“يبقى حتى السداد” .. ضحايا القضاء والبرلمان .. بقلم: سيف الدولة حمدنالله
26 سبتمبر, 2014
منشورات غير مصنفة
49 زيارة
فرحت من قلبي لزوال الكُربة التي لازمت لاعب كرة سابق بفريق الهلال بعد أن قضى ثلاثة سنوات من عمره في السجن لعجزه عن الوفاء بدين، وبرغم ما أصاب الرجل من هذه المحنة إلاّ أنه شخص بخيت ومحظوظ، فلو أن الله لم يُوقف له إبن الحلال الذي قام بنشر قصته بالصحف اليومية وتحرّك بسببها رئيس النادي أشرف الكاردينال وآخرون تحملوا عنه سداد المديونية، لأمضى الرجل بقية عمره بالسجن الذي كان يقضي بأن “يبقى حتى السداد”، فقد كان المسكين على باب الله بعد أن تعرض لخسارة في تجارته بحسب ما كُتب عنه، بيد أن خروج شخص واحد من السجن لا يضع نهاية لمأساة هذه المادة المشئومة، فهناك آلاف من الرجال والنساء من غير ذوي الحظ مثله الذين أمضوا سنوات ولا يزالون خلف أسوار السجون في إنتظار أقرب الأجلين، الوفاء أو الوفاة.
هذا عبث وإستهتار بقيمة حياة الإنسان ليس له مثيل في قانون أيدولة بهذا الكون، وقد أدخل نظام الإنقاذ هذه القاعدة التي لم تعرفها قوانين السودان المتعاقبة منذ أن فجر تاريخه، فالعقلية التي شرّعت هذه القاعدة التي تخالف العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، الذي ينص في المادة (11) على عدم جواز سجن الشخص بسبب عجزه من الوفاء بإلتزام تعاقدي، هي نفس العقلية التي شرّعت القانون الذي يمنح العسكري النفر حصانة قضائية ولقاعدة سقوط الجرائم بالتحلل وغيرها من القوانين التي تفتقر للحكمة والخيال السليم، فهي عقلية سمسار لا عقلية رجل قانون أو تشريع.
القاعدة في القانون، أي قانون،أن التعاملات المالية بين التجار والأفراد شأن خاص لا شأن للدولة بها، وأن واجب التحقق من الملاءة المالية للمدين ومقدرته على الوفاء يكون على الدائن الذي يتحمل وحده نتائج سوء تقديره بترتيب دينه على الشخص الخطأ، فالذي يبيع سيارته بالمؤجل لشخص مقتدر ومعروف لديه يكون قد أحسن في حق نفسه بخلاف الذي يقوم ببيعها بنفس الطريقة لعابر سبيل إلتقى به صدفة في دلالة العربات.
كما أن القاعدة تقول بأن الذي يضمن الدين هو ذمة الشخص المالية لا حريته، وأن أقصى وسيلة يلجأ لها القانون في حمل المدين وإجباره على الوفاء بالدين هي الحجز والتنفيذ على ما في ذمتة من أموال منقولة أوعقارية (بالترتيب)، والحجز على ديونه وحقوقه لدى الغير وفق الضوابط والشروط التي يفصلها القانون، ومنعه من السفر للخارج إذا كانت هناك خشية من هروبه ..الخ، فالدولة لا تتدخل في شأن الدين إلاّ بالقدر الذي يكون فيه عدم الوفاء بالدين مقترناً بسلوك مادي من المدين يستلزم معالجته بسلطة الدولة وفي حدود واجبها العام نحو إستقرار المجتمع، وتطبيقاً لهذه القاعدة، تُجيز كثير من التشريعات جواز حبس المدين في السجن لإجباره على الوفاء بالدين ولكن وفق ضوابط وشروط معينة وفيما يُعرف فقهياً ب “الإكراه المدني”.
وقد عرفت قوانين السودان قاعدة “الإكراه المدني” منذ قانون القضاء المدني (1929)، وظل معمولاً بها حتى قانون الإجراءات المدنية (1983) الذي كان سارياً قبل أن تحل علينا كارثة الإنقاذ، وقد كانت تلك القوانين تُجيز حبس المدين في السجن فقط في حالة رفض المدين الوفاء بالدين مع مقدرته على السداد، أو إذا فضّل المدين أحد دائنيه تفضيلاً غير عادل (كأن يوفي دين حديث بملايين الجنيهات لأحد الدائنين وفي ذمته دين قديم بمبلغ بسيط لدائن آخر)، أو إذا نقل المدين أمواله من ذمته أو أخفاها أو قام بتهريبها بعد رفع الدعوى لتفادي تنفيذ الحكم.
ومن المهم معرفة أن القوانين المذكورة كانت قد جعلت أقصى مدة لحبس المدين لا تتجاوز ستة أشهر، كما جعلت نفقات معيشة المدين بالسجن على حساب الدائن، وهذه المعلومة توضح مدى دقة المشرع وإعتنائه بالتفاصيل بحيث أنه نص على عدم مسئولية الدولة عن نفقات حبس المدين وبما يؤكد ما تولينا توضيحه في خصوص الحدود التي تقف عندها واجبات الدولة.
هناك رأي يرى ضرورة التمييز بين الديون العادية، والديون التي تنشأ عن جريمة جنائية (مثل قضايا الشيكات)، حيث يرى البعض أن يقتصر تطبيق قاعدة “يبقى حتى السداد” على النوع الأخير دون الأول، وفي تقديري أن هذا الرأي غير سديد ويحمل نوعاً من المساومة لا معالجة المشكلة في إطار القانون، فالدين دين حتى لو كان منشأه جريمة، ذلك أن جبر الضرر الناتج عن الجريمة لا يعتبر جزءاً من العقوبة، فواجب الدولة حيال الجريمة هو توقيع العقوبة بما يحقق ردع الجاني وحماية المجتمع، لا أن تكون الدولة وكيلاً في تحصيل الديون التي تترتب على تلك الجرائم، ذلك أن وبمجرد صدور الحكم الجنائي بالتعويض عن ضرر أحدثته الجريمة (كالحكم للشاكي بمبلغ الشيك المرتد مثلاً)، فإن سداد المبلغ المحكوم به ينفصل عن الحكم ويخضع في تنفيذه لأحكام تنفيذ الديون التي سبق الإشارة إليها، فالأصل في القانون أن تُحيل المحكمة الجنائية موضوع التعويض وجبر الضرر للمحكمة المدنية ولا تقضي فيه إلا على سبيل الإستثناء الذي تقتضيه إعتبارات التلازم بين الدعويين المدنية والجنائية.
للقضاء دور كان يمكنه القيام به في معالجة هذا النص المعيب بما يخدم العدالة، ولو أن القضاء كان قضاء بصحيح، لما توسع في تطبيق هذه القاعدة، بالقدر الذي يجعل هناك اليوم آلافاً مؤلفة من الرجال والنساء ينتظرون تمام الأجل خلف أسوار السجون (هناك أكثر من ثلاثة ألف سجين بموجب هذه المادة بسجن الهدى وحده بحسب تصريح اللواء شرطة عبد اللطيف سر الختم وديدي مدير السجن)، وما كان ذلك ليحدث لو أن بالمحكمة العليا مثل قضاة الماضي الذين ما كانوا ليسمحوا بمثل هذا العبث الذي يجري بإسم القانون، فأوجب واجبات المحكمة العليا أن تقوم بتفسير القانون بالكيفية التي تضمن تطبيق العدالة على الوجه الصحيح،ولو أن لرئيس القضاء كلمة وسلطة ومكانة لأصدر ما يضبط ويقيد به قضاته عند تطبيق هذا القانون المعيب، كما فعل مولانا دفع الله الحاج يوسف الذي كان قد أصدر منشوراً للقضاة إنحاز به للعدالة على حساب صريح القانون، حدث ذلك عقب صدور قانون عقوبات 1983 والذي كان ينص على عقوبة السجن والجلد والغرامة مجتمعات على معظم الجرائم، فأصدر منشوراً فحواه أن يقرأ القاضي (واو) العطف الواقعة بين كل عقوبتين كما لو أنها (أو).
لا أدري كيف يكون السجن المؤبد عقوبة للفقر والإعسار والعجز عن السداد، في بلد حكومته هي الأخرى مدينة وعاجزة عن السداد، ولم تترك صندوقاً أو بلداً به مال لم تمد يدها إليه، أقرأ معي هذا التصريح الذي نشرته وكالة الأنباء السودانية الرسمية “سونا” بتاريخ 25 سبتمبر 2014 ” قال د. صابر محمد الحسن رئيس لجنة الديون الخارجية والمحافظ الأسبق لبنك السودان أن لجنة التعاون المشتركة لإعفاء الديون بقيادة الرئيس ثامبو أمبيكى تواصل جهودها فى الاتصال بالدائنين والمجتمع الدولى للحصول على تأكيدات بإعفاء ديون السودان،،وأن ديون السودان تبلغ(43) مليار دولار اصل الدين منها (15) مليار دولار وما تبقى عبارة عن فوائد متراكمة”.
لا يمكن أن يمضي شخص حياته في السجن المؤبد بأمر دائن، وهناك من يقبعون اليوم خلف الأسوار في مبالغ بسيطة تصل لخمسمائة جنيه– الحديث للواء شرطة وديدي – من بينهم شخص مسجون بسبب عجزه عن سداد أجرة منزل، ولا بد أن تكون هناك عشرات القصص المحزنة لمحتجزين جار عليهم الزمن أو قست عليهم الظروف، من بينها قصة الشاب عبداللطيف أحمد عبداللطيف التي يداوم على إطلاعي بتطوراتها أحد أقربائه الذي تربطني به صداقة،والذي سبق أن تعرضت لمحنتة في مناسبة سابقة، فقد دخل عليه العام الثالث وهو لا يزال خلف أسوار السجن بلا أمل في أن يرى الشمس من جديد، في ضوء عجزه عن سداد المبلغ المحكوم به عليه لصالح مخدمه السابق (أشرف الكاردينال) الذي وردت الإشارة إليه في صدر هذا المقال، وقد نصحت قريبه بأن يقول له بأن يرفع الراية ويعلن الإستسلام وينسى الحديث عن براءته من التهمة التي دخل بسببها السجن (شيك مرتد)، وأن يُرسل من يترجّى الكاردينال أن يعفو عنه ويعتق رقبته، إن لم يكن من أجل نفسه، فمن أجل إبنته (طالبة جامعية) وإبنيه (واحد بالثانوية والثاني بالأساس) وحتى تعود البسمة لوالديه المسنَين، كما نسأل الله أن يُسخر لكل أسير بموجب هذه المادة من يفك كربته بعفو أو مساعدة، حتى يأتي اليوم الذي تنفك فيه كربة كل أهل الوطن من الذين جلبوا إليه هذا البلاء.
سيف الدولة حمدناالله
saifuldawlah@hotmail.com