لِمَاذَا يَجِبُ أنْ تَبْدَأ مُحَادَثَاتُ جِنيْف لوَقْفِ إطْلَاقِ النَارِ بِدُوْنِ السِيَاسِيِيِّن؟

ِمَاذَا يَجِبُ أنْ تَبْدَأ مُحَادَثَاتُ جِنيْف لوَقْفِ إطْلَاقِ النَارِ بِدُوْنِ السِيَاسِيِيِّن؟
Why Geneva Ceasefire Talks Should Start Without Politicians?
بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي، مركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
تقديم:
أدت الحرب في السودان إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم: ملايين النازحين، مجاعة تلوح في الأفق، ومدن تحولت إلى أنقاض. ومع هذا الواقع المأساوي، يبرز السؤال: كيف يمكن وقف القتال بسرعة؟ وبينما يبحث الوسطاء الدوليون عن سبل لوقف إطلاق النار، عاد نقاش قديم إلى الواجهة: هل يجب إشراك السياسيين السودانيين منذ اليوم الأول؟
الإجابة البديهية تبدو “نعم”، فالمدنيون هم الأكثر تضرراً، وأي عملية تستبعدهم قد تُكرر أخطاء الماضي التي قادتها النخب. لكن الحقيقة أكثر تعقيداً. وقف إطلاق النار ليس تسوية سياسية شاملة، بل خطوة محددة: إسكات البنادق، تأمين الممرات الإنسانية، وتهيئة مساحة لحوار أوسع لاحقاً. تحميل هذا المسار الهش بصراعات السياسة الداخلية قد يحكم عليه بالفشل قبل أن يبدأ.

  1. أهمية التدرج في المشاركة
    مفاوضات وقف إطلاق النار هي عملية تقنية بامتياز: اتفاق على المراقبة، وضمان وصول المساعدات، وفك الاشتباك العسكري. إدخال الأحزاب السياسية في هذه المرحلة يعني جلب خلافات غير محسومة وصراعات شرعية إلى عملية يجب أن تظل مركزة وسريعة.
    الدروس العالمية واضحة: في جنوب السودان (2014–2015) أدى تورط السياسيين المبكر إلى جمود المحادثات وتأخير وصول المساعدات. وفي ليبيريا (1993) أطالت المفاوضات المزدحمة بالمتنافسين الحرب لسنوات. بينما نجح مسار دايتون في البوسنة لأن وقف إطلاق النار تم بشكل ضيق ومحدد، ثم تلت ذلك القضايا السياسية بعد صمت البنادق. والسودان ليس استثناءً: مرحلة أولى نحيلة، تليها مرحلة ثانية شاملة، هي الطريق الأمثل.
  2. مخاطر إشراك السياسيين مبكراً
    الانخراط المبكر للسياسيين يحمل أربع مخاطر رئيسية:
    أ. تحويل المحادثات إلى ساحة صراع: الانقسامات العميقة بين التحالفات السياسية قد تهيمن على المفاوضات.
    ب. شل العملية بسبب نزاع الشرعية: من يمثل المدنيين؟ سؤال غير محسوم يمكن أن يوقف المحادثات.
    جـ. إزاحة البعد الإنساني: كل يوم تأخير يعني أرواحاً تُزهق؛ الأولوية يجب أن تكون للمساعدات، لا للصراعات الحزبية.
    د. تعزيز قبضة القوات المسلحة والدعم السريع: الانقسام السياسي قد يعطي مظهراً زائفاً بأنهما الطرفان الوحيدان القادران على إنجاز اتفاق.
  3. مبادئ يجب على الوسطاء اعتمادها
    الاستبعاد لا يعني تجاهل المدنيين، بل تنظيم مشاركتهم وفق خمسة مبادئ:
    أ. مرحلة أولى رشيقة: يقتصر الحضور الرسمي على الجيش والدعم السريع والوسطاء والخبراء الفنيين.
    ب. حماية الشرعية المدنية: إشراك مؤسسات فكر ومراكز تميُّز وفاعلين إنسانيين ونقابات مهنية ومنظمات نسائية كمراقبين لضمان بعد مدني متوازن.
    جـ. القنوات الجانبية: استشارة القوى السياسية بانتظام خارج الطاولة الرئيسية، ويفضل إسفيرياً.
    د. ضمان التدرج: فتح المرحلة الثانية للأحزاب والقواعد الشعبية بعد استقرار وقف إطلاق النار.
    هـ. التواصل الواضح: تقديم التدرج كخطة استراتيجية لا كإقصاء، لتجنب الشكوك والعرقلة.
  4. تمثيل مدني فعّال
    استبعاد السياسيين في المرحلة الأولى لا يعني ترك العملية تحت سيطرة العسكريين فقط. يجب أن يكون هناك تمثيل مدني حقيقي، ليس للتفاوض على أجندات حزبية، بل لضمان الأبعاد الإنسانية والاجتماعية للسلام.
    التمثيل المدني المثالي يأتي من مراكز فكر وطنية غير حزبية، مراكز تميز، نقابات مهنية، ومنظمات نسائية ذات حضور مجتمعي واسع. هؤلاء يضمنون أن تكون العملية مدعومة بالخبرة الفنية، مرتبطة بالشرعية الاجتماعية، ومتصلة باحتياجات حماية المدنيين، دون استيراد الصراعات الفئوية، ولا السياسية، ولا المناطقية.
    خاتمة
    السودان يقف عند مفترق طرق. الإصرار على مشاركة سياسية كاملة منذ البداية قد ينسف محادثات وقف إطلاق النار ويطيل الحرب. بينما يوفر النهج المتدرج، مفاوضات تقنية رشيقة في المرحلة الأولى، وسياسة شاملة في المرحلة الثانية. وهذه أفضل طريقة لإسكات البنادق وفتح المجال للتحول المدني الديمقراطي.
    السياسيون الذين يتحلون بالحنكة وضبط النفس اليوم سيكونون أقوى غداً، والوسطاء الذين يلتزمون بالتدرج سينقذون الأرواح، والمدنيون الذين خُذِلُوا طويلاً، يستحقون أن تضع جنيف سلامتهم في المقام الأول.
    melshibly@hotmail.com

عن بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

شاهد أيضاً

رسالة مفتوحة إلى عبد العزيز بركة ساكن

atifgassim@gmail.comعزيزي عبد العزيز بركة ساكن،أكتب إليك هذه الرسالة لا من موقع الخصومة، ولا بدافع الرد …