بقلم / عمر الحويج
ومضة : رقم [1]
ربطوه بحجر والقوا به في النيل غاص عميقًا في الأحلام ، أيقظته حسناء . حين اقتربت منه ، شاهرة إبتسامتها ، همست في أذنه :
أنا عروس النيل والتضحية ، همس في أذنها :
أنا عريس المجد والثورة : تماسكا .. معًا طيفان إلتقيا .. وموجتين ، ثم غاصا معًا داخل براحٍ .. وجنَّتَين .
ومضة : رقم [2]
كانا حبيبين ..
إلتقيا في ساحة الإعتصام
خرجت صباحاً .. جميلاً
لتقتني فستان .. الفرح
حين عادت .. لم تجده
قالوا لها .. لقد استشهد
واصلت عملها في الساحة ..
بفستان زفافها ..
ومضة : رقم [3]
إخترقت صدره ، رصاصة معنية به قصدًا ، إنبثق الدم الأحمر
توقف القلب اليانع الأخضر ، لكن الجسد تآبى على الأرض أن يتهاوى ، بل تهادى ، فمشى .. ومشى .. ثم مشى .
ممتطئاُُ صهوة قدميه ، فقد قرر أن يموت كما الأشجار .. واقفاُ .
ومضة : رقم [4]
– نهض لصلاته حاضرًا في أول خيوط فجرها ، تملاؤه تشوقاته الإيمانية ، مطمئنة داخل قلبه تنطلق بعدها حنجرته البِلالِية آذانًا مناديًا (لا إلاه …)
و قبل أن تصفو حنجرته ، مدغدغة القلب المؤمن سابحة في ملكوته
لتتصل حنجرته البِلالِية بالإثبات ( … إلا الله) .
سبقتها الرصاصة المارقة من دينها الى ذات القلب ، فأكتفت الرصاصة المارقة من دينها ، بالغياب عند النفي (لا إلاه…)
وأنطلقت الحنجرة البِلالية إلى بارئها ، دون أن تتركها الرصاصة
- المارقة من دينها – تكملها بالإثبات ( …إلا الله ) .
ومضة : رقم [5]
جاءتها الطلقة الغادرة ست الكل ، واجهتها بإعلانها عن نفسها ، في لوحة مضيئة ، إحتضنتها في صدرها أمانة :
( أنا جميلة)
(أنا حرة)
( أنا كاملة)
( أنا ملهمة)
تحولت الطلقة .. حين إستقرت في موضع الرحيل من جسدها
النضير ، حلقت عصفورة ، أصبحت أسطورة . هبطت منجذبة ، تلك
العصفورة ، أصبحت أسطورة ، مَن هي إبتسامتها وضاءة ملائكية . العصفورة أصبحت أسطورة ، طارت بها إلى الحياة ، التي ذابت فيها عشقًا حين ضاءت إبتسامتها الملائكية حينها شاهدت رفاقها الشهداء مصطفين لإستقبال قادمتهم الملائكية ، عروستهم المخضبة بدماء الثورة والردة المستحيلة مِلْؤها النصر .. ثم النصر .. ثم
الإبهار يزدانه الإنبهار ، مصطفين مصفقين يهتفون :: حرية سلام
وعدالة .. والثورة .. خيار الشعب .
ومضة رقم [6]
أمه الأخرى : – على الجدار .. تَكَّأت رأسها
بكت ثم بكت ثم بكت .
على صدره الحنون ضمها إليه قبل رأسها
فعادت ثم عادت ثم عادت .
ماعرفوها .. لكن الى قبره أرشدوها
فأتت ثم أتت ثم أتت .
إبتنت قرب قبره عريشة
فرقدت ثم رقدت ثم رقدت .
ثم طال رقادها
فيما بعد عرفوا
حكاية أمه الأخرى .
ومضه : [7]
قالت .. وهي صغيرة :
هاك يا أمي الجمرة دي أطفيها..
عشان ما تحرق الواطيها . قالت ..
وهي كبيرة :
هاك يالعسكري ..
البمبانة الراجعه ليك دي ..
في خشمك .. أحشيها .
عساك تصحى .. وراسك تطاطيها
ومضه :- [8]
الوردة والنهر)
حبيبان عند النهر إلتقيا : أهداها وردة ..أهدتها بدورها إلى .. النهر. أهداها أخرى ..أهدتها أيضاُ إلى .. النهر . أهداها ثالثة .. أهدتها كذلك إلى النهر . صاحت : تأمل .,!!! مكان الوردة الأولى .. سطعت شمس ، مكان الوردة الثانية ، بزق قمر مكان الوردة الثالثة .. برقت نجمة صاح .. تأملي..!!! من الشمس إلتمعت ..حرية . من القمرة أشرقت .. سلمية. من النجمة تلألأت .. عدلية .
سعيداُ – نظر إليها .. سعيدة – نظرت إليه . تشابكا بالأيدي ..
سارا معًا .. يكملان المشوار .
[ لا للحرب .. نعم للسلام .. والدولة مدنية ]
ومضة : رقم [9]
خبروها عن نُصب تذكاري شادوه لحبيبها ، دمعت عيناها حزنًا عليه ، ثم لتذكاره .. فرحت . خرجت صباحًا كي تؤانسه ، لم تجده منصوبًا في مكانه . قالوا لها : لقد منعوه من الحضور . عرفت أنهم مرتين ، إغتالوا شهيدين . دمعت عيناها .. على شهيدها الأول ، ثم حزنت .. على شهيدها الثاني . من بعد عادت بخفي .. قلبين حنينين .. !!!
ومضة : رقم [10]
رأيتها ليس ببصري ، لم تكن عيوني معي ، لقد فقدتها عيوني ، لكني أحسست مستقرها ، بدبيب نحلها في ذبذبات بصيرتي ، حينها صاحت عارية بصيرتي : وجدتها .. وجدتها .
جمجمتي الخالية ، رأيتها هناك تتقافز أمامي نافرة ، بل رأيتهم رفاقي يلملمون بقايا أطراف شظاياها ،وهم يتزاحمون حولها ، وهي التايهة المستنفرة ، وكأنها فرت من قسورة ، حَملُوها في ماذا يا ترى ذاكرتي البضة الندية .. ؟؟!! ، خموها في ماذا ياترى سنوات عمري الضاجة .. ؟؟!! ، رأيتها جمجمتي دامعة المقلتين ، بلا أعين في محاجرها تودعني وهي لاتبرق فيها شبكية ولا قرنية ، رايتني بقلبي النازف دمًا بلا أوعية دموية ، أودعها وأنا معها أردد ، بلا أعين بلا ألسن وبلا حناجر كلها عدمية نهتف ، نصفق ، لكنا بأكف رفاقنا وألسن رفاقنا ومنابر ثوارنا ، مع رفع الأصبعين عاليًا نصرًا .. يملأ فضاءنا ، هتاف شمسنا وقمرنا وفلكنا : حرية .. سلام .. وعدالة والثورة خيار .. الشعب .
ومضة :- رقم [11]
خرج من منزل والديه المُكَرَّب سريره بالحبال اللولبية ، تحرك لحظة صباحه الزاهي ، ببهجة راكب رأس الجيل-وية ، قبل الإنطلاق راجع ما عليه ، بروح الإقدام النضالية ، مترسة بعوالم السحر السندسية ، بضيائه بسنائه بأحلامه اللازوردية ، قبل الإنطلاق راجع ، خطوط الإلتماس عالية ، التوع-وية ، بعنوان غلافه الموسوم راكزًا ثلاثية ، “حرية سلام وعدلية ، والثورة خيار الشعب” أحلامه الأزلية .
قبل الوصول هفهمت ألحان قلبه بنغماتها الحماسية ، معبأة برياح القِبلِّي والهبباي الخُماسِينية ، لم ينسى أن يضع وردة حمراء موشاة بالزهو والقلب مزهرية ، في عُمق روحه المشهدية ، يتوسطها إسمه اليافع بشهادته الأصل ميلادية .
لم يكن يعرف أنه وضع شارة التحدي على صدره لتصبح له ، من الآخر أحد أهدافه الضدية ، يرصده ذاك الخارج ، مُغمَى أعمى ، من خلفه زبانيته “الأمنجية” ، وإستقوها من مدارس القتل التبشيعية ، المُعَرَّفة بالفناء وبذواتهم العدمية .
فقد صوَّب معدوم الأصل والوعي والفاقد البشري ، الناقص التربوي ، بلا حذر بلا حس بلا شعور وبلا ضمير صحوي ، تنشل منه اليد الجذر سودانوية ، موجهًا رصاصته اللعينة قصدية ، إلى صدر ذاك اليافع المحتشد ، أحلامًا ثورية ، راكضًا نحو نصر وأمجاد مستقبلية ، رافعًا كفة اليد بتصميمية ، مُعَّليًا أصبعين ، معلنًة إنتصاراته المعنوحسية ، مناديًا سلمية سلمية ضد الحرامية .
والآخر المبرمج بسوء النية ، متشفيًا ناقمًا ، مشبعًا بحاقدية ، صَوَّبها بندقيةٌ إنتقاميةٌ ، تجاه إسمه العَلم متوجًا ، يسطع بها رأسه من نار ونور الشهيد خالدًا سرمديًا ، وتلك الوردة الحمراء ضوء شمعة فرايحية ، على الصدر صوَّبها عمدًا ومعنيةُ ، موشحًا بها قلب الوردة دمًا أرجوانيًا ، زان لوحتها ، خضاب عذراء ملائكية .
بحمرة الدم إلتماعًا ولؤلؤًا عسجديًا ، زادها جلالًا ، صمود لحظاتها الحزن دموية ، رصاصته حمقاء رعناء ، مصوَّبوها جبناء ، نفاذها يخترق الصدر بشهادة الحلم النبيل “حرية سلام وعدلية” . فوهة البندقية الإنتقامية رصاصتها المنطلقة ، بلهاء عمياء ، حاكِّميتها هي بعينها الظلام عدمية .
ومضة : رقم [12]
أغلق “عنه” العقل ، بطبة المفتاح ضاع ونام ، إنفقأ “عنه” البصر والبصيرة المستلبة .. ونام . أطلق “عنه” سراح مقود مصف ونام . أعطاها “عنه” أقصى .. مدى السرعات .. ونام .
دهس بها (ما) دهس ، ظنهم (ياصلاح حزمة جرجير * ، وليسوا من البشر
هو قانونهم من قديم شرعوه لقتل البشر ، لكنهم في ظلام عيونهم هم (ما) بشر ، علموهم لا عقوبة لمن يدهس هؤلاء (المَا) بشر ، لكن الذي دُهس هو ذاك ( مِن ) البشر علموه ، من قديم أنهم (الما)بشر . لكنهم هؤلاء من خيرة البشر .. بشر من أفضل البشر ، يا أنتم .. ياما بشر ، يا أنتم ياشر .. ياشر .. ياشر ، أنتم (الما) بشر .
*إشارة للشاعر الراحل صلاح أحمد إبراهيم في قصيدته عن أحداث عنبر جودة حيث مات مائتين وأكثر من البشر إحتناقًا ، وهذه من تلك ، صورة طبق الأصل من جديدهم في فض الإعتصام .
ومضة : رقم [13]
عدتُ إليهم رفاقي .. من قبري راجلًا وحافيًا وثائرًا .. لنكمل المشوار معًا ، بعد فض اعتصامنا الرائع الربيعا ، رجعتُ إلى قبري راجلًا ، أحمل معي حزمة رمل من شاطئ نيلنا ذاك السليل السلسبيلا ، رجعتُ إلى قبري راجلًا أحمل معي . دفء أمي ، وحضن أمي ، والحنينا . رجعتُ إلى قبري راجلًا أحمل معي قهوة أمي ، ودفقات دمع أمي ، راكزًا رزينًا . رجعتُ إلى قبري راجلًا أحمل معي فستان زفاف حبيبتي الأحمر القان ، نازفة ألوانه من قلبها النبيلا . رجعتُ إلى قبري راجلًا منتعلًا حذائي الجديدا مزخرفًا بالدم .. والنشيدا . أهدانيه .. عائدًا راجلًا معي .. ليس حافيًا ، إلى قبرنا ، شهيدنا الجديدا . ذاك حين .. رآني عائدًا راجلًا .. إلى قبرنا ، بلا حذاء .. لا قديمًا لا جديدا ، عائدًا شهيدًا من جديد مستجدًا مجيدًا .
العالم الشَوًاف ..!!!
رصعت أذنيها بي فدايات الكنداكة حبوبتها .. الحافظاها لي فرحة زفاف إتلفحت توب الكنداكة أمها ، الناصع الأبيض الشفاف . زينت خدها الوضاء بي علم بلادها الزاهر الهفهاف وبي صوتها الرنان ردد معاها الثوار ، أنضر نشيد وصفقة وزغرودة وبي أعلى نداء نصبت تمثال (الحرية) بي صورتها الأدهشت العالم الشواف .
ومضة : رقم [15]
[بتروا قدمي]
وجدت نفسي مع جموع الثوار في قلب المليونية الكبرى سرنا..ركضنا..رقصنا، هتفنا ملء حناجرنا ، كنا قد توسطنا كبري النيل الأزرق حاصرونا بين دفتيه قفزت متسلقًا قضبان الكبري الحديدية انكسرت ساقي .. اليمنى بعد .. سويعات بتروها ساقي اليسرى .
ومضة رقم [16]
جيتارك يبكيك …..وداعًا
شعرك يتبعثرك ..… وداعًا
بسماتك تبرقك .…. وداعًا
يصدح هتافك .…. وداعًا
ومضة رقم [17]
[شعرك المجدول]
همست في أذنه كنداكة ، باسمة وهي مسرورة ، أحب فيك .. جدائل شعرك المسدولا أحب فيك .. السيرة والمسيرة وما في السريرة ، إلتقط إحد جدادهم” حبة من همسها
بأذنه المدسوسة .. أرسل همسها الي دروبه المهووسة .. بعد إخفائه .. ثم نحره ، دسوا له في جيبه [ جدائل شعره المجدولا ] .
ومضة : رقم [18]
[ أنا ود عكر ]
إخترقت رصاصة الخيانة قلبي الأبيض ، مِت لكني لم أتألم ، لم أتكلم .
خبأوني عن الأعين ثم دثروني بالأبيض ، مِت لكني لم تألم لم أتكلم .
داروا بي حتى إحتواني البراد الأبيض ، مِت ولكني لم اتألم لم أتكلم .
حال فاحت رايحتي بالعطر شهيدًا وجدتني ، أتأمل لا اتألم لا أتكلم .
ومضة : [19]
[مات شهيدان]
أحدهما الأول – إخترقت جمجمته البيضاوية ، مقذوفة الأوبلن المحشوة “أحجارًا زجاجية” والآخر الثاني- جاءته مقذوفة طلقتها نارها حية ، في ذات توقيت العسكر والفلول والامنجية ومن لف لفهم ومن شايعهم من أرزقية يحلمون بالجاه في عِزْ نومة عصرية .
ومضة : رقم [20]
[ الشهيد يتحدث ]
أصابتني رصاصته من الوهلة الأولى في مقتل ، على الأسفلت ارتميت ركلني .. بقدمه اليمنى ليتأكد من انجاز رصاصته لجرمها ، لكني لم تستشهد روحي ، بسبب رصاصته تلك الغادرة ، إنما الذي إستشد هي كرامتي بسبب المعنى المقصود من ركلته تلك القذرة .
ومضة : رقم [21]
صرخت .. ثم صرخت .
مستغيثة في ظلام يوم من أيام الظلاميين الهمج ، من هجمة الجنجويد وربائب كيزان زمان النوائب ، وذاك “المُسَّكَن” وظيفيًا بمسماه ورواتبه الخرافية بالرتبة الأعلى مغتصب ليعتلي به جرمًا أعالي البهج . صرخت مستغيثة في يوم من أيام ظلام الظلاميين الهمج صرخت .. قالها تابع القوم المحتسب : أتركها تلك ينالها ذاك المغتصب ، فأنها وصوتها لعورة .. لماذا دون محرم أتت ها هنا تتغنج ..؟؟!! ، همس في أذنه وبجنبه شيطان ، هو بذاته المتغنج . قالها تابع القوم المحتسب : أتركها ينالها .. ذاك المغتصب ، تستاهل مايجرى لها ، لماذا دون محرم أتت ها هنا بشعرها الحاسر ، ودون حجاب تتخلع .. ؟؟!!
صرخت .. قالها تابع القوم المحتسب : أتركها ينالها ذاك المغتصب ، همس في أذنه فقيه السوء دجال الهرج وهو في ذاته المتخلع ، أتركها ينالها ذاك المغتصب .
قالها تابع القوم المحتسب : همس في أذنه (دجال) قوم أشر . إتيًا من منبع شر
صرخت .. قالها تابع القوم المحتسب : أتركها ينالها ذاك المغتصب ، دعها تستأهل ما يجري لها ، لماذا دون محرم أتت في شوارعنا وحدها دون حسيب تمتنع .. ؟؟!!
صرخت .. مستغيثة .. من ظلام الظلاميين .. الهمج . أتاها مرددًا أنا اخوك يافاطنة واخوك يالميرم : حين سمع استغاثتها .. فأنتفضت فيه كل حواسه الملآى بأناشيد “الغُنا” الدلوكة وبالحكي الحكامة المطعم بحماس الكناية يُحِّسِنُّها السجع ، وداعبت دواخله أصوات الدخيل يناديكم .. يناديه واااااثورتاه .. واااااثورتاه .. واااااثورتاه من مسافة الزمان أسطورة الزمان تناديه واااامعتصماه ، كان صوتها صوت ثورة لا صوت عورة ياهذا الرجيع النجيع المرتجع ، صرخت .. حين إنْتَزَعَها من براثن ذئاب ظلامية الخلع الهمج ، أنقذها رفيقة المواكب والشوارع الثورية نائرة الوهج ، أنقذها من براثن الذئاب تلك خائنة النَسَجِ مبتسمًا مفاخرًا ، مقدامًا ثائرًا ممتلئًا بهج ، أنقذها بدمه المسال من ظلام ذلك النعج ، أنقذها .. أتى بها (.. سليمة ..) إلى ضياء الثورة البيضاء ( ..سلمية ..) النهج .
ومضة : رقم [22]
دفنوني ، ما غسلوني ، ولا كفنوني . كما أنا دفنوني ، نَظّْرت في عيونهم لم أعرف نفسي فيهم أعطيتهم إسمي كاملًا ، لكني وجدتهم كتبوا رقمًا بدلًا عن اسمي تأملته وجدته رقم قروبي .. !! ، لكنه يشبه تسلسل رقمي الكودي ، ضَحّْكت ، بعد حين صَرَّخت فيهم ، حين رأيتهم بأم عيني ، التي لم تعد ترى ، رأتهم عيوني التي سيأكلها الدود ، يهيلون التراب علي جسدي ، زحفت خلف ظلالهم ،لحقت بهم قبل أن يهيلوا التراب علي جسدي ، سجلت لهم إسمي عائشة أحمد عباس المجذوب .. !! ، أمي كانت معي ياهؤلاء ، إسمها كلتوم آدم حسن إسحق التوم ..!! ليس لديها رقم كودي ، لا بأس أعطوها رقمي الكودي ، لا فرق .. نحن كنا روح واحدة في جسدين أصبحنا الآن روح واحدة في جدثين . صرَّخْتُ فيهم من عميقي وقبري ، صِحْتُ في وجوههم لكنني ما وجدتني إنما وجدتهم غادروني ، قبل أن أسمع نفسي أو يسمعوني ، بكَّيتُ عائشتي نفسي ، بكيت أمي ، وأنا وحدي ، أمي كانت قربي ، ندبت حظي ، ولولت وحدي ، على نفسي وأمي ، الحي وووب .. الحي وووب عليّ أنا ، والحي وووب علينا .. أنا وأمي .. الحي وووب علينا جميعنا . بعدها ، تمخطت ثم إستغفرت ، ثم توسّدت رأسي وغفوت ، وجدتهم تركوني وحدي للظّلامِ ،
وحدي تركوني دون أمي . أناشدكم أخبروا بقية أهلي إن بقي فيهم أحد يتفقدني – إنني أرقد هنا في قبري برقمي الكودي ، وليس بإسمي الأصلي أو هويتي ، أو حتى نوعي ، إن كنت أنا أنثى أو لا أنثى ، كما هو مدون في شهادة ميلادي التي لم إستخرجها بعد .
ومضة : رقم [23]
إعتادت أذني : على إسمها الدانة ، على رسمها ، الدانة على شرها الدانة ، على فَتكِها الدانة ، إلى أن جاء يوم زارتنا الدانة ، ولكنا لم نرحب بها ، زارتنا الدانة ولكنها لم ترحب بنا . جالسة أنا أرتب لشاي الصباح وأطفالي الثلاث بقربي ، لكني حين إلتفت نظرت لم أجد كاسات الشاي المصطفة أمامي كاسات الشاي المرصوصة أمامي أشلاء نازفة ، نظرت أمامي وجدت ، أطفالي الثلاث بقربي ، أشلاء مبعثرة وقد إختلطت بأشلاء كاسات الشاي لم أعد أتبين إيهما الكاسات وأيهم أطفالي ، الثلاثة الولدان والبنت الوحيدة ، بدأت دموعي تذرف ، لم أجدها دموعي ، بدأ جسدي ينزف ، لم أجده جسدي ، جفت دموعي ، دموعي لم تعد تذرف ، جسدي لم يعد ينزف ، فقد جاءتنا الدانة لزيارتنا ولم نرحب بها ، جاءتنا قصدًا ولم ترحب بنا ، لذلك شربنا شاي الصباح ، وعدنا من حيث كنا ، حيث أصبحنا أشلاء .
كبسولة : رقم [24]
في زمان مضى : بأدبه الجم كان يحث أهل منزله والجيران عدم رمي النفايات أمام أعتاب باب بيته .
في زمان أتى : كان بذات يديه يحمل النفايات بحماس إلى مزبلتها من أمام أعتاب باب بيته .
في زمان الحاضر :
وجدوه حين عادوا بعد قذيفة عنيفة جثة مهترئة وكان ذلك أمام
أعتاب باب بيته .
في زمان اللحظة :إحتاروا فلم يجدوا حلًا في مواراته الثرى غير قبره أمام أعتاب باب بيته .
كبسولة : رقم [25]
ماشيًا كان ، متعكزًا همَّين عصيين .. والحلم هباء ، إبنه الصغير بلا حليب وبلا دواء للشفاء ، إبنه الصغير قد يغيب قبل أن يراه . أمه المريضة ماتت أمس ولم تجد الدواء ، غطَّاه ليرتوي من سيماه ، في حضنه ضماه ثم “لولَّاه” وبين يديه ناجاه ، وخلف نبض قلبه اللهوف واراه ، حتى اليه يعود بالحليب والشفاء .
ماشياً كان ، ويداه تحسبان قليل مال للحليب والدواء للشفاء
في طيات خياله المعصوب بطمانينة هشة داراه ، لم يكن يحسب أن هناك من ظنه فريسة ، صيداء يصيح من خلفه يصيح ، قف مكانك ، وهو يعمر كلاشنكوفه ، قف مكانك لا تتحرك وإلا… !!؟؟ فأنت واحد من الأعداء .
ماشياً كان ، لم تسمع أذناه ذلك النداء ، برصاصة باردة هوجاء ، قتيلًا أرداه ، بعد كل هذا التنمر إكتشف الصياد أن الفريسة فقط كانت .. صماء !! .
ومضة : رقم [26]
[تعانق الأرواح]
منذ الرصاصة القاصدة قصدًا صدر الأول الدعسة العامدة عمدًِا..جسد الثاني سكت النبضان ، لكن الروحان طارت لحقت..ولحقت ، بالأشجار التي لا تموت إلا واقفة ، وحلقت .. وحلقت ولازالت .. والروحان في الفضاء الرحب وفي الأفق النعيم تعانقًا ممتد وبينهما ، تتعانق قبضة اليد وهتاف الحناجر ، ورد الخناجر ، وورد الحراير وسيل الوعي في حلم المحابر تردد ، العسكر للثكنات والجنجويد ينحل .
ومضة : رقم [27]
في زمان مضى : بأدبه الجم كان يحث أهل منزله والجيران عدم رمي النفايات أمام أعتاب باب بيته .
في زمان أتى : كان بذات يديه يحمل النفايات بحماس إلى مزبلتها من أمام أعتاب باب بيته .
في زمان الحاضر :
وجدوه حين عادوا بعد قذيفة عنيفة جثة مهترئة وكان ذلك أمام
أعتاب باب بيته .
في زمان اللحظة :إحتاروا فلم يجدوا حلًا في مواراته الثرى غير قبره أمام أعتاب باب بيته .
ومضة : [28]
إنطلق صوت حنجرة الدراما الذهبية .. عاليًا ، صوت تلك الدرامية دومًا دويًا ، لحظتها إنطلق داويًا صوت القذيفة العبثية متعاليًا ، التقى الصوتان في فضاء المسرح الدرامي ناعيًا . فرقعة صوت القذيفة العبثية ، أسكت صوت صفقة الإعجاب للحنجرة الذهبية ، حين مسرحًا كان ، عايدًا عاندًا متمردًا ، إغتالت القذيفة العبثية اللعينة ، حنجرة الدراما الذهبية لهبًا لاهبًا ، ردت على قذيفته بتصميم المبدع الصامد تحديًا قالت عاليًا [ لاتحفروا لي قبرًا سوف أرقد فوق معهدي مسرحًا مُجَّدِدًا تعليميًا رائدًا ] .
ومضة [29]
عند فجر صباحها التحنان أَعْلَّت من طبقات صوتها الرنان ، في صباحها الريان ، فراشة تتجول في بستانها الرويان ، تدندن بأغنيتها الحبيبة إليها ، لحملها نعومة إسمها وجمال رسمها وحلاوة لحنها ولونها الفتان : “الشادن الكاتلني ريدو هلك النفوس والناس تريدو ، مالو لو يرحم مريدو ” .
أُُعجبت إحدى(دانات الشر)عابرة الفضاءآت الحزينة ، بهذا الصوت الملائكي الملئ بالحنين والشجن ، فقررت أن تستأثر به لوحدها دون العالمين ، لتفنيه لا لتغنيه ، فأخذت إليها الشادن الفنان بصوتها الحنون الديمة ملحون ، وخرجت ولم تعد به حتى الآن ، ومن يجدها فليغني وينشد معها : “الشادن الكاتلنا ريدا” “مالو لو رحما ورحم مُرّيدا ” .
ومضة [30]
( إلى روح الشهيد الفنان عازف الكمان/ خالد السنهوري )
ناح الكمان بأنة الوداع الراعشة ، باح بهمسةٍ نائحٌ بأوتاره الخمسة الخاشعة ، توقف الكمان ، عند نغمة أساه اليافعة ، صعدت روحه الغنَّاء ، وتاهت عنه صوله ، والري لا مي ، عن كمانه ، وسط دخان الفضاء سوادًا لامعًا ، تذرف دمع وداعه لحرب المبدع تركته نهبًا للفراغ ، وأصابع الفنان على أوتار الكمان تشققت منه الجفون والفنون والسواقي اللسة دائرة ، والجوع يأكل من بطن الحوت ، والكمان سلالم موسيقاه النازفة ، نازعًا ناسفًا نبراس لحن آلئه العازفة ، تهدر من خلف رناتها الأهات والأنات الآسيات الحزينات المترادفة ، حين معزوفة ” الموت جوعًا ” عاصفة .
ويغيب عنا مبدع متوسدًا جسد الكمان النائحة .
omeralhiwaig441@gmail.com
