دكتور الوليد آدم مادبو
هناك لحظات في حياة الرجال العموميين لا تُقاس فيها الحكمة بما يفعلونه، بل بما يمتنعون عن فعله.
والبروفيسور قاسم بدري، مدير جامعة الأحفاد التي أسسها جده الشيخ بابكر بدري، رائد تعليم البنات في السودان، رجل رحيم ودود، متواضع، واسع البال، مجامل، مواصل، يسعى لخدمة الكل دون تمييز؛ فالسودانيون كلهم لديه أهل. وهو، فوق ذلك، سهل القريحة، سريع البديهة. وإلى جانبه زوجه المصون الدكتورة آمنة بدري، الأكاديمية المعروفة باستقلاليتها وحضورها الفكري والإنساني البديع.
ومن أجل هذا يستحق الرجل أن يُحاط في هذه اللحظة الحرجة، لا أن يُترك وحيدًا أمامها. فاسمه مُدرج ضمن «مبادرة» أو لجنة يرى فيها كثير من السودانيين محاولة لإخراج قائد الجيش من مأزقه السياسي، في ظل حرب أثقلت البلاد بالانتهاكات والمجاعة والاتهامات الجسيمة، بما في ذلك استخدام السلاح الكيميائي. ورصيد قاسم بدري، الذي بناه عبر عقود من التعليم والعمل العام، قد يتضرر من موقف واحد أو صورة واحدة.
والمفارقة أنه لا يبدو ساعيًا إلى مكسب شخصي أو للحصول على «كدّة»، بتعبير أهل السودان؛ والأرجح أنه يتحرك بدافع الخوف على جامعته. لكن حسن النية لا يحمي من سوء التقدير، والحرص على المؤسسة قد يقود صاحبَه، في لحظة قلق، إلى ما يضر بتاريخه أكثر مما يحمي مؤسسته.
وهنا يأتي دور الزوجة التي تعرف الرجل من الداخل، وتملك من الاستقلال والشجاعة ما يكفي لتقول له: «توقف».
سيدتان أمريكيتان، وموقفان متناقضان
في عصر ووترغيت، جسدت بات نيكسون ومارثا ميتشل طريقين مختلفين في معنى «الولاء». وقفت الأولى إلى جانب زوجها ريتشارد نيكسون حتى النهاية، بينما اختارت الثانية أن تواجه زوجها ودائرة الرئيس حين رأت أن ما يجري يتجاوز الخلاف السياسي إلى فضيحة خطيرة. دفعت مارثا ثمنًا باهظًا لموقفها، وشُكك حتى في سلامتها العقلية، قبل أن ينصفها التاريخ في جوهر تحذيراتها.
المفارقة ليست أمريكية بقدر ما هي إنسانية، ولذلك فهي تمس السودان مباشرة: متى يكون الوقوف إلى جانب الرجل وفاءً له، ومتى يصبح إنقاذه من نفسه هو عين الوفاء؟
المرأة في البيت السياسي أو العام قد تكون حارسةً للإرث أو شريكةً في هدمه.
آمنة بدري أمام هذه اللحظة. فهي ليست مطالبة بأن تؤيد زوجها في كل ما يفعل، بل بأن تقول له، حين يلزم الأمر: توقف؛ فبعض المواقف لا تحمي الرجل، وإنما تستهلك رصيده وتؤذي الإرث الذي حملته الأسرة أجيالًا.
«من تكلم في غير فنّه…»
استمعتُ إلى البروفيسور قاسم بدري وهو يتحدث عن «الحوار السوداني» بلغة أقرب إلى العاطفة منها إلى قراءة سياسية متماسكة للحظة السودانية، فتذكرت قول الحافظ ابن حجر العسقلاني: «من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب».
وأشفقت على الرجل، وتمنيت لو أن آمنة كانت إلى جواره في تلك اللحظة تحديدًا لتنقذه من نفسه.
فثمة عوامل متداخلة كثيرة — عمره المديد، مرضه الأخير، محبته العميقة لمن حوله، وحرصه على مؤسسته حد القلق — تجعله عرضة لسوء التقدير في أفضل الظروف، وقد تقوده، في أسوئها، إلى ما يخون تاريخه وتاريخ أسرته دون أن يقصد.
البحث عن مخرج سياسي للسودان قد يتحول إلى بحث عن مستقبل سياسي للبرهان؛ من إبقائه في السلطة إلى تنصيبه رئيسًا للسودان. وهنا ينقلب «الحوار السوداني» من وسيلة لإنهاء الأزمة إلى وسيلة لإعادة تدويرها.
من منطق الحماية العائلية إلى منطق المؤسسية
هنا يكمن الحل الذي يخرج قاسم بدري من مأزقه الآني ومن معضلته البنيوية معًا.
التاريخ الأمريكي حافل بجامعات عريقة أسستها عائلات ثم تحولت، بمحض اختيار تلك العائلات نفسها، إلى مؤسسات عامة تحكمها مجالس أمناء مستقلة. جامعة ستانفورد، التي أسسها ليلاند وجين ستانفورد تكريمًا لابنهما الراحل، لم تبقَ إدارة عائلية مغلقة، بل سُلّمت إلى مجلس أمناء مستقل منذ عقودها الأولى. وجامعة ديوك حملت اسم عائلة ديوك التي مولت تأسيسها، لكنها تُدار اليوم عبر مجلس أمناء مستقل لا صلة له بالعائلة إداريًا. وكذلك جامعة فاندربيلت التي بدأت بتبرع رجل أعمال واحد، لتصبح لاحقًا مؤسسة أكاديمية مستقلة عن اسم مؤسسها الإداري.
واللافت أن هذه العائلات لم تخسر شيئًا من هذا التحول، بل ربحت ما هو أثمن من السيطرة الإدارية: خلود الاسم وصون الإرث. فالتاريخ لم ينسَ عائلة ستانفورد ولا عائلة ديوك، بل خلّد أسماءها في أعرق جامعات العالم، لأنها أدركت أن التمسك بمقاليد الإدارة يُعرّض الاسم نفسه للاهتزاز مع كل تغير في الأجيال أو الظروف السياسية، بينما تسليمه إلى مؤسسية مستقلة يحفظه إلى أبعد مدى.
الكنكشة ومحاولة القبض على كل المفاصل الإدارية، مهما حسنت النية وراءها، قد تكون أفضل وسيلة لضياع الإرث لا حفظه؛ فالسيطرة الضيقة تجعل مصير المؤسسة رهينًا بمصير شخص أو أسرة، بينما تحريرها من هذه القبضة هو أعلى درجات حفظ الجميل لجهد من أسسوها.
ومؤسسية بهذا المعنى ليست شعارًا فضفاضًا، بل ممارسات محددة يعرفها كل من درس تجربة الجامعات الكبرى: مجلس أمناء مستقل تُعرض عليه القرارات المصيرية، ومعايير معلنة وشفافة للمنح والتوظيف والترقية تقوم على الكفاءة لا القرابة، ومساحة طبيعية لأن يكوّن الأساتذة والطلاب أطرهم النقابية والتمثيلية كما هو معتاد في أي جامعة ليبرالية حقة، وانفتاح أكاديمي على حقول العلوم الإنسانية والاجتماعية النقدية بقدر الانفتاح على العلوم التطبيقية، ومسافة واضحة تفصل الجامعة عن أي انحياز حزبي أو طائفي، مهما كانت خلفية القائمين عليها الشخصية.
هذه ليست دعوة لتصحيح خطأ بعينه بقدر ما هي تذكير بأن المؤسسية، حين تكتمل أركانها، تصون الجامعة من التوظيف السياسي، أيًا كان مصدره: عسكريًا أو حزبيًا أو حتى عائليًا حسن النية.
حين تصبح جامعة الأحفاد بهذا المعنى «ملكًا للشعب» لا ملكًا لعائلة، يتغير ميزان القوى بالكامل. لن تعود عرضة للابتزاز السياسي، لأن حمايتها لن تكون رهينة قرار فرد أو عائلة يُراد ابتزازهما عبر التهديد بمصادرة المؤسسة، بل ستكون مسؤولية جماعية يتولى المجتمع نفسه الدفاع عنها إن حاول أي طرف — عسكريًا كان أو مدنيًا — المساس بها.
عندها فقط يكون قاسم بدري قد وفّى لقيمه الليبرالية المعلنة، وحفظ لجده ولأسرته إرثًا لا يُهدَّد بتغير الحكام.
فهذه الجامعة لن تُستَنقذ إلا حين يُدرك مديرها ومن حوله أنها، في نهاية المطاف، جامعة الشعب لا جامعة العائلة؛ وأن أفضل حماية لها ليست مقعدًا في لجنة، بل تحريرها من قبضة الفرد لصالح مؤسسية تحميها من الجميع في آن واحد.
وأفضل من يستطيع أن يهمس بهذا في أذن الرجل، في هذه اللحظة تحديدًا، هي زوجته ورفيقة دربه آمنة بدري.
