يا أيها الفاعلون في المشهد السوداني: السلام من قريب أولى… فماذا أنتم فاعلون؟

د. صلاح أحمد الحبو

تخيلوا لحظة يتحول فيها كل صمت إلى صوت، وكل خندق إلى مرآة، حيث ترى الأطراف نفسها واقفة على حافة هاوية لم تعد تخفي سوى حقيقة واحدة: الاستمرار في الصراع ليس قوة، بل فخ أعد نفسه بنفسه. هنا، في قلب الخراب اليومي، يظهر السلام من قريب، ليس مجرد خيار، بل نافذة للنفاذ الفوري إلى واقع مختلف، حيث لا حاجة لموعظة بعيدة ولا لتسوية افتراضية، بل خطوات ذكية، قصيرة المدى، تغير قواعد اللعبة من الداخل قبل أن تُغلق كل الأبواب. في هذه اللحظة، يصبح السؤال ليس عن التحليل ولا عن التقييم، بل عن القرار الجريء: من يملك الشجاعة للبدء، ومن يمتلك القدرة على تحويل الانكسارات إلى نقاط انطلاق؟ هنا يتجلى الدور الحقيقي للفاعلين، الذين لا يمكن لأي نموذج أو خطة أن تنجح إلا بمساهمتهم المباشرة، كما جاء في قوله تعالى:

“وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما…”

أطروحة “السلام من قريب” لم تأتِ كفكرة نظرية عابرة، بل كرؤية استراتيجية متكاملة تتناغم مع قراءة متدرجة لمسار السودان منذ مرحلة ما قبل الثورة حتى الحرب الشاملة، حيث الانهيار السياسي والاقتصادي والاجتماعي يتشابك في دائرة استنزاف مستمرة. قراءة “فخ الصراع” تكشف أن الحرب لم تعد حدثًا عابرًا، بل بنية قائمة بذاتها تتغذى على نفسها وتعيد إنتاج مصالحها وشبكاتها، بحيث يصبح استمرارها أسهل من محاولات إنهائها. لم يعد الصراع مجرد نزاع على السلطة، بل نظام اقتصادي واجتماعي وسياسي متكامل يربط الفاعلين المحليين في شبكة مصالح متشابكة تجعل الانسحاب أو تجاوز منطق العنف قرارًا مكلفًا ومعقدًا⁽¹⁾.

تتضح هذه الديناميكية أكثر عند تتبع دورات الانهيار الاقتصادي السوداني، إذ لم يكن الانهيار لحظة واحدة، بل مسارًا متدرجًا بدأ قبل الثورة عندما تراكمت الاختلالات البنيوية، ثم دخل مرحلة الثورة التي فتحت أفقًا سياسيًا دون قاعدة اقتصادية متينة، تلتها مرحلة انتقالية اتسمت بالهشاشة، قبل أن يبلغ الصراع ذروته في الحرب، حيث أعيد تشكيل الاقتصاد ذاته ليصبح اقتصاد حرب قائمًا على الاستخراج والفوضى والعنف⁽²⁾. ومع ذلك، فإن هذا الواقع لم يغلق كل الأبواب، لكنه أظهر أن نافذة الخروج لا تزال ممكنة، لكنها تتطلب مقاربة ذكية ومباشرة.

في مواجهة هذه التعقيدات يصبح تحديد الفاعلين أمرًا حاسمًا؛ العسكري والسياسي والاقتصادي والمجتمعي ليسوا مجرد أطراف متنازعة، بل مفاتيح محتملة لإحداث اختراق في منطق الصراع. من هنا يظهر السؤال الاستراتيجي: من يملك القدرة على التغيير الفعلي؟ ومن يستطيع تحمل كلفة القرار الجريء، لا كلفة التردد؟ إدراك أن الخسارة المشتركة ليست حيادًا بل انهيارًا⁽³⁾ يقودنا إلى الحقيقة المركزية: استمرار الحرب لم يعد سباقًا يمكن كسبه، سواء على المدى القصير أو الطويل. ففي المدى القصير، يتآكل الجميع تحت ضغط الاستنزاف، وفي المدى الطويل تنهار الأرضية التي يقوم عليها الجميع. هنا يظهر السلام من قريب كخيار استراتيجي وحيد قادر على كسر هذه الدائرة، إذ يوقف نزيف اللحظة ويكسر منطق الاستنزاف الممتد، ويحوّل التهدئة إلى مكسب فوري، والاستقرار إلى مصلحة مباشرة، ليكون بذلك نهاية سباق المسافات القصيرة والطويلة.

لتفعيل هذه الأطروحة يقترح الكاتب نموذج حوكمة النفاذ الاستراتيجي SAG الذي يعتمد على ثلاثة محاور استراتيجية متكاملة. المحور الأول يتمثل في السلام كنقطة توازن ديناميكية، إذ يُنظر للسلام كحالة متغيرة ومستدامة تتشكل عندما تتجاوز كلفة العنف المكاسب المحتملة. المحور الثاني يتعلق بتحالفات العتبة الحرجة، أي إشراك فاعلين محددين في نطاقات جغرافية واستراتيجية صغيرة لإحداث تأثير مضاعف، يعطل منطق العنف ويعيد تشكيل سلوك الأطراف. أما المحور الثالث، فهو اقتصاد السلام الفوري، الذي يوفر مكاسب اقتصادية ملموسة وفورية من التهدئة، تشمل إعادة تشغيل الأسواق، حماية الخدمات الأساسية، وضمان تدفقات نقدية محلية، بحيث تصبح مكاسب الاستقرار مرئية وملموسة⁽⁴⁾.

هذه الاستراتيجية تؤسس لما يمكن تسميته أرخبيل السلام، جزر من الاستقرار تنتشر تدريجيًا، تعيد تشكيل البيئة الكلية بعيدًا عن الطموحات الكبرى التي غالبًا ما تفشل بسبب تعارض الحوافز. ويصبح السلام من قريب إذن ليس شعارًا فارغًا، بل خيارًا استراتيجيًا متكاملًا: هندسة توازن، إدارة حوافز، وبناء واقع بديل تدريجي. الفعل الحقيقي يتطلب أن يكون المعنيون بصناعة السلام هم أنفسهم من خلقوا معادلة الصراع أو يعيشون داخلها، وهم القادرون على تحويله إلى مسار استقرار، كما جاء في النص الديني:

“وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما…”

إذا كنتم تدركون أن الخسارة المشتركة ليست حيادًا بل انهيارًا، وإذا كانت أدوات الخروج معروفة، وإذا كان السلام ممكنًا من قريب، فإن السؤال الوحيد المتبقي والذي لا يحتمل التأجيل: فماذا أنتم فاعلون؟

habobsalah@gmail.com

عن صلاح الحبو

صلاح الحبو

شاهد أيضاً

فخّ الصراع في السودان: كيف تحوّلت الحرب إلى اقتصادٍ قائم… ولماذا يبدو الخروج منها أكثر كلفة رغم أنه الخيار الأقل خسارة

بقلم: د. صلاح أحمد الحبو في الحروب التقليدية، تُقاس الخسائر بما يُدمَّر. أما في السودان …