ولحديث افتضاح العطر افتضاح .. بقلم: د. محمد عبد الحميد
6 مارس, 2020
محمد عبد الحميد, منبر الرأي
34 زيارة
طافت بمخيلتي وانا اقرأ مقال د. مزمل ابو القاسم في عموده للعطر افتضاح والذي خصصه حول مزاعم فساد لم تخلو من نبرة تحدي، ولغة غير واجفة لشركة الفاخر للأعمال المتقدمة طافت بمخيلتي وقع جلسات الإستماع التي يجريها الكونغرس الأميركي للمسؤولين حيث يسائلونهم عن كل صغيرة وكبيرة في الموضوع قيد الجلسة ، وتكون الأسئلة عادة مبنية علي تقصي ومعلومات لا يمكن ضحدها. فقد خصص الكاتب الجزء الأول من المقال علي تأكيد معرفته بسيرة وتاريخ رئيس مجلس إدارة الشركة وعلاقاته المالية بشركات أعلنت إفلاسها بعد أن اقترضت من البنوك تمويلات مصرفية بمبالغ مالية مقدرة. والمعروف أن إعلان الإفلاس يتم بموجب إجراءات قانونية صارمة وفيما يبدو أن الكاتب يركز علي أخطر واسوأ نوع من أنواع الافلاس وهو الإفلاس التحايلي الذي يحاول فيه المفلس إعلان الإفلاس ليتخلص من مديونياته. غير أن إعلان الإفلاس وبغض النظر عن نوعه يظل ممارسة تتسم بالنزاهة و عادة ما يحرم من يعلنون افلاسهم شركات كانوا أم افراد من مزاولة أنشطتهم التجارية المعتادة لفقدان الثقة والأهلية في إدارة الأموال المودعة أو المقترضة.
علي عموم الأمر لم يتوقف اتهام الكاتب لرئيس مجلس إدارة شركة الفاخر فحسب ، بل أشار لمواطن فساد في عملية منح هذه الشركة ميزات جعلتها بحسب ما رمي إليه القيّم علي مقدرات البلاد الاقتصادية وبشكل مريب. وقد أكد في أكثر من ملمح ضغط به علي مواطن الألم لدي كل الثوار الذين ضاقوا ذرعا بما كانوا يعايشون من فساد يقوم به ويحميه رأس النظام السابق، و الذي كان يتذرع بضرورة تقديم الأدلة علي المفسدين ، حتي طاح نظامه تحت وطأة ممارسة الفساد المفضوح. فقد أكد الكاتب غير مرة ان وزير المالية هو وزير الثورة الذي مكن لهذه الشركة باتفاق وصفه بأنه(مجهول الملامح ، مريب الدوافع) . وهكذا دفع الكاتب بالكرة في ملعب قوي الحرية والتغيير التي وصف صمتها إزاء هذا الموضوع (بالمحير دون أن تحرك ساكنا لمناهضة الفساد الجديد). وفي ذلك مقارنة لا تخفي علي اؤلي النهي بين حواضن النظام السابق وحكومة الثورة، والمَعنِي هنا قوي الحرية والتغيير.
والحق أن قوي الحرية والتغيير في حالة غياب بل غيبوبة عما يفعل وزير المالية ليس فقط فيما أثاره الكاتب من شبهات حول رهن مُقدّرات البلاد لشركة واحدة وبصورة مريبة ، وإنما لمجمل السياسات الاقتصادية التي يتبناها هو وحكومة الثورة. وقد يكون من المفهوم أن يتبني وزير المالية مبادئ الرأسمالية المرتكزة علي فكرة (دعه يعمل دعه يمر Laissez-faire ) غير أن ما وصفه الكاتب هو شيئ آخر ما سمع به الناس عند آدم اسمث وكل كلاسيكيو النيوليبرلزم Neo- liberalism ولا أدركت مفاعله المرأة الحديدية ( مارغريت تاتشر ) التي أطلقت العنان للسوق في برامج خصصتها التاريخي. إنما قام به الوزير ويقوم به هو تفحُش رأسمالي تُفرض بموجبه سطوة السوق علي مجموع مواطنين لا قدرة لهم علي مجاراة ميكنزمات الرأسمالية. وليس لهم سياسات حمائية من غلواء السوق، فقد كان يفعم الأمل دواخلهم أن تكون دولة الثورة هي الحامي والحارس وملاذهم الأخير من سطوة رأس المال. فالراسمالية في واحد من ركائزها المهمة تقوم علي المنافسة الحرة ، والنزاهة في تلك المنافسة. غير أن ما كشفه الكاتب يتجاوز هذه الميزة لتكون الممارسة تشويها لقواعدها المرعية. فإذا لم يكن بمقدور وزير الثورة الخروج عن عباءة خلفيته المهنية المكتسبة من أدبيات مؤسسات برتون وودز ، فإن بمقدور قوي الحرية والتغيير المتشبعة بنضالات تجربة الثورة إقالة الوزير ، والدفع بمن هو اقدر علي إدارة دفة الاقتصاد بروح اشتراكية إجتماعية تعرف كيف تجعل من ثروة الأمة مناط تعبئة عامة لخلق مجتمع تتساوى فيه الفرص وتتحقق فيه العدالة الاجتماعية. لا ديكتاتورية السوق التي راح يطبقها الوزير بطريقة لا تخلو من خسة وعجز مفضوحين من خلال ما أسموه هو ووزير الطاقة بمواقع البيع التجاري لأهم السلع الاستهلاكية، مستغلين في ذلك حالات الندرة في الوقود ليطبقوا علي الخلق سياسات البنك الدولي دون الإعلان عن ذلك.
إن ما اعتبره الكاتب استثناء من قوي الحرية والتغيير فيما أورده علي لسان المهندس عمر الدقير يظل حديث رومانسي في موضع المفترض أن يرتكز فيه القول علي مجمل قيم الثورة. فموضوع انحراف الوزير عن أهداف الثورة لا يتمثل في سلوكه – علي خطورته- تجاه هذه الشركة أو تلك. فالحديث هنا ليس حديث بين متخاصمين أحدهما صحفي متمرس واثق من مصادر معلوماته ، والآخر وزير متجاوز لصلاحياته حتي يحكم بينهما القاضي. وإنما هو حديث كان لابد أن ينصب حول سياسات كلية لرأسمالية فجة لا تبتغي عدالةً في الفرص فتحققها بين الناس ، ولا تروم حريةً تُولد مية و مسحوقة تحت رحمة ديكتاتورية السوق ، ولا تسعي لسلام اجتماعي بعد أن ينقسم المجتمع الي أغنياء يملكون كل شيء علي قلتهم ، وفقراء علي كثرتهم و قد سُلبوا كل شيء.
د. محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com