين الى حرية المراءة قولا و فعلا و كان مدرك لنجاح الفكر الليبرالي و فاعلية فلسفة التاريخ الحديثة رغم أن العالم العربي لم ينجح بعد في نقل أي تجربة صناعية حديثة إلا أنه جزء من مجتمع ما بعد الثورة الصناعية و لا يصلح معه فكر غير فكر مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية.
في ختام مقالنا نتسأل هل يستطيع الدكتور ابراهيم البدوي أن يأتي بالإمام الصادق المهدي في الأغلال كم فعل هشام شرابي مع ماركس؟ نقول لكدتور ابراهيم البدوي أن الإمام الصادق المهدي كان أقرب لرجل الدين من السياسي المعاصر لذلك لا تصلح معه إلا الأغلال التي قيّد بها ماركس من قبل هشام شرابي و هو عالم إجتماع و فيلسوف.
لا يختلف أثنين في أن الإمام الصادق المهدي بفكره الديني التقليدي كان حجر عثرة للتحول نحو الفكر الليبرالي و رأينا كيف إشتبك معه الدكتور جون قرنق و وصفه بأنه أكبر حجر عثرة أمام تطور السودان أما الدكتور منصور خالد فقد وصف الإمام الصادق المهدي بأنه يتمنى أي منصور خالد أن يكون الرجل صادق و مهدي و هو يقصد أنه لم يكن صادقا و لا مهدي.
و من هنا يمكننا تفسير إعجاب الدكتور ابراهيم البدوي بفكر الصادق المهدي و قد كثر حديثه عنه في مقالاته الأخيرة و ما هو إلا نتاج وقوع الدكتور ابراهيم البدوي تحت نير سطوة الأبوية و الأبوية المستحدثة التي تحدث عنها هشام شرابي و شرحناها في مقالنا كيف تعلب فيها الأنساق الثقافية المضمرة في جعل النخب التقليدية كحالة الدكتور ابراهيم البدوي أي تجعله باحثا عن أب بديلا بعد أن تخلص من سيطرة الأبوية البايلوجية في البيت و لم ينتبه بأنه قد أختار أبا إمام كالصادق المهدي يمنعه من أن يفكر تفكير يساهم في إنتاج المعنى كما يقول عالم الإجتماع التونسي الطاهر لبيب.
لا أشك لحظة واحدة في أن الدكتور ابراهيم البدوي مشبع بالفلسفة الإقتصادية المعاصرة إلا أنه يظهر ضعف لا يليق بمقامه فيما يتعلق بالفلسفة السياسية. و هذا ما يجعله يتوكأ على فكر الإمام الصادق المهدي. و كما قلنا أن فكر الإمام الصادق المهدي يجعله أقرب لرجل الدين من السياسي المعاصر.
و ربما تكون كتابات الدكتور ابراهيم البدوي الأخيرة عن تلميع فكر الصادق المهدي محاولة منه أن تكون له فرصتين في إختياره في المستقبل كرئيس وزراء أو وزير إقتصاد أي إذا فشل ابراهيم البدوي في إقناع النخب السودانية بإختياره رئيس وزراء سينتظر من حزب الأمة أن يختاره وزير إقتصاد. و نحن نسأله أي نسأل الدكتور ابراهيم البدوي هل يضمن أن تبقى الساحة السياسية على تقليديتها أي على فوز أحزاب تقليدية كحزب الإمام و حزب الختم؟ و هذه هي المفارغة العجيبة التي ذكرتها عن ابراهيم البدوي و فكره في بداية المقال.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم